التعدين.. اقتصاد السودان المعاق

ملح الأرض : بقلم/ خالد ماسا
ووصفتين أقتصاديتين ظلتا تمثلان الثابت في الروشته التي تكتبها ” شفخانة” الاشاعة الاقتصادية كلما ضاقت بالشعب السوداني السبل لمعيشة كريمة وارتفع الدولار وحط التضخم من مقدار الجنية السوداني .
الاولى في هذه الوصفات الاقتصادية نتاج تفكير عاجز ورغائبي رسميا وشعبيا تتحدث عن ” الوديعة” الدولارية في البنك المركزي السوداني من جهة يتغير أسمها وجغرافياها في الخليج تنعش الاقتصاد وتشد ” حيل” الجنية ولو لفترة قليلة .
ما يجعل مثل هذه الوصفة تلقى رواجا بل ويمكنها ان تؤثر اقتصاديا هو أن تاريخها في اوقات كثيرة كان هو الحقيقة التي عولجت بها اعاقة الاقتصاد السوداني ومنحته مؤقتا قبلة الحياة وبالتالي اصبحت ” أضان” السوق تستريح لسماع هذه ” النغمه” الاقتصادية ويستجيب مرضها العضال لهذا المسكن .
الوصفة الثانية تتعلق بوصفة رسمية ايضا تمت تجربتها سابقا وانطلت الحيلة التي فيها على الشعب الذي يتنفس اقتصادة تحت الماء بحكاوي التغيير الحكومي واصدار قرارات اقتصادية تحسم فوضى الدولار والتلاعب باقتصاديات البلد .
هذه المره الازمة صارت أكبر بكثير من المضاد الحيوي في الوصفتين اعلاه والتكرار علم مجرمي السوق من المضاربين بالعملات الاجنبية والمحتكرين بان الاعاقة في جسد الاقتصاد السوداني لا يمكن ان تستجيب لهذا النوع من الوصفات .
(*) الذهب السوداني.. من باطن الأرض الى مقبرة الاقتصاد …
وفي الوقت الذي يتحدث فيه الجميع عن أن الذهب يمثل ٤٠% من صادرات السودان وانه متى ماتم ضبط مسارات الصادر من هذا المنتج من باطن الارض وعودته كعوائد للصادر بالقيمه الدولارية فان ذلك سيكون كفيل بسد النقص في مركبات صحة الاقتصاد السوداني تخرج الشركات العاملة في مجال التعدين بتهديدات التوقف عن البحث عن المعدن النفيس في باطن الارض السودانية ابتداءا من أكتوبر القادم وذلك بسبب ما أسمته الشركات بآليات التسعير المعتمدة من بنك السودان بادعاء أن هذه السياسة تسبب لهم خسائر تشغيلية.
واقع الحال الذي نراه ماثل أمامنا هو أن الذهب الموجود بكميات ليست بسيطة في باطن الارض السودانية حقيقة كان قد تحول من قاطرة للتنمية في السودان الى وقود للحرب فيه ومن فرصة لانقاذ الاقتصاد الى مصدر للصراع وتهديد للبيئة بشكل خطير في السودان .
وبالضرورة نحن هنا لانريد ان نقول بان ما كان يقال عن البترول ” الذهب الاسود” في وقت من الاوقات أبان أكتشافة بانه كان سببا في أشتعال الصراع السوداني واثرت المطامع فيه لدرجة انه كان القرار الحاسم في أعادة ترسيم الخارطة السودانية شمال وجنوب لتصبح دولتين مستقلتين تماما شعبا وجغرافيا وتشتركان فقط في ان كلاهما تمضيان منذ أختيار تقرير المصير والانفصال باعاقة ظاهرة في الاقتصاد ولكن المشهد فيه الكثير من التطابق المخيف متى ما فكر الاقتصاد السوداني بان الحلول الجذرية للاعاقة فيه لازالت موجودة في باطن الارض .
في الاساطير وحكايات ” جزيرة الكنز” يظل معدن الذهب مرتبطا بالاساطير واللعنه التي تصيب كل من يبحث عنه في باطن الارض ونحن نرى بان المشكلة ليست في البحث عن الذهب في باطن الارض باعتباره ثروة يمكن ان تحدث تحولا عظيما في الاقتصاد السوداني لدرجة ان يسد الفراغ الذي حدث بسبب خروج البترول من الموازنة السودانية وإنما في منظومة إدارة هذه الثروة والتي سجلت فشلا كبيرا في السابق بادارة البترول لتؤول الامور في الاقتصاد الى ما آلت اليه من سوء في التوزيع وقسمه عوائدهاوالرقابة عليها وادارة علاقتها بالسلطة والحرب.
أذ يبقى السؤال قائما في بلد يمتلك موارد معدنية واسعة ويمثل نشاط التعدين والبحث عن الذهب النشاط الاكثر انتشارا في العقدين الاخيرين من عمر الاقتصاد السوداني ويعمل ملايين المواطنين السودانيين في قطاع التعدين بشكل رسمي وأهلي ولكنه وعلى الرغم من ذلك لا ينجح في تحويل هذه الثروة إلى خدمات عامة مستقرة أو بنية إنتاجية أو عملة وطنية قوية تمنع آثار الاعاقة الواضحة في الاقتصاد السوداني فاين هي العله ؟ .
والاجابة بالضرورة لهذا السؤال لاتحتاج لكثير تفكير في ان خروج الذهب والتعدين بحثا عنه في ظل حالة الاضطراب السياسية الكبيرة التي يعيشها السودان تحول الذهب من مورد أقتصادي مهم ويضيف أرقاما مؤثرة في الموازنة العامه للبلد الى مورد تتصارع عليه مراكز القوة المتعدده في هذا البلد.
الحقيقة التي كشفتها حرب الاربع سنوات التي تدور الان هي ان التعدين والبحث عن الذهب واكتشافة لم ينعكس في شكل عائدات يمكن أستثمارها في قطاعات الزراعة والانتاج الصناعي وتحسينات في البنية التحتية للبلد.
تحولت عائداته الى ” لعنة” فرخت مجموعة من المليشيا تشتري السلاح والمخدرات هي عبارة عن ” كارتيل” عصابي لاعلاقة لهم مع أي نوع من الاصلاحات الاقتصادية التي تصلح حال المواطن والبلد.
يرتفع حاجب الدهشة لدى المتابعين لمؤشرات الاقتصاد في العالم وهم يقرأؤون في ارقام الانتاج للتعدين في الذهب السوداني بينما يمثل متوسط دخل المواطن السوداني الرقم الاضعف على مستوى العالم الشيء الذي يؤكد بان هنالك خلل ما في أدارة هذا المورد وعمليات التعدين في السودان الذي لا يعاني من فقر الثروة بقدر ما أنه يعاني من عجز المنظومة التي تستخرج الثروة وتديرها وتوزع عوائدها.
دراسة تجربة مليشيا الدعم السريع والقراءة في صفحة ” جبل عامر” واحتكار التعدين فيه ومدى انعكاس ذلك على اقتصاديات تمويل الحرب والتجهيزات العسكرية تعطينا فكرة واضحة في كيفية تحول عملية التعدين الى وريد رئيسي يغذي الحرب التي انهكت اقتصاد السودان وصارت وبالا على المواطن فيه بعكس ما ماهو متوقع ومرجو من دخول الذهب كمعدن غالي ونفيس الى جسد الاقتصاد السوداني .
واحدة من الحلقات الضعيفة جدا في اقتصاد هذا البلد ومن مسببات الاثار العكسية للتعدين والتنقيب عن الذهب في السودان هي عدم امتلاك الحكومة آليات فعالة لتتبع الذهب المنتج من مواقع استخراجه المختلفة الى منافذ تصديرة وتحصيل العوائد من تصديرة لتكوين الاحتياطي الكافي من العملات الاجنبية.
الاعاقة الموجودة في الاقتصاد السوداني هي انه صار تابعاً للحرب ووفقا لمطلوباتها وبطنها التي لاتشبع حيث تُدار هذه الموارد أثناء الحرب وفق احتياجات القوة العسكرية بدلاً من احتياجات المجتمع الاصيلة في التنمية والبناء والتعمير وسد الفجوات الاقتصادية التي يصنعها الفرق في القيمة بين الجنية السوداني والعملات الاجنبية.
النشاط المؤثر اقتصاديا في الدولة السودانية بشكل واضح وملموس هو نشاط التعدين التقليدي الباحث عن ثروات الذهب المدفونة في باطن الارض السودانية وهو بالضرورة ليس نشاط اقتصادي خارج المنظومة الرسمية للدولة فحسب بل هو أيضاً قضية عمل وبيئة وصحة عامة وحقوق مجتمعات محلية اوجدت صراعا وتشابكات ماكان لها ان تحدث لولا العبث بتراب وباطن الارض بحثا عن الذهب في بلد يعاني ثلثي مواطنية الفقر والعاذه الاقتصادية.
