وزارة الطاقة.. حالة “إطفاء” كامل لحكومة الأمل..

ملح الأرض
بقلم/ خالد ماسا
وتعتبر حالة “الإطفاء الكامل” للكهرباء في أي دولة “ظاهرة” تتم دراستها مثل ظهور “مذنب هالي” أو هبوط مركبة فضائية على كوكب جديد تم اكتشافه، إلا في السودان، والذي تستطيع فيه وزارة الطاقة أن تقدم أوراق اعتماد لدى الموسوعة العالمية للأرقام القياسية “غينيس” بتحطيمها لأي رقم سابق أو محتمل في العقود القادمة، في عدد المرات التي حدثت فيها حالة “إطفاء كامل” في الدولة.
وفي هذه الحالة المتكررة من الإطفاء الكامل، وللأسف الشديد، فإن الدولة، ممثلة في جهازها الرسمي، لم تعد تسمع سوى بيانات التبرير والتحجج بما هو أوهن من بيوت العنكبوت، والتي تصدرها إدارة الإعلام في وزارة الطاقة، ظنًا منها، أو قل توهمًا، بأنها “الشفافية” التي تشفع للوزارة عند المواطنين.
التقدير السيئ لآثار ما يحدث في قطاع الكهرباء لدى وزارة الطاقة لا يسمح به الخيال إلى أقصى من الظن بأن حدود الأزمة لا تتجاوز شكاوى المواطنين في أقل قطاعات الكهرباء استهلاكًا، وهو “القطاع السكني”، والذين يجأرون بالشكوى من سوء وانعدام الخدمة في ظل ارتفاع فاتورتها، والتصاعد الشهري في فاتورتها، بإعلام وإعلان أو بدونه للمواطنين، مع أن الأضرار التي تلحق بالدولة السودانية تكاد أن تتفوق على أضرار ألحقتها الحرب بالاقتصاد السوداني.
(*) وزارة تتحرك بعد الكارثة…
والقراءة في البيان الأخير الصادر من وزارة الطاقة هي التي تقودنا إلى الشفافية “المخرومة” لهذه الوزارة، واستسهال التعامل مع عقل المواطنين، بحيث يأخذ الوزارة والوزير الظن بأن ما كتب في البيان كافٍ جدًا لإيجاد العذر للوزارة، والتبرير لكل هذا الفشل الكبير.
“فنيًا” وهندسيًا، تستلزم الكتابة في هذا الموضوع العودة إلى أصحاب الشأن والعارفين بأصول الأزمة وأسبابها، والتي يأتي ما هو مكتوب في بيانات “النسخ واللصق” لوزارة الطاقة في آخر الأسباب، وليست مقدمتها، لتأتي الأسئلة الموضوعية بعد قراءة بيان الوزارة الأخير حول الحريق في محطة سد مروي: كيف لحريق “محدود” في كوابل أن يتسبب في الخروج الكلي للشبكة القومية للإمداد الكهربائي؟ والقول بأن إصلاح الأضرار الناتجة عن الحريق يحتاج لعدة أيام، هكذا دون تحديد، مع أن الأمور “الهندسية” هذه ليست مثلًا كالعملية “السياسية”، والتي يتم فيها استخدام مصطلحات وتعابير “لزجة” ومطاطة وبدون تحديد.
لغة البيان “إنشائية” زيادة عن اللازم، وتؤكد أن البيان والمعلومات التي فيه لم تكن نتاج تقييم “هندسي” وفني دقيق قام به مختصون، تم فيه التقييم الحقيقي للأضرار، ومن ثم حساب الوقت الذي تتطلبه هذه العملية الهندسية لتجاوز هذه الأضرار، وبالتالي فإن تعبير “عدة أيام” هو تعبير “جوكية” في سوق الوزارة، وهو تعبير غير باعث للاطمئنان لدى المواطنين.
فنيًا وهندسيًا، وفي كل الدول التي سبقتنا معرفةً بمحطات التوليد الكهربائي وشبكات التوزيع، توجد أنظمة “حماية” أو “تغذية بديلة” تمنع، وتعمل على تفادي حوادث “الإطفاء التام” وانهيار الشبكة، كما هو الحال، وبتكرار غريب، في السودان.
“الحريق”، ونتمنى أن تكون وزارة الطاقة، أو قل الدولة على مستواها السيادي، جادة في إجراء “تحقيق” جاد وشفاف في أسبابه الحقيقية، هو بالأساس حالة طارئة في ما يخص مسألة الإمداد الكهربائي واستقراره، ولكننا نسأل أيضًا: هل المشكلة في الحريق نفسه، أم في عدم جاهزية المنظومة بكاملها وهشاشتها فنيًا وإداريًا، بحيث إنها ظلت، وعلى الدوام، تسقط في امتحان استقرار الإمداد الكهربائي؟
استخدام مصطلح “عدة أيام” في بيان صادر من وزارة مطلوب منها الحديث بلغة علمية وتحمل أرقامًا، يؤكد بأنه لا وجود لخطط “طوارئ”، وعدم وجود جهات أو إدارات في الوزارة والقطاع جزء أصيل من مهامها هو توقع الكوارث المؤثرة على الشبكة الناقلة ومحطات التوليد في بلد بحال السودان.
بالعودة إلى الصفحة الرسمية لوزارة الطاقة وأرشيف البيانات التي أصدرتها خلال شهري يونيو ويوليو، وبداية أغسطس، فإننا سنكتشف بأن المتغير الوحيد في هذه البيانات هو “التاريخ”، بينما “تلف وتدور” لغة البيانات حول “آثار الحرب / ارتفاع درجات الحرارة / نقص الوقود / الصيانة والتخريب”، بابتعاد كبير عن أسباب رئيسة في هذا الاختلال متعلقة بسوء إدارة الطاقة في السودان، فالعقل القاصر عن التفكير يكتفي فقط بمعرفة الأسباب دون إدارة الأزمة نفسها. بمعنى أن الوزارة نجحت في تفسير الأزمة، بينما يقول الواقع إنها فشلت الفشل الذريع في حلها وإدارتها.. فقط كثرة للأعذار، وشح في النتائج.
الاستغراب هنا ينتقل إلى سلطة اتخاذ القرار، والتي بالضرورة تقرؤ بيانات متكررة لوزارة الطاقة، وأيضًا تقرأ احتجاجات المواطنين، وتوقف أعمالهم، وخسائر القطاع الصناعي والتجاري، والمخاطر التي يتعرض لها المرضى والقطاع الصحي بسبب عدم الإدراك الكامل لوزارة الطاقة لتأثيرات سوء إدارة الأزمة، وفكر البيانات “العاطل” عن الأفكار الخلاقة للحلول.
تعتقد الوزارة بأن مؤشر جودة الخدمة وأدوات قياس رضا المواطنين عنها يتم وفق عدد البيانات الصادرة من وزارة الطاقة، وليس عبر عدد ساعات استمرار خدمة التيار الكهربائي.
(*) وزارة الطاقة.. المتغطي بالوعود..
الوزارة وكاتب بياناتها يكتفيان باللحظة التي يكتب فيها البيان ليستر عورة التقصير الوزاري، وينسيان بأن الذاكرة والأرشيف يحفظان “كوم” الوعود الكذوبة التي احتشدت بها بيانات سابقة، قالت فيها وزارة الطاقة بأنها ستضيف 260 ميغاواط، ثم الوصول إلى 600 ميغاواط، والشروع في مشروعات الطاقة الشمسية والطاقة البديلة، وربط مدن جديدة، وعقد شراكات مع جهات مستثمرة في الطاقة، مثل “شنايدر إلكتريك”، والوعد أيضًا بإعادة تأهيل محطات، ليصطدم المواطن المسكين بحقيقة خروج سد مروي عن الخدمة، والإطفاء الكامل والمتكرر في السودان.
تستخدم وزارة الطاقة كل هذه الوعود، ولا تعتبرها التزامات واجبة أخلاقيًا تجاه المواطنين، لأنها تعلم يقينًا بأنه لا وجود لجهاز للرقابة على الأداء الحكومي والوزارات، وما من جهة تتحدث بأوجاع المواطنين، وتجعل من الوظيفة الرسمية مسؤولية، بمثلما فيها الامتيازات والرواتب والمنصرفات، فيها أيضًا العقاب والمساءلة.
الوعد والحديث في البيان الصادر مؤخرًا عن وزارة الطاقة بإجراء “تحقيق” في حادثة الحريق ما هو إلا “بنج موضعي” وتخدير للمواطن الغلبان، حيلة مع حكومة أسمت نفسها بحكومة الأمل، ولا إجابات لأسئلة: من سيقوم بالتحقيق؟ وهل على المواطن انتظار نتائج التحقيق؟ ومن المتوقع محاسبة المسؤولين عن التقصير والفشل؟ لأنه، وبدون إعلان نتائج التحقيق، تظل لجان التحقيق في هذا البلد مجرد أداة لامتصاص ردة فعل وغضب المواطنين.
حكومة “الأمل”.. والاسم وحده كافٍ لأن يضع طموحات المواطنين في السقف الأعلى، بينما لا تقدم وزارة الطاقة أكثر من الوعود والاعتذارات والتبريرات.
لم تعد الحرب مبررًا مقنعًا طوال هذه المدة بالنسبة للمواطنين، وفي الأصل فإن قياس النجاح في الإدارة التنفيذية لقطاع مهم كقطاع الكهرباء لا يتم في الظروف “المثالية” للعمل، بل في ظل ظروف كالتي يمر بها السودان الآن، بالتخطيط لإدارة المخاطر والطوارئ.
(*) إقالة الوزير..
وبالضرورة فإن الفقه الصحيح في إدارة الأزمات وحلولها لا يتعلق فقط بالأشخاص، وظل على الدوام قرار إقالة الوزير المسؤول هو الطريق الأسهل لإخماد ثورة الرأي العام، إلا أننا الآن أمام مبررات منطقية وموضوعية تستلزم جراحات حقيقية من هذا النوع في وزارة الطاقة، بسبب تكرار الأزمات بتطابق ممل، وبسبب تحمل مسؤوليات وعود تحدث عنها الوزير نفسه أو عبرت عنها الوزارة في بياناتها، وفوق هذا وذلك تآكل ثقة المواطنين في الحكومة بسبب الأداء السيئ للوزارة، وبما أن الأعطال وحالة الإطفاء الكامل أصبحت هي الحالة الدائمة، يصبح تغيير الإدارة التنفيذية جزءًا من الحل، وليس عبارة عن عقوبة.
ليس أمام سلطة القرار في الدولة السودانية الآن، في ما يخص مشكلات قطاع الكهرباء، سوى الإعلان عن خطة طوارئ وطنية بجدول زمني مضبوط وأهداف قابلة للقياس، واستعجال نشر نتائج التحقيق في الحريق الأخير، ومحاسبة المسؤولين عن الإهمال أو التقصير، أيًا كان مستواهم أو كانت مناصبهم، والشروع في فتح الاستثمار والشراكات مع القطاع الخاص في قطاع الكهرباء والطاقة البديلة، والسعي بشكل عاجل لتوقيع البرتوكولات مع الدول ذات التجارب والمستعدة للتعاون لإعادة تأهيل وتطوير قطاع الكهرباء.
كذلك الاهتمام بإعادة هيكلة قطاع الكهرباء في وزارة الطاقة، لأنه من الواضح أن الخلل الكبير يرجع إلى معالجات غير مدروسة طالت القطاع في السابق، ولا تزال آثارها موجودة، وكانت سببًا في ما آلت إليه الأمور.
ليست المشكلة أن تحترق محطة، فكل الأنظمة معرضة للأعطال، وإنما المشكلة أن يحترق معها ما تبقى من ثقة المواطنين في قدرة الوزارة على إدارة قطاع هو شريان الحياة. فالكهرباء ليست خدمة ترفيهية، بل أساس للمياه والصحة والتعليم والإنتاج والأمن. وحين يصبح الاعتذار هو المنتج الأكثر استقرارًا في وزارة الطاقة، فإن السؤال لم يعد: متى تعود الكهرباء؟ بل: من يعيد الثقة في إدارة هذا القطاع الحيوي؟



