عودة “إيغاد”.. حلقات الآلية “الخماسية” الضعيفة في سلام السودان

ملح الأرض

بقلم/ خالد ماسا

ومن النقطة البعيدة في العلاقة مع دولة السودان، العضو في الهيئة الحكومية للتنمية “إيغاد”، إلى جانب كل من جيبوتي وإثيوبيا وكينيا والصومال وجنوب السودان وأوغندا، أعادت الهيئة الأسبوع المنصرم افتتاح مكاتبها في العاصمة السودانية الخرطوم، بعد أن كانت العلاقة قد وصلت إلى حد “الصفر المتجمد”، وإعلان حكومة السودان تجميد أنشطتها في الهيئة، على أعقاب إعلان مشاركة قائد المليشيا محمد حمدان دقلو في اجتماعات للهيئة بدولة أوغندا، الدعوة التي عبرت بورتسودان، عاصمة البلاد وقتها، عن عدم رضائها عنها، وأعلنت القطيعة بينها وبين “إيغاد”.

وقتها لم يكن ذلك الموقف “المغاضب” معزولًا عن تفاعلات الإقليم مع الشأن السوداني، الذي كانت الحرب في منتصف أبريل 2023م هي المستجد فيه. فلقد سبق ذلك إعلان منظمة الاتحاد الإفريقي تجميد عضوية السودان ومقعده في الاتحاد الإفريقي، على خلفية “انقلاب” الخامس والعشرين من أكتوبر 2021م، والذي اعتبرته المنظمة خروجًا عن القيم والمبادئ التي قامت عليها المنظمة بدعم الانتقال والحكم الديمقراطي في إفريقيا.

وبقراءة الموقفين؛ الأول من الاتحاد الإفريقي تجاه حكومة السودان، والثاني من حكومة السودان باتجاه “إيغاد”، مع الأوضاع التي صنعتها الحرب في السودان، فإن المآلات قادت إلى غياب حقيقي للدور الإفريقي والإقليمي من ملف حرب السودان المعقد، والمؤثر حقيقة على كيمياء الإقليم الأمنية والسياسية، وبموجب ذلك لم يعد للهيئة والاتحاد أي دور حقيقي في مساعي السلام المبذولة، وانتقل ملف سلام السودان إلى خارج المكون الإفريقي، وظهرت على السطح مباشرة منابر أخرى مهتمة بالملف السوداني، فيما عُرف لاحقًا بمنبر جدة التفاوضي، والذي نشأ برعاية سعودية أمريكية.

(*) اعتراف ضمني بالفشل..

وعلى الرغم من الطابع الاحتفالي لتصريحات السيد/ ورقنه هيبيو، السكرتير التنفيذي لـ”إيغاد”، لدى افتتاحه مكاتب الهيئة بالعاصمة السودانية الخرطوم بعد عامين من القطيعة، إلا أننا لا نستطيع تجاوز حقيقة الفشل ابتداءً للهيئة في التعامل الإيجابي مع ملف حرب السودان، وأن الهيئة، في بداية الحرب، كانت لها تقديرات خاطئة لواقع صنعته الحرب، وقراءة موازين القوة والشرعية في السودان، وأنها -أي المنظمة- لم يكن لديها التقدير السليم لردة فعل الحكومة السودانية على دعوتها لقائد المليشيا للمشاركة في مناقشات وقمة تعقدها الهيئة في كمبالا الأوغندية، وبدلًا من المساهمة في الحل وجدت الهيئة نفسها جزءًا من التعقيد في ملف التفاوض حول حرب السودان.

بافتتاحها لمكاتبها في العاصمة السودانية الخرطوم، تحاول الهيئة الحكومية للتنمية “إيغاد” أن تستعيد “الثقة” التي فقدتها كوسيط مؤهل للتعامل مع الأزمة التي صنعتها الحرب في السودان، واستدراكًا متأخرًا للبدايات الخاطئة في التعامل مع ملف السلام في السودان.

