سفير السودان لدى إريتريا أسامة أحمد عبد البارئ في حوار مع “العودة” (٢_٢)

نحذر من تحول موانئ السودان لساحة تصفية حسابات دولية
يتواصل الحوار مع سفير جمهورية السودان لدى إرتريا أسامة أحمد عبد البارئ في جزئه الثاني لينتقل هذه المرة من الملفين الاقتصادي والأمني إلى ملف أكثر التصاقاً بالإنسان السوداني أوضاع الجالية السودانية في إرتريا التي تضاعف عددها وتبدلت احتياجاتها بعد الحرب. كما يتوقف الحوار عند موقع السودان من التنافس الدولي المتصاعد على البحر الأحمر وملف إعادة الإعمار وأولوياته مع الجانب الإرتري وصولاً إلى سؤال أساسي مباشر حول شكل السودان الذي سيخرج من رحم هذه الحرب: هل يعود كما كان، أم يفتح لنفسه مساراً جديداً ؟

سفير السودان بأسمرا:
عبد البارئ: “شكّلنا مجلساً استشارياً من أطباء وأكاديميين لدعم علاقاتنا مع إرتريا”
“الجالية السودانية بإريتريا وجدت اندماجاً لا غربة”
” لا شكاوى تُذكر لأبناء الجالية من التعامل الإرتري”
“نقدّم ما يمكن من مساعدة ودعم للحالات الإنسانية”
“البحر الأحمر فرصة للسودان إن أُحسنت إدارته”
” العمل جارٍ على ممر اقتصادي سوداني إرتري”
” السودان بعد الحرب لن يكون كما كان”
حاورته: نشوة أحمد الطيب
نعاود اللقاء بكم سعادة السفير أسامة أحمد عبد البارئ شاكرين لكم إتاحة هذا الجزء الثاني من الحوار مع “العودة” في البدء أود أن أسألكم عن الجالية السودانية في إرتريا
س. كيف تغير حجم الجالية السودانية بإريتريا وطبيعة احتياجاتها منذ اندلاع الحرب ؟ وهل تقدم السفارة خدمات قنصلية وإنسانية كافية للنازحــين الجــدد ؟
ج. منذ اندلاع الحرب بالسودان بعد تمرد مليشيا الدعم السريع الإرهابية في أبريل 2023م ، شهد حجم الجالية السودانية في إرتريا تغيراً ملحوظاً، نتيجة وصول أعداد كبيرة من السودانيين الذين غادروا مناطقهم بسبب تدهور الأوضاع الأمنية والإنسانية بسبب جرائم وانتهاكات المليشيا المتمردة . ولم تعد الجالية تقتصر على السودانيين المقيمين في إرتريا منذ سنوات، بل أصبح من بينها وافدون جدد تختلف ظروفهم واحتياجاتهم عن احتياجات المقيمين بصورة مستقرة.
وقد انعكس هذا التغير بصورة واضحة على طبيعة الخدمات المطلوبة من السفارة. ففي السابق كانت معظم الاحتياجات تتركز في الخدمات القنصلية المعتادة، مثل استخراج وتجديد الوثائق، التصديقات، معاملات السفر والإقامة وتسجيل المواليد والوفيات. أما بعد اندلاع الحرب، فقد برزت احتياجات جديدة ذات طابع إنساني ، تشمل مساعدة من فقدوا وثائقهم ، استخراج وثائق السفر، تسوية بعض الأوضاع القنصلية ، متابعة الحالات المرضية والإنسانية ، ومساعدة الأشخاص الذين وصلوا إلى إريتريا دون موارد مالية أو أقارب يمكنهم الاعتماد عليهم.
كما ظهرت حالات تحتاج إلى تدخل مباشر يتجاوز نطاق الخدمة القنصلية التقليدية، خاصة بالنسبة لكبار السن والمرضى والأشخاص الذين لا يملكون مصادر دخل . وقد تعاملت السفارة مع أعداد كبيرة من هذه الحالات في حدود الإمكانات المتاحة، إلى جانب التواصل مع الجهات الارترية المختصة متى ما تطلبت الحالة ذلك.
وبالتالي يمكن التأكيد أنّ السفارة تُقدم للوافدين الجدد الخدمات القنصلية التي تدخل في نطاق اختصاصها، كما تتابع الحالات الإنسانية وتقدم ما يمكن من مساعدة ودعم ، إلا أنّ ذلك لا يعني قدرتها على تغطية جميع الاحتياجات الإنسانية للوافدين ، خاصة في ما يتعلق بالسكن والغذاء والعلاج والدعم المالي.
س. ما أبرز الشكاوي التي يرفعها أبناء الجالية بخصوص أوضاعهم القانونية والمعيشية وكيف تتعاملون معها مع الجانب الإرتري ؟
ج. بصورة عامة لا توجد شكاوى تُذكر من أبناء الجالية السودانية تتعلق بطريقة تعامل السلطات الارترية معهم بل على العكس يلمس المواطنون السودانيون قدراً كبيراً من التسهيلات وحسن المعاملة سواء في إجراءات الدخول والإقامة أو في تعاملهم مع الجهات الحكومية المختلفة. وقد اتخذت السلطات الارترية منذ اندلاع الحرب في السودان موقفا متقدما في تسهيل دخول السودانيين وإقامتهم، بما في ذلك السماح لهم بالدخول باستخدام ما يتوفر لديهم من وثائق ، وتيسير إجراءات الإقامة دون تعقيدات ، وهو ما عكس طبيعة العلاقات الأخوية بين البلدين والشعبين.
