سنار تحت وطأة “الخرمجة”:

قطوعات الكهرباء الطويلة تفجر غضب السكان وتنعش بيئة الأوبئة
تقرير: مصطفى أحمد عبد الله
تشهد مدينة سنار وعدد من محليات الولاية أزمة حادة وغير مسبوقة جراء الانقطاع المتواصل للتيار الكهربائي لساعات طويلة تتجاوز أحياناً 20 ساعة يومياً. هذا التدهور الإمدادي، الذي يصفه الشارع المحلي بـ “الخرمجة” والعشوائية، تسبب في شلل كامل للخدمات الحيوية، وفجّر موجة من الاحتجاجات الغاضبة وسط المواطنين عبر منصات التواصل الاجتماعي ومنابر الرأي العام.
جذور الأزمة الفنية والإدارية
أرجعت إدارة الكهرباء بولاية سنار على لسان المهندس جعفر حسن الخليفة في حوار مع وكالة سونا للأنباء استمرار هذه القطوعات إلى حجم الدمار الكبير الذي لحق بالبنية التحتية وشبكات النقل والتحويل نتيجة الأحداث العسكرية الجارية في البلاد.
وزاد الطين بلة الأعطال الفنية المتكررة والحرائق المفاجئة التي ضربت المولدات الرئيسية والمحولات الإسعافية في محطة سنجة التحويلية ومحطة سنار، مما قلّص حصة “الميغاوات” الواصلة للشبكة وأدخل المنطقة في جدول توزيع عشوائي يفتقر للشفافية وتوقيتات الفصل الآمن.
كارثة صحية متفاقمة
تأتي أزمة الكهرباء الحالية بالتزامن مع تفشٍ مقلق للوبائيات والحميات في عدة مناطق بالولاية، لاسيما حمى الضنك والملاريا. وأكدت تقارير طبية من مناطق متفرقة مثل قوز بلعو وود هاشم ومايرنو تزايد حالات الاشتباه وسط نقص حاد في الأدوية والمحاليل الطبية الضرورية. وقد ساهم انقطاع الطاقة في توالد كثيف للبعوض وتسبب غياب التيار في توقف مراوح التبريد والتهوية الإجبارية داخل المنازل، وضاعف من معدلات توالد البعوض الناقل للأمراض في ظل تردي الوضع البيئي.
تدهور المشافي الطبية
تواجه المراكز الصحية والمستشفيات صعوبات بالغة في تشغيل غرف العناية وعنابر الغسيل الكلوي وحفظ الأدوية الحساسة بسبب غياب الإمداد المستقر والاعتماد على مولدات إسعافية تفتقر أحياناً للوقود.
سخط عام وعجز مالي.
نبض الشارع السناري
أظهرت استطلاعات الرأي العام وحوارات الشارع في سنار، التي أجرتها “صحيفة العودة”، حالة من الاحتقان الشديد والسخط العام من الطريقة الإدارية التي تُدار بها الأزمة، حيث يعيش المواطنون تحت وطأة العجز المالي والخدمي.
المواطن إبراهيم يعقوب (موظف): ” الأزمة ليست في انقطاع الكهرباء فقط، بل في العشوائية وغياب البرمجة. التيار يأتي لدقائق وينقطع فجأة، مما تسبب في احتراق ثلاجتي وشاشة التلفاز. ذوو الدخل المحدود لا يملكون ثمن الصيانة أو شراء أجهزة جديدة”.
• المواطنة ست الجيل عثمان (ربّة منزل): ”
انقطاع الكهرباء يعني توقف إمدادات مياه الشرب تماماً. محطات وآبار المياه متوقفة، ونحن مجبرون على شراء المياه من عربات التوزيع (الكاروهات) بأسعار باهظة لا ترحم جيوبنا، مما يضاعف العبء المعيشي اليومي”.
• المواطن عادل التوم (صاحب متجر): ”
المقتدرون ماليًا اتجهوا فورًا إلى منظومات الطاقة الشمسية كبديل مؤقت لإنقاذ أعمالهم ومنازلهم، لكن الغالبية العظمى من المواطنين يعيشون في عجز مالي تام أمام هذه البدائل المكلفة، ويشعرون بالتمييز وغياب العدالة في التوزيع”.
• المواطنة ندى يوسف (ناشطة مجتمعية): “نطالب حكومة الولاية ووزارة الطاقة بالتدخل السريع وإعادة التحكم المحلي لتوزيع الكهرباء بشكل عادل وشفاف، وإنهاء حالة ‘الخرمجة’ الإدارية التي تدفع بالمدينة نحو كارثة بيئية وصحية حتمية”.
خاتمة تحليلية: أزمة خدمات تهدد بالانهيار الشامل
تتجاوز أزمة الكهرباء الراهنة في ولاية سنار حدود المضايقات اليومية المعتادة، لترتقي إلى مرتبة الأزمة الإنسانية المركبة والمترابطة الأبعاد.
إن انقطاع الطاقة الطويل والعشوائي لم يعد مجرد مسألة “ظلام دامس”، بل تحول إلى أداة لتعطيل المفاصل الحيوية للحياة؛ فهو يضرب الأمن المائي مباشرة بتعطيل آبار الشرب، ويقوض دعائم القطاع الصحي المنهك أصلاً، ويخلق بيئة حاضنة ومثالية لانتشار الحميات والأوبئة الفتاكة كحمى الضنك والملاريا.
تبرز هذه الأزمة عجز الآليات الإدارية الحالية وغياب الرؤية الإسعافية المرنة في التعامل مع تداعيات الحرب، حيث يعمّق التوزيع غير العادل والتذبذب غير المبرمج فجوة انعدام الثقة بين المواطن والجهات الخدمية، وينذر بانفجار غضب شعبي أوسع إذا استمرت سياسة “الخرمجة” والتجاهل.
نداءات ومناشدات عاجلة للجهات المختصة
تطلق “صحيفة العودة” عبر هذا التقرير نداءً إنسانياً وخدمياً عاجلاً إلى كافة الجهات المعنية للتدخل الفوري وإنقاذ الولاية من كارثة محققة: إلى وزارة الطاقة والنفط والشركة القومية للكهرباء:
يُطالب الشارع السناري بإرسال فرق هندسية متخصصة ومعدات إسعافية عاجلة لإصلاح محطتي سنار وسنجة، وتخصيص حصة إسعافية عادلة من “الميغاوات” للولاية، والالتزام بجدول برمجة شفاف ومعلن ينهي العشوائية ويحمي أجهزة المواطنين ومحطات المياه من التلف.
إلى حكومة ولاية سنار والشركاء المحليين: الإسراع بإعادة التحكم المحلي لتوزيع الكهرباء بشكل يضمن العدالة، وتوفير الوقود اللازم للمولدات الاحتياطية في محطات المياه الرئيسية والمستشفيات بشكل مستدام لضمان عدم انقطاع خدمات الغسيل الكلوي ومياه الشرب.
• إلى وزارة الصحة الاتحادية والمنظمات الإغاثية والدولية: التدخل العاجل لمكافحة نواقل الأمراض والبعوض في قوز بلعو، وود هاشم، ومايرنو، وتزويد المستشفيات بصورة طارئة بالأدوية الحساسة، والمحاليل الوريدية، وثلاجات تعمل بالطاقة الشمسية لحفظ مخزون الدم والعلاجات الضرورية قبل فوات الأوان.




