(سيرة واتفتحت).. مخصصات محافظ البنك المركزي

شهادات صحفية موثقة في حق السيدة (آمنة بنت ميرغني)
الباز: “آمنة” لم تكن امرأة عاطلة تبحث عن وظيفة
عبد الماجد: مرتب المحافظ هو الأضعف والأقل قيمة ونفعًا قياسًا على مخصصات محافظي البنوك المركزية
محمد عثمان (اوكاك): ينبغي أن يكون راتب المحافظ عالياً تحصيناً للشخص وللمنصب ذاته من الفساد
رحمة: أفضل من ممن سبقوها في إدارة البنك من حيث الحضور ومحاولة تحريك الملفات
كبوشية: مقارنة مع نظراء في الإقليم راتب محافظ السودان اقل
تقرير: العودة
لم ينقسم الصحفيون، كعادتهم، هذه المرة، حول الدفاع عن محافظ بنك السودان المركزي، السيدة آمنة ميرغني بخصوص مخصصاتها التي وصفها زميلهم الطاهر ساتي بالضخمة أو كما بدأ من مقاله الذي أثار الكثير من الغبار، تصدى له كثيرون في معادلة شكلت مفاجأة كبيرة، اولا اتفاق الصحفيين على الدفاع عن المحافظ، وثانيا تداعي بعضهم الى أن ذلك يشكل مؤامرة، بينما المح آخرون إلى أن ساتي مدفوعا بضغينة صاحبة المحول المالي (عسجد) !
المهم قال الطاهر ساتي كلمته ومضى، بينما سجل آخرون كلمتهم للتاريخ، وكان أبرزهم عبد الماجد عبد الحميد وعادل الباز ورحمة عبد المنعم ومحمد حسن كبوشية ومحمد عثمان اوكاك.. لم يتفقوا جميعا على شيء من قبل، مما اتفاقهم على السيدة آمنة وهذا من حظها أن يأتيها الذم لتنال كل هذا المدح من كبار الصحفيين.
الظروف الاقتصادية
الزميل الأستاذ رحمة عبد المنعم أدلى بدلوه في المرافعة فقال: (مع كامل الاحترام للأستاذ الطاهر ساتي وحقه في نقد أداء بنك السودان ومحافظه، أرى أن تقييم أداء الأستاذة آمنة ميرغني يجب أن يكون في إطار الظروف الاقتصادية والسياسية والحرب التي تمر بها البلاد، لا من خلال سعر الدولار وحده أو بعض القرارات التي تم تعديلها أو التراجع عنها.
ارتفاع سعر الصرف ليس مسؤولية محافظ البنك المركزي وحدها، فهناك حرب مستمرة، وتراجع كبير في الإنتاج والصادرات، واختلال في الميزان التجاري، وشح في النقد الأجنبي، وارتفاع في فاتورة الاستيراد، إلى جانب توسع السوق الموازي والمضاربات. وكل هذه عوامل تضغط على العملة الوطنية، مهما كانت كفاءة إدارة البنك المركزي.
وتابع: أما إصدار قرار ثم مراجعته أو إلغاؤه، فلا أراه بالضرورة دليلاً على التخبط،الإدارة الرشيدة ليست في الإصرار على القرار الخاطئ، وإنما في القدرة على مراجعته وتصحيحه عندما تظهر آثاره السلبية، خصوصاً في اقتصاد شديد التقلب وعدم الاستقرار، الخطأ الحقيقي هو معرفة أن القرار غير مناسب ثم الاستمرار فيه خوفاً من الاعتراف بالخطأ.. وبخصوص راتب محافظ البنك المركزي ومخصصاتها، فمن حق الرأي العام معرفة التفاصيل ومناقشتها بشفافية، لكن ينبغي أيضاً وضع الأمر في سياقه الصحيح ومقارنته بمخصصات المناصب القيادية في المؤسسات والشركات الحكومية الأخرى،وهناك أعضاء مجالس إدارات وقيادات في بعض الشركات والمؤسسات الحكومية يحصلون على مخصصات تفوق ما يحصل عليه محافظ البنك المركزي، ولذلك يجب أن تكون المطالبة بمراجعة الرواتب والمخصصات شاملة لكل مؤسسات الدولة، لا مرتبطة بشخص واحد.
