حلاوة “العودة”

حين تلتقي الموهبة الفطرية مع الشغف الحقيقي
عماد أحمد الطيب .. الفنان الذي كسر القاعدة
تقرير: سراج الدين مصطفى
الصوفية والبدايات:
ولد الفنان عماد أحمد الطيب في أحضان مدينة طابت العريقة ذات البعد الصوفي العميق حيث تشرب من أجوائها الروحية والوجدانية أسمى معاني الصفاء والجمال انعكس هذا الإرث الروحي الجليل بشكل جلي على ملامح شخصيته الإبداعية وأدائه الغنائي الدافيء الذي نجد فيه نفحات نورانية تلامس القلوب والأرواح وتأخذ الاستماع إلى عوالم إبداعية شفيفة ساحرة.
كسر القاعدة:
تربع عماد أحمد الطيب على عرش والده الفنان أحمد الطيب ليحطم بذلك القاعدة القائلة بأن الفن لا يورث حيث أثبت للجميع أن الجينات الفنية قد تنتقل بعمق أكبر وتتجدد في الأبناء حين تلتقي الموهبة الفطرية مع الشغف الحقيقي ليعيد صياغة هذا الإرث بمفاهيم جديدة أضافت ألقا وبريقا ساطعا لتاريخ العائلة الفني المجيد.
نجم الساحة:
تسنم الفنان عماد أحمد الطيب عرش النجومية بلا منازع وكان نجم الحفلات والأمسيات الأول خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي حيث استطاع أن يمتلك أفئدة الجماهير الغفيرة بفضائل حضوره الطاغي على المسرح وصوته العذب الساحر الذي جعل من كل أداء غنائي حفل أسطوري يتغنى به الجميع ويظل عالقا في الذاكرة الفنية.
التأهيل الأكاديمي:
حرص المبدع عماد أحمد الطيب على صقل موهبته الفطرية العالية بالدراسة العلمية حيث تخرج من معهد الموسيقى والمسرح مما أتاح له فهما عميقا للعلوم الموسيقية والمقامات الشرقية وأسس التوزيع وقد انعكس هذا المزيج النادر بين الموهبة الخالصة والتأهيل الأكاديمي الرصين على أسلوبه في تناول النصوص واختيار الألحان وتطوير التجربة الفنية برؤية معاصرة وممنهجة.
الرصيد اللحني:
قدم الملحن عماد أحمد الطيب مجموعة من الألحان الخاصة التي أظهرت حساسية عالية وقدرة فائقة على ابتكار جمل موسيقية بديعة تعبر عن أصالة النغم السوداني بروح حديثة ومبتكرة حيث تميزت ألحانه بالبساطة الممتنعة والعمق الإنساني مما جعلها تتردد على ألسنة المعجبين والموسيقيين وتصمد أمام اختبار الزمن كعلامات فارقة في مسيرته الفنية الحافلة.
المنفتح الفني:
ولم يحصر عماد أحمد الطيب تجربته في ألحانه الشخصية فقط بل فتح آفاقه الإبداعية للتعاون المثمر مع قمم الملحنين السودانيين وفي مقدمتهم عبداللطيف خضر ود الحاوي وغيرهم من القامات الكبيرة حيث أغنت هذه الشراكات المتنوعة رصيده الغنائي بألوان نغمية مختلفة وأكسبت تجربته ثراء كبيرا وعمقا استثنائيا جعله فنانا شاملا ومتجددا يرضي جميع الأذواق.
الأثر المستمر:
ترك الأستاذ عماد أحمد الطيب بصمة استثنائية خالدة في مسيرة الأغنية السودانية الحديثة من خلال صوته النادر الرخيم وأسلوبه الفخم في الأداء والتعبير ليصبح نموذجا يقتدى به للربط الواعي بين الأصالة الممتدة في جذور التاريخ السوداني وبين التحديث الرشيد الذي يواكب روح العصر دون أن يفقد هويته الفنية الخاصة والفريدة بالمرة.
الروح الملهمة:
يظل اسم عماد أحمد الطيب رمزا للإبداع الموسيقي المتجدد الذي يجسد أصالة الفن وقدرته العجيبة على البقاء عبر الأجيال والسنوات حيث تستمر تجربته الملهمة في تقديم الدروس الرائعة للإثراء الوجداني والفني وتظل أغنياته الخالدة نبضا حييا يروي ذاكرة الأمة السودانية بألحان شجية وسحر نغمي سيبقى يتردد صداه دائما وأبدا في القلوب.
///////////////
نقر الأصابع .. سراج الدين مصطفى
خصل شعرك .. قصيدة أخرى بالموسيقى !!
لا اظنني ساضيف جديدا حين اكتب عن الفنان عبدالمنعم الخالدي فهو ليس مجرد مطرب ناجح بل مدرسة غنائية ذات ملامح خاصة استطاعت ان تصنع لنفسها مساحة متفردة في الوجدان السوداني صوته الدافئ يحمل قدرا هائلا من الشجن ويقف في امتداد مدارس الطيب عبدالله وهاشم ميرغني لكنه ظل محتفظا ببصمته التي لا تشبه احدا وقدرته الفريدة على تحويل الكلمة الى احساس حي يسكن المستمع منذ اللحظة الاولى ولا يغادره بسهولة لهذا بقي واحدا من اكثر الاصوات حضورا في ذاكرة الغناء السوداني الجميل كما امتلك ذكاء فنيا في اختيار نصوصه والرهان على الكلمة التي تعيش طويلا ولا تستنزفها المواسم.
قدم عبدالمنعم الخالدي عشرات الروائع التي استقبلها الشارع السوداني بمحبة كبيرة ورددها الناس في البيوت والاسواق والطرقات وكتبوها في رسائل الغرام ولعل اغنية خصل شعرك للشاعر (يحيى العبيد احمد) تمثل واحدة من اكثر محطاته اشراقا فهي عمل اجتمع فيه شاعر يمتلك خيالا خصبا وملحن استثنائي هو سليمان ابوداود عرف كيف يصوغ لحنا على مقاس صوت الخالدي فجاء اللحن امتدادا طبيعيا للنص حتى بدا وكأنه يكتب قصيدة اخرى بالموسيقى حيث الايقاع الهادئ والبناء الرزين والانتقال السلس بين الجمل اللحنية بما يجعل المستمع يعيش حالة كاملة من التامل لا مجرد الاستماع بل يجد نفسه مندمجا في تفاصيل النص منذ بدايته وحتى نهايته.
ويقدم (يحيى العبيد) في خصل شعرك نموذجا متقدما للقصيدة الغنائية التي تتجاوز الوصف المباشر الى بناء عالم كامل من الرموز والاستعارات فالنص يقوم على كثافة الصورة الشعرية وعمق الايحاء والاقتصاد اللغوي منذ المطلع (خصل شعرك حروف شعري) حيث تتحول المحبوبة الى ابجدية للابداع ومنبع للقصيدة ثم يختزل التجربة كلها في شوق وحنين قبل ان يبلغ ذروة المفارقة الشعرية في قوله (ولون شعرك سواد حظي) فيجمع بين الجمال والالم داخل صورة واحدة ثم يفتح افقا رحبا بقوله (نسافر في بحور عينيك) لتصبح العين بحرا والحب رحلة والانسان مسافرا بين الامل والخوف والحيرة والوفاء.
ولا يمكن قراءة هذا العمل بعيدا عن ذلك الانسجام النادر بين النص واللحن والاداء فكل عنصر منها يكمل الاخر ويمنحه بعدا جديدا حتى تبدو الاغنية وكأنها كتبت لتولد بهذا الصوت وحده وهنا يكمن سر خلودها فهي لا تعتمد على الجملة السهلة ولا على الانفعال العابر بل على صدق الاحساس وجمال الصورة ورقي التعبير لذلك بقيت خصل شعرك واحدة من العلامات المضيئة في تاريخ الاغنية السودانية وواحدة من الاعمال التي تزداد قيمة كلما اعيد الاستماع اليها لانها عمل صنع بمحبة كبيرة ووعي فني عميق واحترام كامل للكلمة واللحن والانسان.
/////////////////
نص كلمة
حرم النور .. فنانة أسيرة التشابه
صوت مستقل:
تمتلك حرم النور خامة صوتية جيدة تؤهلها لبناء مشروع غنائي مختلف لكنها مازالت أسيرة التأثر الواضح بتجربة ندي القلعة حتي أصبح التشابه حاضرا في الأداء وطريقة تقديم الأغنيات وهو ما يحجب شخصيتها الفنية ويؤخر وصولها إلي مكانة تستحقها وسط المنافسة الفنية السودانية اليوم.
معضلة التقليد:
الفنان الحقيقي لا يكتفي بالاستفادة من تجارب السابقين بل يعمل علي تجاوزها وصناعة بصمته الخاصة لذلك فإن استمرار حرم النور داخل المساحة ذاتها التي اشتهرت بها ندي القلعة يضعف حضورها ويجعل المستمع يقارن بينها وبين الأصل في كل عمل تقدمه دون استثناء يذكر أبدا.
رهان المستقبل:
ما تحتاجه حرم النور ليس تغييرا في الصوت وإنما مراجعة شاملة لاختياراتها الفنية وبناء هوية واضحة تبدأ من الكلمة واللحن والأداء وطريقة الظهور لأن الاستقلال الفني وحده هو القادر علي منحها مساحة مختلفة وترسيخ اسمها بعيدا عن ظلال أي تجربة أخري مهما كانت نجاحاتها السابقة.
/////////////////
كلام فى الفن
مصطفي سيد أحمد:
برحيل مصطفي سيد أحمد انطفأ آخر مشروع غنائي جمع بين الفكرة والجمال والرؤية وبقيت الساحة تدور في دائرة التكرار حيث تشابهت الأصوات وتساوت التجارب في سطحيتها وغابت المغامرة الفنية فتحول الذوق العام من أغنيات الحزن النبيل الي أعمال تلهث خلف الإثارة والابتذال وحدهما دون قيمة تذكر.
منال بدر الدين:
بعد مغادرة منال بدر الدين فرقة عقد الجلاد راهنت علي بناء شخصيتها المستقلة لكنها وقعت في المصير ذاته الذي واجه معظم المنفصلين عن الفرقة فلم تستطع ترسيخ حضورها لأن الموهبة وحدها لا تكفي عندما تغيب الرؤية الاستراتيجية ويضعف التخطيط وتفقد التجربة بريقها واستمرارها مع الزمن.
محي الدين أركويت:
رغم متابعتي المستمرة للمشهد الفني لم أجد حضورا يبرر الحديث عن محي الدين أركويت ولا أعرف عملا واحدا استطاع فرض نفسه علي الذاكرة فالفنان الحقيقي لا يحتاج إلي من يبحث عنه لأن أثره يسبقه بينما الغياب الطويل لا تصنعه الظروف وحدها بل ضعف التجربة أيضا دون استثناء.
عبد الوهاب وردي:
ظل عبد الوهاب وردي أسير المقارنات والجدل أكثر من كونه صاحب تجربة مكتملة وساهمت تصريحات والده في ترسيخ هذه الصورة لكن الخروج من عباءة الاسم الكبير لا يتحقق بالرغبة وحدها وإنما ببناء مشروع فني واضح يفرض احترامه بعيدا عن إرث العائلة وأصداء الماضي المتكررة دائما.
عبدالعزيز محمد داؤد:
عبدالعزيز محمد داؤد لم يكن مجرد مطرب يملك صوتا مؤثرا بل كان قيمة إنسانية كاملة انعكست علي حضوره وفنه لذلك بقي في الوجدان لأن الفن الحقيقي لا يصنعه الصوت وحده وإنما تصنعه الشخصية والخلق والصدق وهي عناصر يفتقدها كثير من نجوم هذا الزمن للأسف اليوم.