ومامن تفسير مقنع حتى الان يشرح لنا تقدم هذا النمط من التعدين على قدرة الحكومة في انشاء منظومة للتنظيم والرقابة فالعكس هو ما يحدث الان بان عجلة التعدين الغير منظم والعشوائي صارت هي المؤثر في حجم انتاج هذا المعدن بينما تلهث عجلة سياسات الدولة للتنظيم والرقابة وراء هذا السلوك العشوائي وهي التي لا تمتلك حتى الان خرائط واضحة لمواقع التعدين الغير منظم ولا تمتلك أي معلومات عن المناطق المتاثرة بمخلفات التعدين العشوائي الضارة بالانسان وبمصادر المياه القريبة من مناطق التعدين وكذلك لاتمتلك سياسات وموجهات واضحة تحدد مسؤوليات الشركات التي تعمل بالقرب من التجمعات السكانية وتتاثر بنشاطها التعديني وبالضرورة عندما تغيب الدولة عن تنظيم اي نشاط اقتصادي تنشأ أنظمة بديلة تحكمها الحاجة والوساطة والقوة.
الشهوة والرغبات الجامحه في الوصول الى المعدن اللامع في باطن الارض واستغلال عدم وجود الرقابة والمعايير التنظيمية تدفع عدد غير قليل من المعدنين لاساليب ” الغاية تبرر الوسيلة” لتظهر آثار استخدامات الزئبق في التعدين واحواض ” السيانيد” المؤثرة بشكل ملحوظ على صحة الانسان وأثبتتها احصاءات وزارة الصحة ليصبح هذا الاثر واحد من أخطر لعنات التعدين العشوائي في السودان الذي لاتوجد فيه قاعدة بيانات وطنية معلنة عن المخاطر الصحية للتعدين العشوائي الذي لم تظهر نتائجه في صحة الاقتصاد السوداني وظهرت بخطورة أكبر على صحة الانسان فيه وما يفاقم المشكلة ليس فقط أن المواطن يبحث عن الذهب في باطن الارض وإنما أنه يبحث عن رزقه منها في بيئة لا يعرف حجم السموم التي يتركها وراءه ولا يملك أدوات الحماية منها.
في أي بلد يحمل ذات الجينات للاقتصاد حيث تتوفر فيه المعادن توجد استراتيجية تعدين وطنية مرتبطة بخطة اقتصادية شاملة تحرك مؤشرات الفائدة من انشطة التعدين باتجاه أيجابي تظهر نتائجه في صحة الاقتصاد العامه ومن داخل هذه الخطة تظهر أدوات وآليات الرقابة على منح التراخيص للشركات العاملة في هذا النشاط وطرق منحها للامتيازات أضافة لمعادلات مضبوطة في المسؤولية الاجتماعية ودراسات للاثر البيئي لعمليات التعدين وذلك حتى لا يخطف المعدن اللامع الابصار ويعميها عن الاثار المدمرة للاقتصاد السوداني بتحوله لرافعه اقتصادية لكل باحث عن تمويل للحرب والسلاح .
برأيي أن الدولة في شكلها الرسمي لاتمتلك حتى الان وعلى الرغم من الاثر الكبير لنشاط التعدين على صحة الاقتصاد السوداني سياسة تعدين متكاملة وهي الان تدير هذا القطاع عبر قرارات متفرقة تتغير وفق ضغط الشركات كما يظهر من التهديد الاخير للشركات العاملة في نشاط التعدين بايقافة مطلع أكتوبر اعتراضا على سياسات التسعير لبنك السودان أو احتياجات الخزينة العامة و ضرورات الحرب .
نقطة التحول للذهب من باطن الارض الى مقبرة الاقتصاد يمكننا الوقوف عندها بقرلءة الخبر المنشور بتاريخ 18 سبتمبر 2026 م بلسان اتحاد شركات التعدين الذي هدد ببدء إجراءات التوقف عن التعدين بنهاية الشهر وصولاً إلى التوقف الكامل مطلع اكتوبر القادم احتجاجاً على آلية شراء وتسعير الذهب التي يطبقها بنك السودان المركزي فوفقا لهذا الخبر تطالب الشركات بمراجعة آلية التسعير والشراء وترفض تحميلها تكلفة اختلالات سوق الصرف والسيولة والتضخم كما تطالب بالإفصاح عن الحوافز والعمولات والفروقات السعرية المرتبطة بالوكلاء وهي بالضرورة مبررات نرى انها منطقية وفيها من الوجاهه مايبرر التصريح الصادر فالنشاط متاثر حقيقة بارتفاع تكاليف الوقود وكل مواد الطاقة والنقل والصيانةوأثار التضخم وتقلبات سعر الصرف على دورة الإنتاج التي تتحملها الشركات .