ولا يعني ذلك أن تجربة آمنة ميرغني خالية من الأخطاء. لديها قرارات يمكن نقدها، وهناك إخفاقات تستحق المراجعة، لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف أيضاً بأنها تعمل في ظروف اقتصادية استثنائية، ولديها على الأقل رؤية ومحاولات وبرامج وقرارات واضحة لإدارة القطاع المصرفي والنقد الأجنبي، ويمكن الاختلاف حول نجاحها أو فشلها، ولكن وجود المبادرة أفضل من الجمود وترك الأزمات تتراكم.
وفي تقديري، آمنة ميرغني، رغم الأخطاء والملاحظات على أدائها، تعد أفضل من عدد ممن سبقوها في إدارة البنك المركزي من حيث الحضور ومحاولة تحريك الملفات واتخاذ القرارات،ولا ينبغي أن يتحول نقد السياسات إلى توصيفات شخصية مثل “سيدة التخبط الإداري”، لأن القضية في النهاية قضية مؤسسة وسياسات واقتصاد دولة، وليست معركة مع شخص المحافظ.. النقد مطلوب، والمحاسبة مطلوبة، والشفافية بشأن المخصصات مطلوبة، وكذلك الاعتراف بالأخطاء مطلوب. لكن العدالة أيضاً مطلوبة؛ فلا نحمل محافظ البنك المركزي وحدها مسؤولية اقتصاد أنهكته الحرب واختلالات تراكمت لسنوات.. الأفضل أن يكون السؤال: ما السياسات التي نجحت؟ وما السياسات التي أخفقت؟ وما البدائل الممكنة في هذه الظروف؟ بهذا يصبح النقد مفيداً للإصلاح، بدلاً من اختزال أزمة الاقتصاد السوداني كلها في راتب المحافظ أو في قرار تم إلغاؤه.
انخفاض سعر العملة
جاء رد الزميل الشيخ دوليب على رحمه الذي نشر مرافعته تلك على مجموعة الجمهورية الرابعة التي يديرها ويشرف عليها الزميل محمد جمال قندول بقوله: (إذا كان المعيار انخفاض سعر الجنيه (زيادة الدولار) فالجميع فاشلون منذ عقود سابقة وربما لاحقة.. الدولار دا غلب الكبار والصغار الرجال والنساء العساكر والمدنيين، أكبر مشكلة ظلت تواجه السودان منذ عقود ولم تجد حل ولا تشخيص واضح من المختصين ولا المنظرين وربما لن تجد، واضاف: راتب المحافظ اقل من عشرة الاف دولار وهو مرتب محاسب عادي في الخليج.. فرد عليه الزميل رحمه بقوله: أتفق معك..إذا كان معيار تقييم الأداء هو انخفاض سعر الجنيه أمام الدولار، فمعظم من أداروا البنك المركزي لم ينجحوا، واعتمد كثير منهم على سياسة «المسكنات» أكثر من الحلول الجذرية.. فالمشكلة أعمق من شخص المحافظ أو البنك المركزي نفسه،نحن أمام اقتصاد يعاني منذ سنوات من ضعف الإنتاج والصادرات، والعجز التجاري، والاعتماد الكبير على الاستيراد، وشح النقد الأجنبي والمضاربات، ثم جاءت الحرب لتضاعف كل هذه الاختلالات.
وفق اللوائح والشروط
اما الزميل الأستاذ هشام عز الدين، فقد أكد بقوله إنه على الاقل أن هذا المرتب وفق اللوائح وشروط خدمة المحافظ هناك مؤسسات الرواتب فيها اكبر من ذلك وبالدولار ومن غير اى لوائح أو قوانين
وبالمناسبة هذا الراتب طبيعي جدا مع رواتب المحافظين السابقين اذا راعيت فروقات التضخم وانخفاض قيمة الجنيه، فوافقه صاحب المرافعة الاولى (رحمة منعم): صحيح، وهناك شركات حكومية خرجت وثائق تؤكد أن بعض أعضاء مجالس إداراتها يتقاضون رواتب ومخصصات دولارية كبيرة، الفرق أن راتب محافظ البنك المركزي معلوم وفي النور، وتم وفق اللوائح والقوانين، وليس خارج الأطر الرسمية أو بـ«الهمبتة» كما حدث ويحدث في مؤسسات أخرى.
اوكاك: ينبغي أن يكون عاليا
الاستاذ محمد عثمان إبراهيم (أوكاك) دخل على خط المرافعة عبر صفحته المقروءة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك فقال: لقد أشاد الأخ الطاهر ساتي بالسيدة محافظ بنك السودان من حيث أراد انتقادها وبالرغم من أن مقاله لم يذكر شيئاً عن أدائها وإنما ركز على استحقاقاتها فإنه قد لفت النظر إلى قضية مهمة للغاية وهي رواتب المسؤولين الرفيعين في الدولة.. واضاف: في تقديري فإن راتب محافظ بنك السودان بالمسؤوليات الكبيرة أمامها والثغرات الواسعة للفساد ينبغي أن يكون عالياً تحصيناً للشخص وللمنصب ذاته، وينبغي أن تعمم تجربة تقديم رواتب عالية ومشجعة وحوافز معيشية مناسبة مع حجم المسؤوليات.
وتابع اوكاك: البشر عموماً والسودانيون خصوصاً مجبولون على العفاف والاستقامة، وقد كتبت عدة مرات عن الفساد بإعتبار أنه حالة طارئة في غالبه على أهل السودان الذين يفشلون في اختبار المال بسبب الحاجة أكثر منه بسبب النوايا الشريرة.. نريد من السلطة رفع رواتب الوزراء ومديري المؤسسات الكبرى حتى لا نضطرهم لأكل مال النثريات، والتغول على ميزانيات العمل، وتلقي الرشاوى من رجال الأعمال المفسدين، والإحتيال بالأسفار لتضخيم بدلات المأمورية.. أمامكم التجربة السنغافورية التي تمنح الوزراء والمسؤولين أعلى رواتب بين نظرائهم في العالم ثم تحاسبهم بقسوة إن امتدّت يد أحدهم نحو المال العام.. أرفعوا رواتب المسؤولين واختاروا الأكفأ للمهام الكبيرة تحصنون البلاد من الفساد.
العين بتبكي النفع
اما بلدوزر الاعلاميين الإسلاميين والوزير الولائي السابق ورئيس تحرير (مصادر) عبدالماجد عبدالحميد فقد قال إن الهجوم على محافظ البنك المركزي بحجة ارتفاع راتبها ومخصصاتها الشهرية.. ليس له ما يبرره إلا إذا عملنا بمقولة الأخ الصحفي الشاب عبد الباسط إدريس، ردّ الله غربته المكانية والصحفية في تفسير خلفيات الهجمات والحملات الإعلامية المضادة مثل التي بدأ سُعارها ضد السيدة آمنة ميرغني.. (العين بتبكي النّفَع!!) .. والنفع الذي يعنيه في مثل حالة محافظ البنك المركزي أن مصدر الهجوم له سابق دفاع مستميت عن شركة عسجد إحدى النوافذ التي أغلقتها السيدة آمنة وفقًا لسلطات وصلاحيات البنك المركزي.. ولما لم تثمر الحملة المناصرة لعسجد وأخواتها رأى أصحاب النفع أن يطالبوا بإبعاد محافظ البنك المركزي.. والحجة أن مرتبها الشهري والمخصصات المصاحبة عالية جداً.. والحقيقة التي يعلمها من يهاجمون محافظ المركزي من هذه الزاوية أنّ مرتب ومخصصات محافظ بنكنا المركزي في السودان هي الأضعف والأقل قيمة ونفعًا قياسًا على المخصصات المهولة لنظرائها من محافظي البنوك المركزية بالدول الأفريقية والعربية في إقليمنا فقط.. ليس هذا وحسب..داخل السودان نجد أنّ راتب ومخصصات محافظ البنك المركزي السوداني أقلّ بعشرة أضعاف من راتب ومخصصات مدير بنك الخرطوم، وهي أيضاً سيدة سودانية من القطاع المصرفي السوداني.
وقال عبد الحميد: مرتب محافظ البنك المركزي يقف فقط عند حاجز 10 آلاف دولار، وهو مبلغ أقلّ من فاتورة المؤتمر الصحفي للجنة الحوار الوطني الذي ستبدأ أعمالها صباح يوم غدٍ (اليوم):بفندق السلام بالخرطوم ! وتابع: هنالك مدراء مؤسسات وشركات حكومية يتقاضون أكثر من راتب محافظ البنك المركزي، وهنالك مدير مكتب مسؤول سيادي رفيع يتقاضى ثلاثة أضعاف ما تتقاضاه السيدة آمنة ميرغني من بنك السودان ! واضاف: ما نود قوله هنا أنّ الهجوم على السيدة آمنة بحجة ارتفاع راتبها حجة غير مقنعة لمن يطالبون بإقالتها لهذا السبب. هنالك أسباب أخرى تكفي لإطاحة محافظ البنك المركزي، لكنها الآن ليست موضع نظر عند قيادة الدولة التي تفتقر إلى رؤية كلية لإدارة الشأن الاقتصادي للبلاد، وعليه ليس أمام السيدة آمنة غير اتباع سياسة (الطباعة من العفريتة).وهي عند القياس مع سلفها الأسبق يمكن القول، من وجهة نظر تجد من يعارضها أيضاً، أنها قدّمت حتى الآن أداءً أفضل، خاصة في التعاون والتفاكر مع مديري البنوك الذين كان المحافظ المنتهية ولايته بالإقالة يتعامل معهم بعنجهية وازدراء، سكت عنه أصدقاؤه الذين انبروا الآن فجأة للهجوم على المحافظ آمنة ميرغني بحجة ارتفاع مخصصاتها التي يمنحها لها البنك بالقانون، وهي أقلّ مما كان يتقاضاه المحافظ المُقال.
مقارنة مع نظراء في الإقليم
اما الزميل محمد الحسن كبوشية فقد ترافع في قضية الراتب واعطى الزميل الأستاذ الطاهر ساتي حقه في انتقاد سياسات بنك السودان، خصوصاً اضطراب سعر الصرف وتعدد المنشورات وضعف التواصل مع المصارف والمصدرين ، واضاف: لكن المقال انتقل من تقييم السياسات إلى استهداف المحافظ الاستاذة أمنة ميرغني شخصياً، مستخدماً عبارات ساخرة وإشارات إلى كونها امرأة فقوة المحافظ تُقاس بكفاءة قراراتها لا بنوعها والنقد المهني لا يحتاج إلى التجريح حتى يكون قوياً.. وتابع: إن ارتفاع الدولار من 3,600 إلى 6,300 جنيه لا تتحمله آمنة ميرغني وحدها. فالسودان يعيش حرباً عطلت الإنتاج والصادرات ووسعت التهريب، وأخرجت الذهب والمحاصيل والتحويلات من القنوات الرسمية، بجانب العجز المالي والإنفاق الحكومي ولبنك السودان نصيبه من المسؤولية لكنه لا يستطيع وحده تثبيت العملة بلا احتياطيات وتدفقات نقد أجنبي وإنتاج حقيقي.. وقال كبوشية: إن إعادة السماح للمصارف بتحديد أسعار الصرف قد تكون مراجعة لسياسة لم تحقق أهدافها، وليست بالضرورة دليلاً على غياب الرؤية فالبنوك المركزية تعدل سياساتها باستمرار عندما تتغير الظروف والسؤال الصحيح ليس لماذا تراجعت المحافظ؟ بل يجب ان يكون، هل القرار الجديد جذب حصائل الصادر والتحويلات وقلص الفجوة مع السوق الموازي وأعاد الثقة إلى الجهاز المصرفي؟
واضاف كبوشية: في مقال الاستاذ الطاهر وبحسب الرقم الوارد في المقال يعادل راتب المحافظ الأساسي نحو 7 الاف دولار شهرياً بسعر 6,300 جنيه للدولار وهذا أقل من أرقام منشورة إقليمياً فقد نُشر في كينيا أن راتب محافظ البنك المركزي بلغ 3 ملايين شلن كيني شهرياً أي نحو 23 ألف دولار بينما بلغ راتب محافظ بنك أوغندا وفق بيانات صحفية منشورة أكثر من 53 مليون شلن أوغندي شهرياً أي قرابة 14 ألف دولار، و لكن إذا صحت المزايا التي ذكرها ساتي والتي ترفع الاستحقاق إلى ما يعادل 50 راتباً سنوياً فإن الدخل النقدي يتجاوز 2.2 مليار جنيه أي نحو 349 ألف دولار سنوياً بخلاف السكن والعلاج والوقود إلا إذا كان كل الاستحقاقات مضمنة و موجودة في الراتب المحدد بمبلغ 7 الاف دولار واذا كان غير ذلك حينها تصبح الحزمة أعلى من بعض نظرائها في المنطقة وتستحق المراجعة والمساءلة غير أن إثباتها يحتاج إلى عقد أو قرار رسمي، لا إلى رواية صحفية مجردة.
الباز: دفاعا عن آمنة ميرغني
الاستاذ الكبير عادل الباز في مقاله اليومي الشهير (فيما أرى) دافع عن السيدة المحافظ وقال: (لا أطلب للطاهر ولا لغيره أن يجامل آمنة، ولا أطلب حصانة لها من النقد. بالعكس، محافظ بنك السودان يجب أن يكون تحت أشد رقابة الصحافة والرأي العام، لأن القرارات التي تصدر من مكتبه تمس لقمة عيش كل سوداني. لكن هناك فرقاً كبيراً بين النقد والمطاردة، وبين المساءلة والتجريح، وبين تفكيك سياسة نقدية بالأرقام وتحويل راتب موظف إلى دليل إدانة لشخصه.. ثم أضاف: شنّ الصديق الأستاذ الطاهر ساتي اليوم هجوماً عنيفاً على محافظ بنك السودان المركزي الأستاذة آمنة ميرغني، واختار مدخلاً مثيراً لا شك فيه: راتب المحافظ ومخصصاتها، الشفافية في الراتب شيء، وتحويل الراتب وحده إلى إدانة سياسية أو مهنية شيء آخر. فالسؤال ليس: كم تتقاضى؟ بل: هل تم اعتماد ما تتقاضاه وفق القانون؟ وهل أدت سياساتها إلى نتائج يمكن قياسها ومناقشتها؟..
والطاهر لم يثر قضية الراتب مجردة، وإنما أراد أن يقول: كيف تتقاضى المحافظ كل هذه الأموال بينما يتراجع الجنيه ويتخبط البنك في سياساته؟ وهذا سؤال مشروع، لكن الإجابة عنه لا تبدأ من مقارنة راتب محافظ البنك المركزي براتب المعلم أو الطبيب أو الجندي. تلك مقارنة عاطفية مؤثرة وغير عادلة، لكنها اقتصادياً لا تقول لنا شيئاً. فالسؤال الصحيح هو: كم ينبغي أن ندفع لمن نأتمنه على العملة الوطنية، واحتياطيات البلاد، والجهاز المصرفي، والسياسة النقدية، وسوق النقد الأجنبي؟ وكم تبلغ قيمة هذه الكفاءة نفسها في السوق المصرفية الإقليمية والدولية*؟
وقال الباز: لنبدأ من الرقم الذي أثار غضب الطاهر. بحسب الأرقام التي أوردها هو نفسه، راتب آمنة ميرغني 44 مليون جنيه شهرياً، ثم أضاف مخصصات تعادل 8 أشهر للإجازة، و6 أشهر للعيدين، و5 للملابس، و10 أشهر حافزاً سنوياً، و9 أشهر للعلاج.