فشل بدايات “إيغاد” مع الأزمة السودانية لا نعتقد بأنه من السهولة استعادة المسار الصحيح بسهولة بافتتاح مكاتب الهيئة في الخرطوم، ولا الدخول إلى بازار المبادرات المطروحة للحل عن طريق الآليات يمكنه ببساطة استعادة الدور الإفريقي في ملف سلام السودان.

عبر بوابة “الخماسية” وغطائها، تسعى “إيغاد” للبحث عن دور حقيقي وملموس في ملفاتها في ملف السلام، ولا تريد أن تبقى في مقاعد المتفرجين بينما تتحرك المبادرات والآليات بعيدًا عن جغرافيا الإقليم.

توافر عوامل فشل “إيغاد” في التعامل مع الملف السوداني كان ظاهرًا للمتابعين للأحداث، ابتداءً من توجيه الدعوة لطرف تراه الحكومة السودانية متمردًا على شرعيتها، مما نقل الهيئة من مقعد “الوسيط” إلى مقعد “الطرف الخطأ”، إضافة إلى أن الرئاسة الدورية للهيئة كانت قد انتقلت إلى كينيا، والتي كانت ترى الخرطوم آنذاك بأن رئيسها، وليام روتو، لا يقف موقف الحياد الذي يؤهله للتعامل مع الأزمة، وبالتالي فقدت الهيئة كل أوراق الدخول كشريك أصيل في صناعة سلام السودان.

(*) الخماسية.. كثرة الوسطاء وقلة النتائج..

وعلى المستوى النظري، قد تكون الفكرة الأساسية وراء تشكيل الآلية “الخماسية” كمنصة لصناعة سلام السودان هي تجميع كل المبادرات المطروحة لحل الأزمة السودانية في منصة واحدة، تجمع الأمم المتحدة إلى جانب الاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي و”إيغاد” وجامعة الدول العربية، وتوحيد الجهود الساعية لإحداث خطوات إيجابية في طريق الحل.

إلا أن الواقع العملي يقول بأن التنسيق بين مكونات “الخماسية” في ملف سلام السودان لم يكن بالمستوى الذي يؤهلها لإحداث تغييرات وحلول لحرب تدخل الآن عامها الرابع.

لم يُجدِ هذا الإغراق لأطراف المبادرات الساعية لسلام السودان في التقدم ولو خطوة في تفكيك صعوبات الملف، ولو بخطوات وقف إطلاق النار أو الدفع بملف المساعدات الإنسانية إلى الأمام، ولا تقديم حلول واقعية لحماية المدنيين من الانتهاكات، وبالضرورة ليست هنالك أفكار جادة في العملية السياسية في السودان، ولم تعد للخماسية أي خطوط واضحة لمسارها في الحل، وظلت التحضيرات التي تقوم بها الآلية تنبئ عن الفشل بسبب الاعتراضات والغيابات التي تعلن عنها الأطراف السودانية متى ما تحرك الملف خطوة باتجاه الحل، ولم يتعد دور الخماسية حالة كونها منصة للاجتماعات أكثر من أنها منصة وآلية للحل.

الفشل لم يتوقف هنا عند محطة اعتراض الأطراف الحاملة للسلاح في الحرب، باعتبار أن الهيئة الحكومية للتنمية “إيغاد” كانت قد اعتبرت وقتها أن الجمع بينهما هو الحل للأزمة السودانية، وفشلت أكثر من دعوة لذلك، بل انتقل الآن إلى أطراف أخرى أصيلة تعتقد بأنها جزء مهم من عملية صناعة سلام السودان، فها هي القوى المدنية أيضًا تعلن مقاطعتها للاجتماعات التي دعت لها الآلية، وفي مقدمتها تحالف “صمود”، والقوى الموقعة على “إعلان نيروبي”، وقوى “إعلان المبادئ”، وتم إرجاع أسباب المقاطعة إلى دعوة “الخماسية” لأخطاء إجرائية، بالإضافة إلى تجاوز ملاحظات كانت قد أبدتها تلك القوى على مخرجات اجتماعات سابقة عقدتها مع الآلية، ويبدو أن القائمين على تنسيق عمل الآلية لم يذاكروا جيدًا فيها قبل الشروع في الدعوة الأخيرة.

