اقتصاد “العودة”

استئناف صادر اللحوم.. بين الجاهزية والواقع
في وقت يتطلع فيه الاقتصاد الوطني إلى منافذ حيوية تنعش خزينة الدولة وتدعم قيمة العملة المحلية، يتصدر ملف الثروة الحيوانية واجهة المشهد الاقتصادي كأحد أهم الموارد الاستراتيجية القادرة على قيادة قاطرة التعافي. وبين إعلانات حكومية تؤكد اكتمال الجاهزية واستئناف التصدير، ورؤى تحليليّة تضع مشرط النقد على الجاهزية اللوجستية والبيئة الاستثمارية، يتأرجح هذا القطاع بين فرص التوسع في الأسواق الإقليمية وتحديات الاصطلاح الهيكلي الداخلي.
التعهدات الرسمية
أعلن وكيل وزارة الثروة الحيوانية الاتحادية، الدكتور عمار الشيخ إدريس، رسمياً عن تجاوز كافة المعوقات التي كانت تعترض طريق استئناف صادرات اللحوم السودانية. حيث أكد خلو البلاد تماماً من مرض الكوليرا، بالإضافة إلى اكتمال عمليات التأهيل الشاملة للمعامل المختصة بفحص جودة اللحوم وسلامتها. وفي سياق متصل، شدد وكيل الوزارة على أن الوضع الصحي للقطيع القومي ممتاز وفقاً لأحدث التقارير البيطرية المعتمدة. كما أوضح أن استئناف التصدير سيبدأ فور استيفاء قناعة الأطراف المستوردة، رغم الإقرار بحق الدول المشروعي في وضع ضوابطها واشتراطاتها على وارداتها الغذائية.
الطلب الخارجي
من ناحية أخرى، أشار د. عمار إلى الجاذبية العالية التي يتمتع بها المنتج الوطني في الأسواق العالمية، إذ كشف عن تلقي الوزارة لطلبات رسمية متعددة لشراء اللحوم المذبوحة، وفي مقدمتها طلبات من دولة الجزائر وغيرها من البلدان الشقيقة. علاوة على ذلك، كشف المسؤول الحكومي عن زيارة مرتقبة لوفد رسمي من جمهورية العراق خلال الأيام القليلة القادمة، بهدف التباحث حول وضع الترتيبات الفنية والتجارية لبدء تصدير اللحوم إلى السوق العراقي. وأخيراً، اختتم تصريحاته بالتأكيد على أن الفرص المتاحة للتصدير باتت واعدة، معرباً عن أمله في تحقيق التكافؤ بين تغطية الطلبات الخارجية وتلبية احتياجات الاستهلاك المحلي بأسعار مناسبة.
عقبات هيكلية
و فنّد خبير الثروة الحيوانية والسمكية والخبير الاقتصادي، الدكتور علم الدين عبدالله أبشر، طرح الوزارة الحالي بشأن إنشاء مدن للإنتاج الحيواني، حيث وصف الخطوة بالمعقدة وصعبة التنفيذ في الوقت الراهن. وقد أرجع هذا التعثر إلى انعدام الاستقرار الأمني في مناطق الثقل الإنتاجي، إلى جانب تدهور المؤشرات الاقتصادية والبنى التحتية كارتفاع تكلفة الإمداد الكهربائي وتذبذب سعر الصرف، مما يجعل البيئة الحالية طاردة للاستثمارات الوطنية والأجنبية على حد سواء.
تحسين السلالات
وفي سياق متصل، انتقد أبشر التوجه نحو استجلاب سلالات أجنبية لإنجاح المشروع، مؤكداً أن ذلك يمثل مساراً يفتقر إلى الجدوى العلمية. إذ أوضح أن التجارب الدولية الناجحة—كالتجربة البرازيلية—اعتمدت بالأساس على تحسين السلالات المحلية وتطويرها، بينما يضمن الاستثمار في الجينات الوطنية الاستدامة والتكيف التام مع البيئة المحلية.
النموذج التعاوني
علاوة على ذلك، شدد خبير الثروة الحيوانية على أن النماذج الرائدة في فرنسا وألمانيا والهند لم تعتمد على فكرة المدن المجمعة، بل ارتكزت على دعم صغار المنتجين عبر العمل التعاوني. بناءً عليه، دعا إلى ضرورة التنسيق بين وزارتي الثروة الحيوانية والزراعة لتأسيس جمعيات إقليمية تدمج بين الإنتاجين النباتي والحيواني من أجل تحقيق نهضة واقعية ومستدامة.