فلنحسبها بدلاً من أن نفزع منها. هذه المخصصات مع الرواتب الاثني عشر تعادل 50 راتباً شهرياً في السنة. اضرب 50 في 44 مليوناً، يكون إجمالي ما ذكره الطاهر 2.2 مليار جنيه في السنة. وبسعر الدولار الذي أورده الطاهر نفسه، أي 6,300 جنيه، يصبح الإجمالي نحو 349 ألف دولار سنوياً.. هل هذا كثير إذا قارناه ببعض أعضاء مجالس الادارات للشركات الحكومية الذين يجتمعون مرتين في العام ويتقاضون ١٦٠ الف دولار او إذا قارناه بسوق العمل الدولى الذي تأتي منه آمنة ميرغني؟
وذكر الباز أنه قبل أن تأتي آمنة إلى هذه الجبانة الهايصة كانت تعمل في القطاع المصرفي خارج السودان بنك الساحل والصحراء ، وكان دخلها ومزاياها أعلى بكثير مما تحصل عليه الآن.. وحين طُلب منها العودة لتولي بنك السودان لم تتردد ولم تسأل عن مخصصاتها، آمنة لم تكن امرأة عاطلة تبحث عن وظيفة، بل مصرفية تتخلى عن حزمة مالية دولية لتدخل بلداً في حرب، عملته تتهاوى، موارده شحيحة، وبنكه المركزي يعمل في ظروف ربما لا يعمل في مثلها أي بنك مركزي في العالم.هذه الحقيقة ينبغي أن تدخل الحساب قبل النظر ل «44 مليون جنيه التي تساوي تقريباً 7000 دولار فقط بحساب الموازى اليوم!.
المحافظ ليس موظفا عاديا
وقال الباز: لنخرج من السودان قليلاً ، في أفريقيا، تختلف المرتبات وفق حجم الاقتصاد وسوق الكفاءات ودرجة الإفصاح، لكن المبدأ واحد: محافظ البنك المركزي ليس موظفاً عادياً في السلم الوظيفي. ففي جنوب أفريقيا، بلغ إجمالي ما تقاضاه محافظ بنك الاحتياطي الجنوب أفريقي، ليسيتجا كغانياغو، خلال السنة المالية 2023/2024 نحو 9.72 مليون راند، شاملاً الراتب والمزايا المتكررة والمزايا الأخرى. وبمتوسط سعر صرف عام 2024، يعادل ذلك قرابة 530 ألف دولار سنوياً، أو نحو 44 ألف دولار شهرياً الجنيه أ.
فهل يعني ذلك أن أجنوب افريقيا «أصلحت راتب مدير البنك ولم تصلح أحوال المواطنين بجنوب افريقيا؟ بالطبع لا إنهم ببساطة يعرفون أن المؤسسات التي تدير المال والأسواق تحتاج إلى كفاءات تستطيع غداً أن تنتقل إلى مؤسسات تدفع أضعاف ذلك.
وتابع: أن إدارة النقد والاحتياطيات والقطاع المصرفي وظيفة متخصصة عالية المسؤولية، وأن تقييم أجر شاغلها ينبغي أن يبدأ من القانون، وحجم المسؤولية، وسوق الكفاءات، لا من مقارنته الحرفية برواتب بقية موظفي الدولة فهو اختزال لا يصمد أمام أي نقاش اقتصادي جاد.
لذلك، يبقى السؤال الجاد: هل حُدد راتب المحافظ ومخصصاته عبر جهة مختصة وبسند قانوني واضح؟ وهل يمكن مساءلة سياساتها وقراراتها بنتائج وأرقام محددة؟ أما جعل الراتب، في حد ذاته، دليلاً على مسؤوليتها عن تراجع، وتابع: الأهم أن قانون بنك السودان نفسه لا يتعامل مع المحافظ باعتباره موظفاً عادياً في الخدمة المدنية.فالمادة التاسعة من قانون بنك السودان تنص على تعيين المحافظ ونائبيه من ذوي «المؤهلات والكفاءة والخبرة»، وعلى أن تحدد الجهة التي تعينهم شروط خدمتهم. كما يلزم القانون المحافظ بتخصيص كل وقته المهني للبنك ويحظر عليه، كأصل عام، شغل وظيفة أخرى أو ممارسة عمل آخر بأجر أو بدونه.
واختتم الباز مقاله بقوله: (إذن عقد المحافظ ليس «درجة وظيفية» في كشف المرتبات؛ إنه عقد لشغل واحد من أخطر المناصب الاقتصادية في الدولة تقدير استحقاقاته يعود لمن استدعاه ووظفة ويعرف كفاءته ومايستحقة من راتب وامتيازات).