كما أن التعامل مع السودانيين في الحياة اليومية لا يقوم على إحساسهم بالغربة أو التمييز، وإنما يجدون قدراً كبيراً من الاندماج والتعامل الطبيعي، حيث تتعامل معهم السلطات والمجتمع الإرتري بصورة ودية مماثلة إلى تعاملها مع المواطنين ، خاصةً في ظل الروابط التاريخية والاجتماعية الممتدة بين الشعبين .
ومن جانب السفارة لا تبرز في الوقت الراهن شكاوى متكررة أو ذات طابع جماعي تستدعي تصعيداً أو معالجة خاصة مع الجانب الارتري. وعندما ترد حالة فردية تتعلق بإجراء أو مسألة معينة ، تقوم السفارة بمتابعتها مباشرة مع الجهة المختصة، وتجد تجاوبا وتعاونا من الجانب الارتري في الوصول إلى المعالجة المناسبة.
وبالتالي يمكن التأكيد أنّ الصورة العامة لأوضاع الجالية السودانية في إرتريا ايجابية، وأنّ أبرز ما يميز تعامل السلطات الإرترية معها هو التسهيلات والمرونة وحُسن المعاملة ، وهو ما كان واضحاً بصورة خاصة تجاه السودانيين الذين وصلوا إلى إرتريا بعد اندلاع الحرب، حيث تم التعامل معهم بروح إنسانية وأخوية، ولم تفرض عليهم الإجراءات التي كان يمكن أن تزيد من معاناتهم في ظل ظروف الحرب.
من أبرز المبادرات النوعية التي اضطلعت بها سفارة جمهورية السودان بأسمرا إنشاء مجلس استشاري لرئيس البعثة ، يضم نخبة من الأطباء وأساتذة الجامعات العاملين بالمؤسسات الأكاديمية والمستشفيات الإريترية، لتقديم الرُؤى والمقترحات والأفكار والتوصيات في مُختلف مجالات التعاون الثنائي، بما يُعزز كفاءة الأداء الدبلوماسي ويدعم تطوير العلاقات السودانية – الإريترية على أسس مؤسسية.

س. في ظل تزايد التنافس الدولي علي الممرات المائية بالبحر الأحمر كيف يضع السودان نفسه إزاء هذا التنافس وهل هذا الوجود الخارجي المتنامي تهديداً أم فرصة؟
ج. في ظل تزايد التنافس الدولي والإقليمي على الممرات المائية في البحر الأحمر، ينبغي للسودان ان يتعامل مع هذا الواقع باعتباره معطى جيوسياسياً مهما ، وأنّ يعمل على توظيف موقعه الاستراتيجي بما يخدم مصالحه الوطنية ويحافظ في الوقت ذاته على سيادته وقراره المستقل. فالسودان يمتلك ساحلاً طويلاً على البحر الأحمر وموانئ ذات أهمية تجارية واستراتيجية، كما أنّ موقعه يجعله جزءاّ أساسياً من منظومة أمن البحر الأحمر والممرات البحرية المرتبطة به.
ولا شك أنّ تنامي الوجود الخارجي في البحر الأحمر يحمل في جانب منه مخاطر حقيقية ، خاصة إذا تحول التنافس الدولي إلى سباق على القواعد العسكرية والنفوذ والسيطرة على الموانئ والممرات البحرية. مثل هذا الوضع يمكن أن يؤدي إلى عسكرة المنطقة وزيادة حدة الاستقطاب، كما قد يجعل الدول المطلة على البحر الأحمر عرضة لتجاذبات القوى الكبرى والصراعات الإقليمية، وهو ما يستدعي من السودان الحذر وعدم السماح بتحول ساحله أو موانئه إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى المتنافسة.
وفي المقابل يمكن النظر إلى هذا الوجود الخارجي باعتباره فرصة للسودان في ظل حسن التعامل معه وإدارة علاقاته بصورة متوازنة. فالتنافس على البحر الأحمر يمكن ان يفتح المجال أمام جذب الاستثمارات وتطوير الموانئ والمناطق اللوجستية وتحسين البنية التحتية وتعزيز حركة التجارة والنقل البحري، إلى جانب الاستفادة من الخبرات والتقنيات الحديثة في مجالات المراقبة وحماية السواحل ومكافحة التهريب والجريمة المنظمة والتهديدات التي تواجه الملاحة البحرية.