بالمقابل تتولد شروط منطقية تقابل ما دفعت به هذه الشركات من مبررات للاعتراض على آليات التسعير في بنك السودان مثل مايتعلق بالتزام الشركات بمعايير العمل والسلامة البيئية ونشرها لبيانات الإنتاج بما يتوافق وضوبط الاجراءآت الضريبية والرسوم ومدى مساهمتها في تنمية المجتمعات المحلية في مناطق الانتاج .
وعند قراءة مثل هذه الخبر على لسان اتحاد شركات التعدين نصبح امام سؤال هل الاقتصاد السوداني سيدخل في مواجهة مع قوة جديدة ومؤثرة فيه لها حق الاعتراض دون التاثير سلبا على ايرادات الخزانة العامه ؟
نقول ذلك أذ لا يمكن بناء اقتصاد سليم ومعافى قائم على تعدين مستدام عبر خصومة دائمة بين الدولة والمنتجين ولا عبر منح المنتج حصانة من الرقابة والمساءلة والالتزام بسياسات الدولة .
والنقاط التي تستحق التحليل في هذه الجزئية من الخبر أعلاه تتمثل ف آلية الشراء والتسعير والسؤال عن هل السعر المعتمد من بنك السودان فعلا يشجع المنتج على البيع عبر القنوات الرسمية أم يدفعه إلى السوق الموازي والتهريب وبالتالي تلقائيا يحدث الضرر على الاقتصاد السوداني ؟
والسؤال هنا ايضا موجه للبنك المركزي عن طرق وآليات ادارة حصيلة صادرات الذهب وهل تتوافر بيانات موثوقة عن الكميات المصدرة والقيمة المحققة من ذلك وهل هنالك انظمة للحوافز للشركات الملتزمة بضوابط بنك السودان وعقوبات تنفذ على المخالفين ؟
في رؤيتنا لو تمكنت الدولة من تصميم آلية توازن بين حقوق الدولة في تحصيل عوائد الاستثمار في التعدين مع المحافظة على استمرارية الشركات و التعدين الأهلي وذلك للتقليل من آثار التهريب السالبه وزيادة الحصيلة من النقد الأجنبي وتوفير قدر من الثقة المؤسسية بين طرفي النزاع الاقتصادي فان ذلك سيكون المخرج الآمن المستدام للاقتصاد السوداني بدلا عن الحلول المؤقتة .
وليس بالضرورة هنا ان يصبح التعدين والبحث عن الذهب هو العصى والحل السحري للاعاقة في الاقتصاد السوداني ولكن بالضرورة ينبغي وضعه كاولوية ضمن أستراتيجيات الاقتصاد واصلاح منظومات الحوكمة عبرر بيانات الإنتاج والتصدير والإيرادات المالية والعمل على
إنشاء سجل معلن للتراخيص والامتيازات
وفصل الرقابة عن الجهات ذات المصالح المباشرة في التشغيل وتعزيز استقلالية المراجعة العامه والتحقيقات وتفعيل دور الرقابة والعمل على تنظيم التعدين التقليدي دون تدمير مصادر الرزق للمواطنين .
كما انه من الممكن لانقاذ صحة الاقتصاد في السودان العمل على ربط عوائد التعدين بالتنمية عبر أنشاء صندوق مستقل للتنمية عبر التعدين وفق إطار قانوني شفاف يعمل على توجيه جزء من موارد التعدين الى تطوير قطاعات الطاقة والكهرباء والطرق والنقل والمياه وقطاعات التعليم ودعم الزراعة والصناعات التحويلية .
فالاقتصاد المعاق ليس اقتصاداً يفتقر إلى الذهب وإنما هو اقتصاد يعجز عن تحويل الذهب إلى برامج للأمن الغذائي و تطوير الخدمات وفتح فرص عمل للشباب وبيئة سليمة ودولة تستمد شرعيتها من حماية حقوق مواطنيها.



