زيارة العطا إلى أنقرة.. السودان وتركيا أمام شراكة استراتيجية جديدة

الخرطوم وأنقرة.. تحالف مصالح في قلب صراع إقليمي
خبير استراتيجي: المسيّرات ونقل التكنولوجيا قد يعيدان صياغة التعاون العسكري مع تركيا
كروم: أنقرة حسمت موقفها بالانحياز للدولة السودانية
تقرير – عماد النظيف
لا تبدو زيارة رئيس هيئة الأركان للقوات المسلحة السودانية الفريق أول ركن ياسر العطا إلى أنقرة مجرد محطة في جدول الزيارات العسكرية، إذ تأتي في لحظة تتقاطع فيها تطورات الحرب في السودان مع إعادة ترتيب الحسابات الإقليمية حول البحر الأحمر والقرن الإفريقي. وبينما يرفع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مستوى خطابه الداعم للسودان، تفتح المباحثات العسكرية بين الخرطوم وأنقرة الباب أمام تعاون يتجاوز المواقف السياسية إلى ملفات أكثر حساسية، تشمل التدريب والتسليح والتكنولوجيا والصناعات الدفاعية. وفي ظل تصاعد أهمية الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية والاستطلاع في مسار المعارك، تبدو أنقرة بالنسبة إلى الخرطوم شريكاً محتملاً في إعادة بناء القدرات العسكرية، فيما تنظر تركيا إلى السودان باعتباره دولة ذات موقع استراتيجي ومصالح متشابكة مع أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي. وبين الحرب والحسابات الجيوسياسية، تبرز الزيارة كسؤال مفتوح: هل نحن أمام تعاون عسكري مؤقت فرضته ظروف الحرب، أم بداية لشراكة استراتيجية تعيد رسم العلاقة بين البلدين؟

أردوغان: دعم مستمر للسودان.. والعطا في أنقرة
قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن التطورات في السودان «ليست جيدة»، مؤكداً أن بلاده ستواصل تقديم مختلف أشكال الدعم للسودان.
وأضاف أردوغان، خلال حوار مع قناة الجزيرة، أن «هناك بالفعل في السودان إدارة معتدلة ومثالية»، مشيراً إلى أن علاقات بلاده مع رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان «جيدة».
وأوضح الرئيس التركي أن البرهان كان ضيفاً على تركيا قبل فترة قصيرة، وأن الجانبين أجريا مباحثات تناولت عدداً من القضايا ذات الاهتمام المشترك، قائلاً: «في الحقيقة رأيت قائد السودان، بصفته رئيساً، قائداً يليق بالسودان في هذه المرحلة».
وتزامنت تصريحات أردوغان مع زيارة الفريق أول ركن ياسر العطا إلى أنقرة، حيث استقبله وزير الدفاع التركي يشار غولر، كما التقى رئيس هيئة الأركان العامة التركي الفريق أول سلجوق بيرقدار أوغلو، بحضور عدد من المسؤولين العسكريين من البلدين.
وقالت وزارة الدفاع التركية إن الجانبين عقدا، عقب مراسم الاستقبال، مباحثات ثنائية على مستوى الوفود الرسمية، تناولت عدداً من القضايا ذات الاهتمام المشترك، في زيارة تعكس مستوى متقدماً من التواصل بين المؤسستين العسكريتين في البلدين.
ويرى مدير مركز إنماء للدراسات الاستراتيجية، الدكتور إسماعيل الناير عثمان، أن زيارة العطا تأتي في «توقيت بالغ الحساسية» لمسار الحرب في السودان، خصوصاً مع انتقال طبيعة المواجهات بصورة متزايدة نحو الاعتماد على التكنولوجيا العسكرية والطائرات المسيّرة والاستطلاع والضربات الدقيقة وإدارة المعلومات والعمليات عبر مساحات جغرافية واسعة.
ويقول الناير لـ«العودة» إن مستوى الاستقبال الذي حظي به الفريق العطا، ولقاءه رئيس هيئة الأركان التركي ثم وزير الدفاع، يعكسان أن الاتصالات بين المؤسستين العسكريتين تجاوزت الطابع البروتوكولي إلى مستوى أكثر ارتباطاً بالحسابات السياسية والاستراتيجية.
ويضيف أن الزيارة جاءت امتداداً لمسار سياسي بدأ بلقاء الرئيس أردوغان برئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان في أنقرة، وانتقل تدريجياً إلى المستوى العسكري والفني، في وقت تتسع فيه رقعة العمليات العسكرية وتزداد فيه أهمية امتلاك أدوات متقدمة في مجال الاستطلاع والمراقبة والطائرات المسيّرة.
المسيّرات ونقل التكنولوجيا في صدارة التعاون العسكري
يقرأ الناير توقيت الزيارة باعتباره مؤشراً إلى أن القوات المسلحة السودانية تنظر إلى المرحلة المقبلة باعتبارها منعطفاً استراتيجياً يتطلب تطوير أدوات القوة، وليس مجرد زيادة حجمها.
ويقول إن الحروب الحديثة لم تعد تقوم فقط على امتلاك المدفعية والطائرات والمدرعات والقوات البرية، وإنما على القدرة على جمع المعلومات ومعالجتها وتحويلها سريعاً إلى قرار عملياتي دقيق.
وفي هذا المجال، تمتلك تركيا خبرات متقدمة في الصناعات الدفاعية، خصوصاً في مجال الطائرات غير المأهولة والذخائر الذكية وأنظمة الاستطلاع والمراقبة والحرب الإلكترونية، ما يجعلها شريكاً مهماً بالنسبة إلى السودان في مرحلة إعادة بناء وتطوير القدرات العسكرية.
ويرجح الناير أن تشمل ملفات التعاون العسكري التدريب وتبادل الخبرات والتسليح والصيانة والدعم الفني والصناعات الدفاعية والطائرات المسيّرة، لكنه يرى أن الأهم هو الانتقال من نموذج شراء المعدات إلى نموذج أعمق يقوم على نقل المعرفة وبناء القدرات.
ويؤكد أن امتلاك المعدات الحديثة لا يحقق الغرض الاستراتيجي من دون كوادر قادرة على تشغيلها وصيانتها وتطويرها، إلى جانب بنية اتصالات وقيادة وسيطرة قادرة على دمج تلك القدرات في منظومة العمليات.
وتحتل الطائرات المسيّرة موقعاً متقدماً في حسابات التعاون العسكري المحتملة، بعدما أصبحت عنصراً رئيسياً في الحروب الحديثة، ليس فقط في تنفيذ الضربات، وإنما في الاستطلاع والمراقبة ورصد التحركات وخطوط الإمداد ودعم العمليات الدقيقة.
ويشير الناير إلى أن اتساع مسارح العمليات في السودان وتعقيدها يجعل امتلاك قدرات مستمرة في الاستطلاع والمراقبة أمراً ذا أهمية كبيرة، لكنه يشدد على أن المسيّرات وحدها لا تصنع التفوق، وإنما المنظومة التي تربط المستشعر بالمعلومة، والمعلومة بالقرار، والقرار بالقدرة على التنفيذ.
ويرى الناير أن طبيعة الحرب الحالية تجعل تنويع الشراكات الدفاعية أكثر أهمية بالنسبة إلى الدولة السودانية، مع تنامي تأثير التكنولوجيا والإمداد الخارجي في موازين الصراع.
ويقول إن التعاون مع تركيا يمكن أن يمنح الخرطوم هامشاً أوسع للمناورة الاستراتيجية، ويفتح المجال أمام تنويع مصادر التكنولوجيا والخبرة العسكرية، لكنه يشدد على أن الحكم على نتائج الزيارة يجب أن ينتظر ما قد يترتب عليها من اتفاقات وبرامج معلنة.
تحوّل تركي يضع السودان في قلب الحسابات الإقليمية
من جانبه، يرى الصحفي السوداني المختص في الشأن التركي محمد أبوزيد كروم أن زيارة الفريق العطا تحمل «دلالات جديدة» في طبيعة العلاقة بين الخرطوم وأنقرة.
ويقول كروم لـ«العودة» إن تركيا لم تكن حاسمة في موقفها من السودان عقب اندلاع الحرب، إلا أن الموقف تغير خلال الفترة الأخيرة، خصوصاً مع تصريحات الرئيس أردوغان بشأن السودان ودعمه لرئيس مجلس السيادة.
ويشير إلى أن تركيا ركزت خلال فترات سابقة على ملفات مصر وليبيا والصومال وإثيوبيا، ولم يكن السودان في مقدمة أولوياتها، إلا أن التطورات الإقليمية الأخيرة جعلت الخرطوم أكثر أهمية في الحسابات التركية.
ويضيف أن السودان يمكن أن يستفيد من العلاقة مع تركيا في المجالات العسكرية والصناعية والزراعية والاقتصادية، لافتاً إلى وجود اتفاقيات موقعة بين البلدين منذ عام 2017 يمكن إعادة تنشيطها.
ويعتبر كروم أن موقع السودان على ساحل البحر الأحمر وفي عمق القرن الإفريقي يجعله دولة وازنة في الحسابات الإقليمية، مشيراً إلى أن التقارب السوداني مع تركيا والسعودية يمكن أن يشكل مساحة استراتيجية مهمة في ظل التحولات الجارية بالمنطقة.
ويرى أن تصريحات أردوغان الأخيرة تؤكد، في تقديره، مساندة تركيا للموقف الرسمي للحكومة السودانية، وأن أنقرة باتت أقرب إلى دعم مؤسسات الدولة وقيادتها، وليس إلى لعب دور الوسيط بين الأطراف.
ويقول كروم إن التطورات الأخيرة، بما فيها الحرب وتداعياتها الإقليمية، دفعت تركيا إلى إعادة تقييم أهمية السودان، مضيفاً أن الصراع لم يعد محصوراً في الداخل السوداني، وإنما أصبح مرتبطاً بصورة أوسع بالتنافس الإقليمي على النفوذ والمصالح.
ويلفت إلى أن زيارة الفريق العطا تختلف عن زيارات سابقة لرؤساء أركان سودانيين إلى تركيا، بسبب توقيتها وظروفها، مشيراً إلى أن لقاءه وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان التركي يمنح الزيارة طابعاً عسكرياً واضحاً.

من التعاون العسكري إلى شراكة استراتيجية شاملة
لا تقتصر العلاقات السودانية التركية على الملف العسكري، إذ تمتد إلى التجارة والاستثمار والزراعة والطاقة والتعدين والبنية التحتية وإعادة الإعمار، إلى جانب التعاون الإنساني والثقافي.
ويظل التبادل التجاري أحد الملفات الرئيسية في العلاقات، وسط طموحات مشتركة لزيادة حجم التجارة والاستثمارات، فيما تمثل قطاعات الزراعة والتعدين والطاقة والبنية التحتية فرصاً واسعة أمام الشركات التركية، خصوصاً في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.
كما يحتل أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي موقعاً مهماً في حسابات البلدين، بالنظر إلى الموقع الجغرافي للسودان ومصالح تركيا المتنامية في المنطقة، الأمر الذي يجعل استقرار السودان قضية ذات أبعاد تتجاوز حدوده الوطنية.
ويرى الناير أن العلاقة بين الخرطوم وأنقرة تقوم على مصالح متبادلة؛ فالسودان يحتاج إلى التكنولوجيا والتدريب والاستثمار والخبرة التركية، بينما ترى تركيا في السودان دولة ذات موقع جغرافي وموارد وإمكانات تجعل استقرارها جزءاً من معادلات المنطقة.
ويبقى الاختبار الحقيقي لما بعد زيارة العطا في طبيعة الاتفاقات التي قد يتم الإعلان عنها، ومدى استمرار الزيارات العسكرية، وفتح برامج تدريب جديدة، وتطوير التعاون الفني، وإمكانية توسيع مشاركة الشركات التركية في إعادة تأهيل القدرات الدفاعية والبنية التحتية السودانية.
وفي حال نجح البلدان في الانتقال من تبادل المعدات إلى بناء القدرات ونقل الخبرات والتعاون الصناعي والتقني، فإن زيارة الفريق أول ركن ياسر العطا إلى أنقرة قد تصبح محطة مهمة في إعادة صياغة العلاقات السودانية التركية، ليس فقط على المستوى العسكري، وإنما ضمن شراكة أوسع تتصل بأمن البحر الأحمر والاستثمار وإعادة الإعمار والطاقة والزراعة والتجارة.
وتبدو الرسالة الأبرز من الحراك السوداني التركي الأخير أن الحرب كانت نقطة تسريع للعلاقات، لكنها قد لا تكون سقفها، وأن المرحلة المقبلة ستحدد ما إذا كان التقارب الحالي سيبقى في حدود الاحتياجات العسكرية الآنية، أم سيتحول إلى شراكة استراتيجية أكثر اتساعاً واستدامة.