ومن هذا المنطلق فان المصلحة السودانية تقتضي تبني سياسة تقوم على تنويع الشراكات وعدم الارتهان لقوة دولية أو إقليمية واحدة، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف. فالسودان ليس مضطرا إلى الانحياز إلى أي محور، وإنّما يمكنه التعاون مع مختلف الدول في المجالات التي تحقق مصالحه، مع التأكيد على أنّ أي تعاون أمني أو عسكري يجب أن يتم في إطار يحفظ السيادة السودانية ولا يسمح باستخدام الأراضي أو المياه الإقليمية السودانية ضد أيّ طرف.
س. في مرحلة الإعمار والتعافي الحالية التي يمر بها السودان ما هو الملف الذي ترون ضرورة العمل عليه فورا مع الجانب الإرتري لتعزيز هذه الشراكة الاستراتيجية ؟
ج. جاري العمل مع الجانب الإرتري في هذه المرحلة على إنشاء برنامج تعاون اقتصادي متكامل ، يرتبط مباشرة بمرحلة إعادة إعمار السودان وتعافي اقتصاده.
ويرتكز برنامج التعاون على تطوير المعابر الحدودية ، وتسهيل حركة الأفراد والسلع، وتنشيط التجارة بين المناطق الحدودية، مع الاستفادة من موقع إرتريا وموانئها على البحر الأحمر في دعم حركة الصادرات والواردات السودانية.
كما يمكن أن يشمل برنامج التعاون مشروعات مشتركة في الزراعة والثروة الحيوانية والتصنيع الغذائي والخدمات اللوجستية، بما يحقق قيمة مضافة للمنتجات السودانية والارترية ويوفر فرص عمل للسكان في المناطق الحدودية. ومن المهم كذلك دراسة إعادة تأهيل وتطوير الطُرق التي تربط شرق السودان بالحدود الإريترية ، بما تفتح المجال أمام حركة تجارية أوسع ويربط مناطق الإنتاج السودانية بالموانئ الارترية.
ومن هذا المنطلق، فان إقامة ممر اقتصادي وتجاري سوداني ارتري يمكن أن تمثل نقطة البداية الحقيقية لتطوير الشراكة الاستراتيجية بين البلدين وذلك خلال مرحلة الإعمار والتعافي التي يشهدها السودان بعد دحر المليشيا المتمردة.
س. هل تعتقدون أن السودان بعد الحرب سيعود إلى معادلات ما قـــبل 15 أبريل 2023م أم أن الحرب لها واقع سياسي جديد ؟
ج. السودان بعد الحرب لديه فرصة حقيقية للعودة بقوة إلى مسار الاستقرار والتنمية، بل أنّ المرحلة المقبلة يمكن أن تكون بداية لمرحلة أفضل من تلك التي سبقت 15 أبريل 2023م . فالحرب، رغم ما خلفته من خسائر ومعاناة، أظهرت تمسك الشعب السوداني بوحدة بلاده ودولته، وخلقت وعياً أكبر بضرورة تجاوز الخلافات وبناء دولة مستقرة وقادرة على تحقيق مصالح مواطنيها.
ومن المؤكد أنّ السودان لن يعود بالصورة نفسها التي كان عليها قبل الحرب ، وهذا في حد ذاته أمراً إيجابياً فالواقع الجديد يمكن أن يفتح المجال أمام إعادة بناء الحياة السياسية على أسس أكثر نضجاً، وتعزيز مؤسسات الدولة، وإزالة الاختلالات التي ظلت تعيق الاستقرار والتنمية خلال العقود الماضية .
والسودان يمتلك مقومات كبيرة تمكنه من التعافي واستعادة قوته، من موارد زراعية ومعدنية وموقع استراتيجي وثروة بشرية وعلاقات إقليمية واسعة. ومع استعادة الأمن وعودة النازحين وبدء إعادة الإعمار، يمكن أن تتحول هذه الموارد إلى محرك حقيقي للنمو، وان يشهد السودان تدفقا للاستثمارات ومشروعات واسعة في الزراعة والبنية التحتية والطاقة والنقل والتجارة.
لذلك فان النظرة الايجابية هي أن مرحلة ما بعد الحرب لن تكون مجرد عودة إلى ما قبل 15 ابريل 2023م ، بل يمكن أن تكون انطلاقة جديدة للسودان. وإذا نجح السودانيون في تحويل نهاية الحرب إلى مشروع وطني لإعادة البناء والتنمية، فان السودان يستطيع خلال السنوات المقبلة إن يستعيد عافيته الاقتصادية والسياسية، ويعود دولة مؤثرة وفاعلة في محيطها العربي والأفريقي والإقليمي، مستنداً إلى موارده الكبيرة وموقعه الاستراتيجي وقدرات شعبه.
في ختام هذا الحوار تتقدم صحيفة “العودة” بجزيل الشكر لسعادة السفير أسامة أحمد عبد البارئ على وقته وسعة صدره وعلى إجاباته الوافية والصريحة التي أضاءت جوانب مهمة من العلاقات السودانية الإرترية كما تتمنى له دوام التوفيق في أداء مهامه الدبلوماسية خدمةً لمصالح البلدين الشقيقين.

الجزء الأول من الحوار
سفير السودان لدى إريتريا أسامة أحمد عبد البارئ في حوار مع “العودة” (1-2)