اشتراطات الأسواق
من ناحية أخرى، أشار أبشر إلى أهمية استغلال الأسواق الإقليمية المجاورة في مصر ودول الخليج، غير أن ذلك يظل مرهوناً بتطوير الخدمات البيطرية لتلبية معايير المنظمة العالمية لصحة الحيوان. كما حذر من أن الاعتماد على الاستثمار الأجنبي في الظروف الراهنة قد يستنزف العملة الوطنية عند تحويل الأرباح للخارج، داعياً إلى استيعاب دروس المشاريع السابقة التي تعثرت لغياب الدراسات المتكاملة.
استحقاقات أساسية
فضلاً عن ذلك، رهن الخبير الاقتصادي النهوض بالقطاع بتحقيق السلام وتحديث البنية التحتية، متبوعاً بـإجراء تعداد حيواني دقيق وتأسيس مناطق خالية من الأمراض. كذلك حث على تشجيع المستثمرين الوطنيين وإحكام السيطرة على حصائل الصادر، معتبراً أن الحديث عن مدن الإنتاج حالياً لا يتعدى كونه طموحاً يفتقر إلى المقومات العملية.
تحديات لوجستية
أما فيما يتعلق بـاستئناف تصدير اللحوم للخليج، فقد كشف أبشر عن ارتباط العملية باشتراطات هيئة الغذاء والدواء السعودية، مشيراً إلى أن اعتماد مسالخ سودانية جديدة سيشكل دفعة قوية للاقتصاد. في مقابل ذلك، توقع ارتفاع تكاليف الشحن إلى الإمارات بسبب غياب الخطوط الجوية المباشرة حالياً.
مردود اقتصادي
وبين الدكتور علم الدين الأثر المباشر للتصدير على إنعاش الأسواق وزيادة الوفرة المحلية، حيث يسهم نمو الصادرات في دعم قيمة العملة الوطنية وتحريك عجلة الاقتصاد. ونتيجة لذلك، تتنشط كافة سلاسل القيمة بدءاً من المربين في الريف وصولاً إلى القطاعات اللوجستية وتوفير فرص العمل.
الرؤية الاستراتيجية
وعلى الصعيد ذاته، وبنظرة استراتيجية متكاملة، أكد الخبير الاقتصادي الأستاذ الرشيد معتصم أن قطاع الثروة الحيوانية يشكل أحد أبرز الموارد الاقتصادية الاستراتيجية في السودان، شريطة أن يحظى بالتنظيم الإداري والرعاية الفعالة. حيث أوضح أن هذا القطاع يمتلك مقومات تفوق القطاعات النفطية من حيث الاستدامة وتوفير فرص العمل، مستنداً في ذلك إلى وجود كوادر أكاديمية وتنفيذية ذات كفاءة عالية، مما يجعله ركيزة أساسية للنهوض بالاقتصاد الوطني ومواجهة الفجوات الغذائية.
الإصلاح المؤسسي
وفي سياق متصل، أشار معتصم إلى أن حركة تصدير المواشي واللحوم تصطدم بعقبة التقاطعات الإدارية والمالية بين الولايات والمركز، إذ تؤدي الرسوم الولائية المتعددة إلى رفع تكلفة الإنتاج. بناءً عليه، اقترح إنشاء مجالس إدارة مشتركة للصادر، تضم الحكومات المركزية والولائية والقطاع الخاص؛ بهدف دراسة الأسواق العالمية، وتحديد أسعار واقعية، فضلاً عن الحد من الخسائر المالية وتجنب المنافسة البينية الضارة.
دعم الإنتاج
كذلك، حث معتصم على إيلاء عناية خاصة بالمنتجين التقليديين في الأرياف، باعتبارهم الدعامة الأساسية للثروة الحيوانية، مع ضرورة التنسيق الرفيع بين وزارة الثروة الحيوانية والوزارات ذات الصلة كالتجارة والمالية والخارجية. ختاماً، جزم الرشيد معتصم بأن السودان يمتلك ميزة تفضيلية تؤهله لقيادة سوق الأعلاف واللحوم إقليمياً، إلى جانب قدرة القطاع على تعزيز الأمن الغذائي الداخلي، عن طريق توفير البروتين الحيواني بأسعار مناسبة للمواطنين.