وبالرجوع إلى تصريحات السكرتير التنفيذي لـ”إيغاد”، السيد/ ورقنه هيبيو، والتي قال فيها بأن السلام يصنعه السودانيون، وأنهم في الهيئة مجرد ميسرين للعملية، فإن في ذلك تأكيدًا للاعتراف بفشل الهيئة وسوء تقديراتها في ملف سلام السودان، وأنها، ولوقت طويل، ظلت تدعي بأنها تمتلك خيوط العملية السياسية في السودان، وبالتالي فإن الموقف الأخير يؤكد على الحاجة الماسة لمراجعة المواقف والسياسات في أزمة السودان.

الدعوة الأخيرة للخماسية وكأنها تسعى لمسار جديد للحل في أزمة الحرب في السودان، وهنا يمكننا القول بأنها أيضًا بداية خاطئة من جديد، إذ كان يلزم ذلك قراءة وتحليل لأسباب فشل وتعثر مبادرات وآليات سابقة في جدة، والرباعية، والمنبر الإفريقي، والبناء على تفادي الأسباب المؤدية للفشل.

(*) استيراد السلام..

ضاعت أوراق متابعة ملف سلام السودان بين عواصم الدول في العالم والإقليم، وتم إغراق الملف بالآليات والمبادرات، مما يؤكد غياب الأطراف السودانية عن مركز صناعة القرار في الأزمة السودانية، وأن كل الحلول “المستوردة” كلها لم تُجدِ نفعًا لإخماد نار الحرب.

الجوار الإفريقي للسودان، والممثل في مكونات الهيئة الحكومية للتنمية “إيغاد” والاتحاد الإفريقي، وهو الجزء الأصيل من “الخماسية”، هو نفسه أصبح جزءًا من الأزمة بسبب تضارب المصالح والتباين الكبير في وجهات النظر حول الحرب في السودان، إضافة إلى تقاطعات الأجندة والمصالح في الإقليم.

هنا يأتي السؤال، بعد خبر إعادة افتتاح مكاتب “إيغاد” في الخرطوم، عن الأدوار الإيجابية التي يمكن أن يلعبها المكتب لإدارة العملية السياسية أو القيام بأدوار فنية تدعم مساعي الآلية، وبالضرورة فإن الهيئة لا ترغب في لعب أدوار ربما تعيد علاقتها مع الخرطوم إلى مربع “التجميد” مرة أخرى.

يبدأ طريق السلام في السودان عبر بوابة حوار “سوداني ـ سوداني”، يتم فيه التأكيد على الملكية الكاملة للأطراف السودانية للعملية السياسية، وأن يفضي إلى وقف إطلاق نار حقيقي يمكن مراقبته، واقتصار الدور الدولي والإقليمي على التيسير والدعم وتوفير الضمانات والتمويل، وربط عملية السلام بعملية إعادة الإعمار، وليس تقاسم السلطة وحده.

ليست أزمة السودان في غياب الوسطاء، بل في كثرتهم. وليست المشكلة في نقص المبادرات، بل في تكرارها دون مراجعة. لقد أثبتت التجربة أن السلام لا تصنعه بيانات المنظمات ولا اجتماعات الفنادق، وإنما تصنعه إرادة وطنية سودانية تمتلك القرار، بينما يكتفي الإقليم والمجتمع الدولي بدور الداعم والضامن. أما إذا استمرت الآلية الخماسية في إعادة إنتاج الأساليب نفسها، فإنها لن تكون سوى حلقة جديدة في سلسلة الإخفاقات التي أطالت أمد الحرب بدلًا من إنهائها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى