خيارات السيادة الوطنية بين الانتصارات الميدانية ومحاذير التراجع الإجرائي

تفكيك لآليات الحوار ومعادلة الحق العام والخاص
قراءة تفكيكية في خطاب الضمانات والتسوية المؤجلة*
د. ميادة كمال الدين- أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالجامعات التركية_
mayada.kamaleldeen@gop.edu.tr
جاءت الكلمة الأخيرة لرئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة بمناسبة العيد الـ 72 للقوات المسلحة لتثير جملة من التساؤلات الجوهرية حول مآلات العدالة الجنائية والسيادة الوطنية في السودان، مستدعية قراءة تشريحية معمقة تتجاوز السطحية الإعلامية السائدة. ففي اللحظة التاريخية التي يسطر فيها أبطال الجيش السوداني، والقوات المساندة، والمقاومة الشعبية الباسلة ملاحم النصر، ويكبدون مليشيا آل دقلو الإرهابية خسائر فادحة في محاور كردفان والنيل الأزرق ويتقدمون بثبات لتطهير ولايات دارفور، فرغم الديباجة العسكرية الحماسية التي استهلت الخطاب بالحديث عن التمسك بالحسم العسكري ومقاتلة المليشيا المتمردة وتطهير البلاد، إلا أن الجسد التحليلي للخطاب انطوى على تحول بنيوي خطير في طريقة تعاطي الدولة مع ملف الملاحقات القضائية والسياسية بحق الحواضن السياسية المتمردة، وهو تحول يتسم بالانكفاء الإجرائي والتراجع السياسي الذي لا يتسق مع هيبة وسلوك مؤسسة منتصرة تفرض شروطها في الميدان، ويحمل في طياته بوادر تراجع إستراتيجي أمام أطروحات التسوية الهشة التي نادت بها بعض التيارات السياسية سابقاً.
*أولاً: التكييف القانوني والمأزق الإجرائي: إجهاض العدالة باسم “الحصانة المؤقتة”:
يتمثل الشرخ الأكبر والمأزق الإجرائي في الخطاب في المقاربة القانونية المفارقة لأسس القانون الجنائي والتشريع الدستوري، حيث سعى الخطاب عند إخضاع أطروحاته للتحليل الفقهي إلى التمييز الإجرائي الفني بين “العفو بالمعنى الدقيق والشامل” وبين “الوقف المؤقت للإجراءات الجنائية” لمن أسماهم المشاركين في الحوار. وحاول الخطاب التترس خلف فرضية تفيد بأن العفو يفترض صدور حكم بات بالإدانة، وبالتالي فإن إيقاف البلاغات الراهنة لا يعد عفواً بل “إنهاءً مؤقتاً لإجراءات لم تنتهِ بعد”، وأن مقتضيات تهيئة المناخ السياسي تستدعي منح “حصانات إجرائية مؤقتة ودائمة” للآراء والمواقف التي تُطرح داخل ردهات الجلسات، مع التعهد بعدم ملاحقة الشخصيات السياسية التي تقبل بالانخراط في هذه العملية الدستورية.
هذا المبرر يسقط تماماً أمام أبسط القواعد الأصولية للعدالة والتشريع، إذ إن وقف الإجراءات الجنائية في ملاحقة متهمين بجرائم تمس “الحق العام” الخاضع لسلطان الدولة (كالخيانة العظمى، وتقويض النظام الدستوري، والتحريض ضد مؤسسات الدولة الشرعية) هو في حقيقته التواء صريح على روح العدالة الجنائية وتعطيل مسيس لسلطة القانون. فالقانون الجنائي لا يعرف مفهوماً مرناً للحصانة يُمنح كـ”صك أمان تحضيري” لمتهمين يواجهون بلاغات مفتوحة وقائمة، وتصوير هذا الإجراء ومنحه بقرارات تنفيذية لتأمين موقف الحواضن السياسية للمليشيا بأنه “تدبير لوجستي وسياسي” تقتضيه مصلحة الحوار، يمثل سابقة قضائية بالغة الخطورة وتعدياً على قدسية المنظومة العدلية، وتحويلاً للمؤسسة العدلية الدستورية وأجهزتها القضائية إلى مجرد أداة تكتيكية في يد السلطة التنفيذية لاسترضاء أطراف معينة، أو الاستجابة لضغوط إقليمية ودولية وارتهانات لعواصم الوصاية الخارجية.
*ثانياً: معضلة “الحق الخاص” والتجاوز الأخلاقي للمواطنة:
بلغ الانكفاء الإستراتيجي ذروته عند التعاطي مع ملف “الحق الخاص” للمواطنين السودانيين الذين تعرضوا للانتهاك المباشر من قِبل المليشيا المتمردة وحواضنها. فقد أقر الخطاب بأن وقف الإجراءات في مواجهة المشاركين في الحوار بالنسبة للبلاغات التي يكون الشاكي فيها شخصاً أو جهة خاصة “لا يمثل إسقاطاً نهائياً لحقوق ذلك الطرف، وإنما يشكل حصانة مؤقتة”. إن هذا التكييف يمثل تجاوزاً أخلاقياً وسيادياً غير مسبوق في الفقه القانوني السوداني. فرئيس الدولة، بموجب تفويضه الدستوري والشرعي، لا يملك الولاية المطلقة للتحفظ على حقوق المواطنين الشخصية، أو إجبار الضحايا على قبول “تجميد” بلاغاتهم الجنائية ضد من نهبوا ديارهم وهتكوا أعراضهم وشردوهم في منافي اللجوء والنزوح، حتى لو كان هذا التجميد مؤقتاً. الحصانة الإجرائية المؤقتة في ملفات الانتهاكات الجسيمة هي مرادف صريح لإنكار العدالة (Denial of Justice)، وتأجيل القصاص تحت لافتة “تهيئة الظروف للمناقشات” لا يُفسر اجتماعياً وسياسياً إلا كونه نوعاً من منطق التراجع غير المبرر أمام الخصوم، وإهانة مباشرة لتضحيات الشعب الصامد ومكافأة ضمنية لسياسة الإفلات من العقاب التي طالما أوردت الدولة مورد الهلاك.
*ثالثاً: البذخ السياسي ومخاطر العودة إلى مربع المحاصصات الهشة:
المفارقة الصادمة في الخطاب تكمن في الخلل البنيوي بين واقع الانتصار العسكري الساحق للجيش في الميدان، وبين السلوك الدبلوماسي الذي قدمه الخطاب. فالقوات المسلحة اليوم تمتلك كامل المبادرة الميدانية وتكسر شوكة التمرد في كافة الجبهات، وبالتالي، فإن التهافت وتقديم التنازلات القانونية وضمانات الأمان السياسي لنخب الغرف المغلقة لا مبرر له، ويعكس حالة من الانفصام الحاد بين وعي القيادة ونبض الشارع.
إن الشارع السوداني الصابر الصامد، والمقاومة الشعبية الباسلة التي ساندت الجيش في أحلك ظروفه وبذلت الغالي والنفيس لحفظ كينونة الوطن، لم تتحمل كلفة الحرب لتصبر على إعادة إنتاج ذات النخب والوجوه السياسية التي وفرت الغطاء السياسي والشرعي للمتمردين، مانحاً إياهم منصة حوارية جديدة وحصانة كاملة ودائمة عن الآراء والمواقف المطروحة أثناء الجلسات بأسلوب المحاصصات القديم.
كما إن تشبيه المواطنين المعترضين على على مساومات “الغرف المغلقة” بـ”قوم موسى الذين لم يصبروا على طعام واحد ويريدون الرفاهية في لحظة الشجاعة” هو استخدام بائس ومجحف للنص والتاريخ. فالشعب السوداني لم يطلب الرفاهية، بل تحمل قساوة وتحديات حرب وجودية طالت تاريخه وثقافته وكل ما يملك حماية لفكرة الوطن. الشعب لا يطالب بالرفاهية اليوم، بل يطالب بدولة المؤسسات و”العدالة الناجزة الشاملة” دون انتقائية تُفصل على مقاس توازنات سياسية رخيصة. ويرفض العودة لمنهج المحاصصات الهش والصفقات الانتقائية التي تحاول شرعنة وجود قوى ارتهنت لأجندات غير وطنية واجتمعت في عواصم الخارج طوال أشهر الحرب.
*رابعاً: الشرعية بين التثبيت الميداني والتنازل الإجرائي:
إن هذا التراجع والضعف البادي في خطوط الخطاب لا يعبر عن هيبة دولة منتصرة استعادت عاصمتها وصروحها الدستورية وتقدمت في محاور عسكرية غاية في الاهمية وكبدت مليشيا ال دقلو وداعميها خسائر جمة، بل يعكس ارتباكاً إستراتيجياً يقدم تنازلات مجانية للخصوم في اللحظة التي يتطلب فيها المشهد حزماً دستورياً حاسماً. إن شرعية السلطة القائمة تستمد مشروعيتها الأخلاقية والقانونية من صونها لدماء الشهداء وسيادة القانون، وحين يتحول القضاء المحترم إلى “بند مرن” يُجمد ويُفعل لإحراج الخصوم أو تهيئة مناخ لحوارات معزولة، تفقد السلطة أصل علة وجودها.
*خامساً: البديل القانوني والسياسي:
إستراتيجية “الحسم السيادي الناجز”
تأسيساً على ما تقدم، وانطلاقاً من واقع أن “الجيش المنتصر لا يرجو تفاوضاً من موقع الضعف”، فإن البديل القانوني والسياسي الذي يحفظ كرامة الشعب السوداني ويجسد منطق الدولة القوية يتلخص في إستراتيجية “الحسم السيادي الناجز”، والتي تستند إلى المبادئ التالية بدليلاً للخلل الوارد في الخطاب:
1. اشتراط المثول القضائي المسبق:
لا يجوز منح أي “حصانة مؤقتة” أو تجميد لبلاغ جنائي كشرط لدخول الحوار. البديل هو اشتراط مثول أي شخصية سياسية أو حاضنة للمليشيا أمام القضاء المحترم طواعية لتبرئة ساحتها أولاً، ومن ثم نيل الأهلية السياسية للمشاركة في صياغة مستقبل البلاد.
2. تأسيس “محكمة الكرامة العليا” لحماية الحق الخاص:
رداً على فكرة “التجميد المؤقت للحق الخاص”، يجب إنشاء محكمة جنائية خاصة مستعجلة تُعنى بالفصل في انتهاكات المواطنين، وتكون قراراتها محصنة ضد أي تسوية سياسية، بحيث يُمنع رئيس الدولة أو أي سلطة تنفيذية من التدخل في شؤونها، تفعيلاً للمبدأ الفقهي: “الحق الخاص لا يسقط بالترضيات”.
3. حصر الحوار في”الكتلة الوطنية الميدانية”:
بدلاً من البذخ السياسي واستجداء مشاركة نخب الفنادق في عواصم الخارج، يجب أن يقتصر الحوار الوطني على القوى السياسية والمجتمعية والمقاومة الشعبية التي صمدت في الداخل وساندت الجيش في خنادق العزة. الشرعية تُنتزع من الميدان وتصنعها إرادة الداخل، لا إجازات المحاور الإقليمية والدولية.
*الخلاصة:*
إن كرامة الشعب السوداني وسيادة الدولة هما الخط الأحمر الذي لا يمكن تجاوزه تحت أي ضغوط أو إملاءات؛ ويجب على القيادة السياسية والعسكرية أن تتصرف بمنطق المنتصر الممسك بزمام الأمور. إن قطار الوعي الشعبي قد تجاوز تماماً هذه المقاربات التقليدية الصيفية؛ فالتأسيس لسودان المستقبل لن يمر عبر بوابات صكوك الغفران المؤقتة أو شرعنة الإفلات من العقاب، بل عبر بسط هيبة الدولة، وتطبيق القانون الناجز، وصون دماء الشهداء دون محاباة. إن المخرج الوحيد والدائم هو الخضوع الكامل والناجز لسلطان القضاء، ومحاسبة كل من وضع يده مع المليشيا بأي شكل من أشكال التعاون دون مجاملة أو ترضيات سياسية هشة؛ أما الحوارات المفتوحة على حساب دماء المواطنين وحقوقهم الخاصة، فلن تنتج إلا دولة هشة مهددة بالانفجار في أي لحظة. .
(إنتهي)