============
حديث القلم
بقلم: أمين محمد
بين الغاز و”المواتر”.. معيشة المواطن أولاً
في واقع اقتصادي أرهق كاهل المواطن السوداني وجعله يتوقع الارتفاع المتواصل للأسعار كقدر محتوم، جاء قرار والي الخرطوم، الأستاذ أحمد عثمان حمزة، بتخفيض أسعار غاز الطهي ليحدث ارتياحاً واسعاً، ويقطع العادة الاستثنائية التي استقرت في أذهان الشارع بأن السلع في بلادنا “تغلى ولا ترخص”.
تجلّت الدهشة بوضوح في رواية أحد المواطنين على منصات التواصل الاجتماعي، حين قصد منفذ البيع متوقعاً زيادة جديدة تُضاف إلى سعر الأسطوانة التي ابتاعها قبل أيام بـ (107) آلاف جنيه، ليُفاجأ بأن السعر تراجع إلى (85) ألفاً. موقف طريف بظاهره، لكنه عميق بمدلوله؛ إذ يعكس حجم الضغط النفسي والاقتصادي الذي يعيشه المواطن، ومدى حاجته لأي انفراجة سعرية تُخفف عنه أعباء الحياة اليومية.
إن هذه الخطوة المقدرة تثبت أن الحكومة عندما تضع أولويات المواطن ومندرج معيشته نصب أعينها، تستطيع أن تحدث فارقاً ملموساً. غير أن كمال هذه الرعاية التنفيذية يتطلب الامتداد إلى ملفات حيوية أخرى تؤثر مباشرة على الحركة والإنتاج.
من هذا المنطلق، تتجه الأنظار والمطالب إلى السيد والي الخرطوم لإعادة النظر في قرار حظر الدراجات النارية (“المواتر”)؛ فهذه الوسيلة لم تعد مجرد خيار للتنقل، بل باتت شرياناً رئيسياً وعموداً فقرياً لشريحة واسعة من أصحاب المهن اليدوية، الحرفيين، والعاملين في القطاع غير المنظم، ممن يصارعون غلاء المواصلات وضيق الوقت لكسب قوت يومهم بشرف.
إن مراعاة الظروف الاقتصادية المعقدة تقتضي التوازن بين الدواعي الأمنية والمقتضيات المعيشية، وكلنا أمل أن تجد هذه المناشدة آذاناً صاغية لتكتمل فرحة المواطن بانحياز سلطته التنفيذية لقضاياه اليومية.
============

الدفينة: إصلاح “زادنا” مدخلٌ لإعادة بناء الاقتصاد
الخرطوم ــ العودة
وصف رئيس “قوى الوفاق الوطني” وعضو المجلس الرئاسي لتنسيقية القوى الوطنية، أحمد الدفينة قرار مراجعة شركة “زادنا” بالخطوة الإيجابية والمهمة حال تنفيذها كعملية إصلاح مؤسسي حقيقي، مؤكداً أن نجاح التجربة يُشكل مدخلاً لإعادة هيكلة كافة الشركات الحكومية في مرحلة ما بعد الحرب.
وأوضح الدفينة أن المراجعة المطلوبة لـ “زادنا” يجب أن تكون شاملة وتتجاوز الأرباح المجردة لقياس مدى تحقيق الغرض الاستراتيجي والأمن الغذائي، محذراً من أن يتحول مقترح تقسيم الشركة إلى مجرد تفتيت للأصول بلا رؤية اقتصادية، ومشدداً على ضرورة ربط أي كيان جديد بحوكمة صارمة ومؤشرات أداء قياسية.
وأشار القيادي إلى أن الشفافية في المراجعة تُمثّل رسالة إيجابية للمستثمرين وتعزز البيئة الاقتصادية، مشروطاً ذلك باحترام العقود القائمة وعدم المساس بها إلا عبر الطرق القانونية. وأضاف أن الاقتصاد السوداني يحتاج إلى حصر كامل للمؤسسات المملوكة للدولة، والفصل بين دور الدولة كمالك ورنيس مُنظّم للسوق، مع ترك النشاط التنافسي للقطاع الخاص.
واختتم الدفينة تصريحه بأن أصول الدولة ملكٌ للشعب وليست سلطة للحكومات، مشدداً على أن مرحلة إعادة الإعمار تتطلب عقلية مؤسسية جديدة تحمي الموارد العامة وتُعظّم عائدها الاقتصادي بعيداً عن المصالح الضيقة.




