علم الدين عمر يكتب : الحوار والملتقيات.. المطلوب بدل هذه (الهيصة) !!

حاجب الدهشة

 

علم الدين عمر يكتب : الحوار والملتقيات.. المطلوب بدل هذه (الهيصة) !!

 

جمعتني الصدفة بالأمس عقب صلاة الجمعة بعدد من السياسيين السودانيين ودخلنا تلقائياً في حلقة نقاش.. بدا لي أنه لا ينتهي كلما سنحت فرصة التلاقي.. بين السودانيين هذه الأيام.. ولعله من كرامات المشهد السوداني أن الناس إستعادوا ثقتهم في الإعلام والإعلامي الوطني لقراءة ما بين سطور الأزمة.. قلتُ لهم بوضوح أنه ربما كانت واحدة من أبرز مطلوبات المرحلة الحالية والقادمة.. ومن أخطرها.. أن تعيد الدولة السودانية النظر في الطريقة التي تُدار بها المعرفة والمعلومة وصناعة القرار.. وأن تدرك أن استعادة الدولة لا تكتمل باستعادة مؤسساتها ومقارها وأجهزتها.. التي تقيم علي هوامشها كل هذا الضجيج.. هي تحتاج فوق ذلك.. إلى عقل دولة يراقب المشهد.. ويقرأ ما بين السطور.. ويرصد التحولات قبل أن تتحول إلى أزمات..

السودان لا يواجه فقط تحديات الحرب وما بعدها.. بل يواجه حراكاً مجتمعياً وسياسياً ودبلوماسياً متسارعاً.. تتداخل فيه المصالح والأجندات والمواقف.. وتتحرك فيه الأفكار والمعلومات والشائعات والمبادرات بصورة تفوق قدرة المؤسسات التقليدية على المتابعة والتحليل..

لذلك ربما واحدة من أكبر مشكلات الدولة هو غياب مراكز البحوث والرصد الحقيقية ومؤسسات دعم وتحصين القرار الوطني..

لن يكون كافياً أن تعرف الدولة ما يحدث.. المطلوب أن تعرف لماذا يحدث.. وإلى أين يتجه.. ومن يقف خلفه.. وما الذي يمكن أن ينتج عنه غداً..

ببساطة لأن انتظار الحدث حتى يقع.. ثم البحث عن تفسير له.. يجعلك دائماً متأخر خطوة عن خصومك وعن المتغيرات من حولك.. الدولة التي تمتلك مراكز رصد وبحوث حقيقية..تستطيع أن ترى مقدمات الحدث قبل انفجاره.. وأن تضع السيناريوهات والبدائل.. وأن تقدم لصانع القرار معرفة باردة ودقيقة في اللحظة التي تشتد فيها حرارة السياسة..

ربما أبرز ما تعاني منه الدولة الآن هو غياب هذه المراكز.. وإتاحة معلومات الدولة وأسرارها.. وتحول بعض القضايا التي ينبغي أن تُدار بعقل استراتيجي هادئ إلى ساحات مفتوحة للتداول والإنطباعات والتجاذبات..

لا يكفي أن تطلق الدولة الحوار.. وتدعم لجانه التمهيدية التي يمكن أن تتحول هي نفسها إلى بؤر صراع.. إذا لم تكن هناك جهة مؤسسية تقرأ المشهد السياسي والإجتماعي المحيط بالحوار.. وتفهم توازناته.. وتراقب مساراته.. وتستبق نقاط الإنفجار فيه..

لا يكفي كذلك أن تتدخل الأجهزة والمؤسسات في القضايا الحيوية والإستراتيجية مثل الإعلام.. وتقيم فعاليات شكلية يمكن أن تتحول هي الأخرى إلى مسببات إنقسامات جديدة بدلاً من أن تكون أدوات لمعالجة الاإنقسام وبناء الرواية الوطنية..

المطلوب أكبر من ذلك بكثير..

الدولة بحاجة إلى عقل مركزي منفتح.. يبحث تحديات الراهن والمستقبل بترتيب محكم ودقيق.. لا يغفل شيئاً ولا قضية..

عقل لا يعمل بعقلية الجهاز المغلق.. ولا بعقلية رد الفعل.. ولا يخلط بين الأمن والسياسة والإعلام والبحث.. وإنما يجمع المعرفة من مصادرها.. ويضعها أمام صانع القرار في صورة تقديرات وسيناريوهات وبدائل..

نحن أمام مرحلة إعادة تأسيس.. وإعادة التأسيس لا تكون بإعادة تشغيل المؤسسات القديمة فقط..لابد من إعادة بناء أدوات التفكير نفسها..

السودان يحتاج اليوم إلى مراكز رصد وبحوث وطنية حقيقية.. ومراصد اجتماعية وسياسية وإعلامية ودبلوماسية.. ووحدات تفكير إستراتيجي.. ومؤسسات تقيس إتجاهات المجتمع وتقرأ التحولات الإقليمية والدولية.. وتضع الدولة أمام ما قد يأتي قبل أن يأتي..

المعركة القادمة لن تكون معركة بندقية فقط..

ستكون معركة وعي.. ومعلومة.. ورواية.. ومصالح.. ومراكز تأثير..وقدرة على قراءة المستقبل..

من لا يملك مركزاً يقرأ المشهد.. سيجد نفسه دائماً داخل المشهد كما يريده الآخرون..

هذه خلاصة إستفزاز الجمعة.. والناس مجتمعة.. وقد بدا لي كذلك أننا بحاجة لمنابر حقيقية للنقاش تعيد ترتيب أفكارنا المبعثرة بهذه العشوائية والفوضي فالدولة أحوج ما تكون لهذا العصف الذهني في مساره الصحيح..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى