حلاوة “العودة”

أبدع محمد الأمين فى تلحينها

 سوف يأتي .. الياذة تاج السر كنة !!

تقرير: سراج الدين مصطفى

 

عبقرية التعبير:

 

ظل محمد الامين ينظر الى الاغنية بوصفها وحدة متكاملة لا تنفصل فيها الكلمة عن اللحن لذلك لم يكن يتعامل مع النص باعتباره مادة للغناء فقط بل باعتباره روحا تستحق ان تجد التعبير الموسيقي الذي يوازيها ولهذا اكتسبت اعماله قوة خاصة جعلتها تعيش في وجدان الناس عبر الاجيال المختلفة.

 

رهان القصيدة:

 

كان انحياز محمد الامين للشعر الرفيع امتدادا طبيعيا لوعيه الموسيقي فاختار نصوصا تجاوزت المألوف وطرقت افاقا جديدة ومن بينها قصيدة سوف ياتي للشاعر تاج السر كنه التي حملت لغة عربية سامقة ورؤية شعرية عميقة وجدت في الحانه فضاء رحبا للتحليق والخلود والبقاء عبر الزمن.

 

هدية مؤجلة:

 

المفارقة اللافتة ان تاج السر كنه كتب قصيدة سوف ياتي واهداها ابتداء الى الفنان الشاعر عبدالكريم الكابلي لكنها بقيت بعيدة عن الغناء حتى جمع القدر بين الشاعر ومحمد الامين في لندن فسلمه القصيدة لتبدأ بعدها رحلة طويلة انتهت بولادة واحدة من اعظم روائع الغناء السوداني الحديث واكثرها تاثيرا.

 

ميلاد استثنائي:

 

احتفظ محمد الامين بالنص سنوات طويلة لانه كان يؤمن ان الالحان الكبيرة تحتاج الى بيئة موسيقية كبيرة لذلك انتظر حتى توفرت العناصر القادرة على تنفيذ رؤيته الفنية ثم قدم سوف ياتي في قاعة الصداقة لتولد اغنية سبقت عصرها وفتحت ابوابا جديدة امام التجربة الموسيقية السودانية الراسخة والحديثة.

 

شاعر مختلف:

 

لم يكن تاج السر كنه شاعرا عابرا في تاريخ الابداع السوداني بل كان تجربة انسانية وفكرية ثرية صنعتها الطفولة الصعبة والتعليم الجاد والشغف المبكر باللغة العربية فخرج شاعر يمتلك مفردة رشيقة وخيالا واسعا وقدرة نادرة على بناء الصورة الشعرية المدهشة والاخاذة في كل نص يكتبه تقريبا.

 

اجنحة الحلم:

 

دخل تاج السر كلية الطب لكنه كان يسمع نداء اخر يسكن اعماقه فاختار الطيران طريقا لحياته وهناك حلق بجسده في السماء بينما ظل خياله يحلق بالشعر لذلك لم تتعارض الطائرة مع القصيدة بل صنعتا معا شخصية استثنائية جمعت بين دقة الطيار ورهافة الشاعر وصدق الاحساس العميق دائما.

 

غربة وابداع:

 

قادته الحياة الى ليبيا ثم الى لندن لكن المسافات لم تنجح في اطفاء جذوة الابداع داخله فواصل كتابة الشعر واصدر دواوين بالعربية والانجليزية وظلت قصائده شاهدة على شاعر حمل السودان في وجدانه حتى وهو بعيد عن ترابه وبقي اسمه حاضرا في ذاكرة الثقافة السودانية والعربية بكل اعتزاز.

 

وعد خالد:

 

ليست سوف ياتي مجرد اغنية ناجحة بل حكاية لقاء نادر بين شاعر كبير وملحن عبقري ومطرب استثنائي لذلك بقيت حاضرة في الذاكرة لانها صنعت من الكلمة لحنا ومن اللحن حياة جديدة مؤكدة ان الاعمال العظيمة لا يحدد عمرها الزمن بل تحددها قيمة الابداع وصدق الموهبة وعمق الرسالة.

/////////////////////

نقر الأصابع .. سراج الدين مصطفى

 

صالح الضي .. يا جميل يا حلو

 

البدايات الأولى:

 

صالح الضي اسم لا يمر في تاريخ الغناء السوداني مرور العابرين بل يقف شامخا بين الاصوات التي صنعت وجدان الناس باغنيات قليلة العدد عظيمة الاثر فقد امتلك صدقا نادرا جعل اعماله تعيش خارج حدود الزمن بينما بقيت سيرته بعيدة عن الضوء تستحق المزيد من التوثيق والقراءة والبحث الدقيق.

 

شوق مقيم:

 

حين اشتد عليه الحنين وهو في القاهرة كتب اغنية يا طير يا ماشي لي اهلنا فجاءت الكلمات مفعمة بحرارة الوجدان وصارت واحدة من اجمل رسائل الشوق في الغناء السوداني كما ظل عبر اذاعة ركن السودان يعمل على التعريف بالاغنية السودانية ايمانا برسالتها الثقافية والانسانية الرفيعة بين الشعوب المختلفة.

 

ملامح مبكرة:

 

ولد صالح الضي وسط بيئة مشبعة بالموسيقى فقد كان والده الضي ادم رمضان عازفا بارعا لالة البروجي كما التصق منذ طفولته باجواء الجراري والتويا والهسيس والكرير فتكون وجدانه على ايقاعات كردفان وملامحها الفنية قبل ان يعرف طريقه نحو الغناء والالحان والانتشار الواسع بين المستمعين فيما بعد.

 

طريق طويل:

 

لم يدخل صالح الضي الساحة الفنية في زمن سهل فقد كان المسرح يعج بالكاشف واحمد المصطفى وحسن عطية وعثمان حسين وابراهيم عوض غير انه اختار ان يبني شخصيته الفنية بصبر وثقة فقدم لونا صادقا مختلفا فرض احترامه واحتفظ بمكانته رغم شراسة المنافسة وسط عمالقة الغناء السوداني وقتها جميعا.

 

مدينة بارا:

 

كانت بارا بداية الحكاية ومنها انتقل مع اسرته الى الابيض حيث درس في مدارسها ثم اتجه الى مهنة النجارة التي برع فيها غير ان رحيل والده شكل نقطة تحول كبيرة دفعته الى مغادرة المدينة بحثا عن افق جديد فكانت بورتسودان محطته التالية وبداية الانطلاق الحقيقي نحو الشهرة والنجاح الفني.

 

سنوات البحر:

 

احتضنت بورتسودان صالح الضي نحو عشر سنوات وهناك اكتملت ملامح مشروعه الغنائي وذاعت اغنياته بين الناس حتى ظنه كثيرون واحدا من ابنائها فقد احب المدينة ومنحته محبتها وردت له الجميل بالانتشار الواسع والقبول الكبير لتصبح اغنياته جزءا من ذاكرة اهلها ووجدانهم الجميل حتى اليوم ايضا.

 

رحلة اخيرة:

 

انتقل بعدها الى الخرطوم وسكن وسط جيل من الفنانين الذين صاروا لاحقا من كبار نجوم السودان ثم اختار الهجرة الى مصر حيث استقر وعمل في اذاعة وادي النيل مواصلا رسالته الفنية والثقافية وظل يحمل السودان في وجدانه حتى اخر ايامه بعيدا عن وطنه واهله واصدقائه ومحبيه جميعا.

 

صوت خالد:

 

لم يكن صالح الضي مجرد مطرب جميل الصوت بل كان حالة وجدانية كاملة استطاعت ان تحول الاغنية الى مساحة للحنين والصفاء لذلك بقيت اعماله نابضة بالحياة تعبر الاجيال دون ان تفقد بريقها مؤكدة ان الفن الصادق لا يقاس بكثرة الانتاج بل بعمق الاثر وصدق الاحساس وجمال الرسالة.

//////////////////

نص كلمة

 

الجابرى .. قدرة نادرة على تطويع الصوت !!

 

بعث جديد:

 

مثلت أغنية هوج الرياح نقطة تحول مهمة في مسيرة الأغنية السودانية فقد جاءت ببناء موسيقي مختلف تجاوز القوالب التقليدية واعتمد على تنوع الجمل اللحنية والتنقل الذكي بين إيقاعات الرومبا والمامبو وعشرة بلدي فصنعت حالة من الانسياب والرشاقة أكدت عبقرية أحمد الجابري في صياغة اللحن وبنائه.

 

عبقرية لحنية:

 

امتلك أحمد الجابري قدرة نادرة على تطويع الموسيقى لخدمة الكلمة لذلك لم تكن ألحانه مجرد مصاحبة للنص بل امتدادا طبيعيا لمعانيه ومشاعره وكان يدرك كيف يقود المستمع بين التحولات الإيقاعية بسلاسة جعلت أعماله تبدو متماسكة وعميقة وتؤكد مكانته واحدا من كبار المجددين في تاريخ الغناء السوداني.

 

شاعر مجدد:

 

لا تكتمل قراءة هوج الرياح دون التوقف عند شاعرها مصطفى عبدالرحيم الذي قدم لغة شعرية جديدة امتزج فيها الحزن بالشجن في صور بالغة الجمال وربما كانت تجاربه الشخصية وراء ذلك العمق الإنساني فبقيت قصائده نابضة بالإحساس بينما ظل اسمه مقترنا بكل عمل ترك أثرا خالدا في الذاكرة السودانية.

//////////////////

كلام فى الفن

 

نانسي عجاج:

 

ليست نانسي عجاج صاحبة رصيد غنائي ضخم لكنها تمتلك ما هو اكثر قيمة وهو الوعي بكيفية ادارة الصوت واحترام الكلمة لذلك تبدو في كل عمل وكأنها تستدعي ملامح الجيل الذهبي من المطربات وتعيد تقديمها بروح معاصرة بينما بقي كثير من ابناء جيلها اسرى التكرار والاستسهال والضجيج الفارغ.

 

عمر الدوش:

 

لم يكن عمر الدوش شاعرا يكتب للغناء فقط بل كان يعيد تشكيل الوجدان السوداني عبر القصيدة لذلك احتضنت اعماله اصوات الكبار وتحولت مفرداته الى ذاكرة جمعية تتحدى الزمن وتفضح ضحالة كثير مما يكتب اليوم فهو شاعر كلما تقدم العمر ازدادت قامته الشعرية ارتفاعا وحضوره الابداعي رسوخا وتأثيرا.

 

كنوز محبة:

 

حين تجتمع عبقرية بشير عباس مع دفء صوت زيدان ابراهيم وشفافية مفردة بشير عبدالماجد تولد اغنية لا تشيخ وهذا ما حدث في كنوز محبة التي تجاوزت حدود النجاح الى مرتبة الخلود لتصبح درسا بليغا يؤكد ان الاغنية العظيمة تصنعها جودة الفكرة قبل كثافة الانتشار او صخب الدعاية.

 

عبدالرحمن عبدالله:

 

كان عبدالرحمن عبدالله اكبر من مجرد مطرب ناجح فقد اسس لونية خاصة يصعب استنساخها وامتلك شجاعة المزج بين ايقاعات كردفان وغناء الوسط دون افتعال فخرجت تجربته متماسكة وعميقة بينما تعثرت محاولات كثيرة جاءت بعده لانها اكتفت بالتقليد وغفلت عن جوهر المشروع الفني الحقيقي والاصيل تماما.

 

صلاح براون:

 

صلاح براون واحد من الفنانين الذين يسبق وعيهم شهرتهم فهو يبني اعماله على المعرفة لا المصادفة ويؤمن بان الموسيقى مشروع فكري قبل ان تكون اصواتا والحانا لذلك جاءت تجربته متفردة تجمع بين الحداثة والهوية وتمنح المستمع احساسا بانه امام فنان يفكر بقدر ما يغني ويبدع ويجدد.إذا نشرت هذه السلسلة في زاوية كلام في الفن فستبدو أقرب إلى بصمتك الصحفية المعروفة من حيث الجرأة والعمق واللغة النقدية المكثفة.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى