المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب: جذورنا التاريخية القديمة -الجزء 16/15 

سوبا الخراب وتحالف الموت والولادة

​لكل حضارة ساعة احتضار تصمت فيها دور العبادة، وتتداعى الحوائط التي سهرت على حمايتها أجيال متعاقبة. ومع أواخر القرن الخامس عشر، كانت مملكة “علوة” في الجنوب—مدينة الكنائس العظيمة والحدائق الغناء—تلفظ أنفاسها الأخيرة تحت وطأة أزمات مركبة لم ترحم تاريخها. ضرب الطاعون أجساد سكانها، وجفت السواقي بفعل سنوات القحط، وتبدلت طرق التجارة العالمية لتترك سوبا معزولة في عوزها. وفي هذا المشهد الجنائزي المهيب، تجمعت قوى جديدة في الأفق، لتعقد تحالفا عسكرياً وتاريخياً كتب كلمة النهاية في كتاب علوة المسيحية، وفتح في الوقت ذاته صفحة الميلاد لعصر جديد.

​هجوم الدمدام وزلزال “تتر السودان”:

تلقت علوة ضربات موجعة هزت مركزيتها السياسية وأضعفت قبضة الدولة على أقاليمها المتسعة قبل السقوط النهائي بعقود، ويروي المؤرخ ابن سعيد النوازل التي حلت بالبلاد نحو عام 1220 م، حين خرجت مجموعات حربية وصفت بـ “الدمدام” من أواسط إفريقيا وغرب السودان، واجتاحت بلاد النوبة والحبشة في توقيت متزامن مع خروج التتار في بلاد العجم، فأطلق عليهم المعاصرون اسم “تتر السودان” لشدة بأسهم وقسوتهم في التدمير. أدى هذا الهجوم البربري الكاسح إلى تمزق السلطة الفعلية لعلوة، وانقسامها إلى وحدات سياسية وقبلية صغيرة ومستقلة كشفت عنها وثائق سفارة الممالك عام 1286 م.

​لقاء عمارة دونقس وعبد الله جماع:

عند ملتقى النيلين، كان التاريخ يطبخ طبخته الكبرى؛ حيث التقت مصلحة المكون الأفريقي الصاعد ممثلاً في قبائل الفونج الفتية، مع طموح المكون العربي والمسلم ممثلاً في قبائل القواسمة والعبدلاب. التقى القائدان؛ “عمارة دونقس” ملك الفونج، والشيخ “عبد الله جماع” زعيم العبدلاب عام 1499 م، وتعاهد الرجلان على اقتسام الغنيمة والسلطة؛ السيف للفونج والإدارة للعبدلاب، وشكلا حلفاً عسكرياً متماسكاً زحف صوب العاصمة المنهكة سوبا في عام 1504 م، ليكون هذا التحالف تعبيراً حياً عن واقع ديموغرافي جديد تنصهر فيه دماء القارة مع لغة المهاجرين.

​خراب سوبا وتناثر أحجار الكنائس:

اندفعت جيوش الحلف الجديد نحو أسوار سوبا عام 1504 م، ولم تجد المقاومة الشرسة التي أبداها أجدادهم رماة الحدق في دنقلا؛ فقد كانت المدينة قد ماتت إكلينيكياً قبل وصولهم بفعل العزلة والوهن. سقطت العاصمة واستبيحت القصور والجران، وتهاوت كنائس الذهب الشهيرة وتحولت أحجارها الحمراء إلى ركام تنعق فوقه البوم. انطبعت هذه الحادثة في الذاكرة الشعبية السودانية بعمق، وتناقلت الأجيال المثل السائر والموجع: “عماراً مثل خراب سوبا”، ليدل على التدمير الكامل والنهائي الذي لحق بآخر معاقل الممالك النوبية المسيحية في وادي النيل، واضعاً نقطة النهاية لتاريخ العصور الوسطى.

​ولادة “المملكة الزرقاء” وتأسيس سنار:

من وسط دخان الحرائق ورماد سوبا، لم يتوقف الزمن، بل ولد الكيان الكبير الذي صبغ تاريخ السودان الحديث بصبغته الحالية؛ حيث أسس الحلفاء عاصمتهم الجديدة “سنار” في موقع استراتيجي على النيل الأزرق عام 1505 م، وأعلنو قيام “السلطنة الزرقاء” أو مملكة الفونج الإسلامية. عكس هذا الكيان الجديد توازناً؛ حيث احتفظ الفونج بتقاليدهم الإفريقية العريقة في مراسم الملك والتاج والوقار، بينما صُبغت الدولة بالهوية الإسلامية واعتمدت الشريعة والقضاء العربي الذي أداره العبدلاب، لتغلق بلاد النوبة دفاترها القديمة وتفتح صفحة مشرعة على المستقبل.. نواصل…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى