اقتصاد “الفول” السوداني

ملح الأرض
بقلم/ خالد ماسا
في سنوات كان يُدار فيها الاقتصاد السوداني عن طريق “الكوار” السلطوي، كانت الجهاز الاقتصادي في الدولة يقنع المواطنين السودانيين بأن “البلاوي” التي يمر بها الاقتصاد سببها الأول والأخير هو السلع “الكمالية” من حلوى الشوكولاتة والأجبان المستوردة وفواكه بيروت، وكان المواطن السوداني يحاول أن يبدو مقتنعًا بذلك، وأن إيقاف استيرادها سيعود بالصحة والسلامة على الجنيه السوداني و”يمحق” الدولار في عافيته، على الرغم من أن الواقع آنذاك كان يقول بأنه لم يكن يرى هذه الممنوعات إلا في القرار الحكومي، لأن غالب مكونات المائدة السودانية كانت تشمل “الضروريات”، وألف باء أن يبقى الإنسان على قيد الحياة في السودان.
وقتها كانت قرارات “الاستهبال” تلك لا تستر عورة الأداء الاقتصادي “الكحيان”، لتكون الحكومة مضطرة لأن تبل قراراتها وتشرب مويتها.
(*) قرارات “موية” الفول …
بتاريخ الثاني من أكتوبر الجاري أصدرت وزارة الزراعة والري قرارها رقم 42 لسنة 2026م، والقاضي بوقف إصدار شهادات عدم الممانعة لاستيراد الفول المصري من جميع دول العالم، وذلك تنفيذًا لقرار رئيس الوزراء رقم (74) الصادر في أبريل، ولأن توصيف “سلع كمالية” لا يليق أبدًا بالفول المصري، فإن السيد وزير الزراعة والري كان قد برر القرار الحكومي بالسعي لتنظيم عمليات الاستيراد وحماية المنتجين وتشجيع الإنتاج المحلي.
ولا تختلف المبررات أعلاه للقرار عن سابقاتها في الوصف بالسلع الكمالية، ولا تعدو إلا أن تكون مجرد مساحيق تجميل لقرار قبيح ويفتقد للسند الاقتصادي الذي يبرره، فقرارات مثل القرار 42، وبدلًا من أن يخرج مصحوبًا بالحديث المرسل والإنشائي للمواطن السوداني، كان يحتاج إلى الأرقام ليبدو “مبلوعًا” وقابلًا للاستيعاب حال تنفيذه.
كانت الوزارة محتاجة لأن تكتب لنا كيف ستنظم الاستيراد بقرارات المنع هذه، بأرقام الصادر والوارد من السلع وحجم وقيمة ما ينتجه المزارع السوداني من سلعة الفول المصري، في مقابل الوارد للسوق السوداني من ذات السلعة التي يشكل استيرادها تهديدًا يحتاج بموجبه المنتج المحلي لإجراءات حماية.
سوابق من شاكلة قرارات السلع “الكمالية”، واستخدام مقاس خزان محطات الوقود لنفي أزمة الوقود، تجعلنا نجزع من أي محاولة تفكير رسمية لمعالجة الأزمات الاقتصادية ونشكك في جدواها الاقتصادية، بل ونتوقع بأنها ستقع وبالًا على الشعب السوداني وتزيد من معاناتهم، خاصة وأنها الآن ترتبط بعزيز لدى المائدة السودانية وهو الفول المصري.
ما يؤكد ما ذهبنا إليه بأنيميا القرار وافتقاره للمنطق الاقتصادي المدعوم بالأرقام، هو أن الهيئة العامة للجمارك كانت قد رفعت قبل القرار بأيام مذكرة إلى مجلس الوزراء طالبت فيها بفك حظر الفول المصري والأرز، استنادًا على مؤشرات الندرة والفجوة الاستهلاكية والخسائر الكبيرة في الإيرادات الجمركية لاستيراد هذه السلعة.
المطالبة نفسها تعكس بوضوح إلى أي مدى كان قرار الحظر غير دقيق عند اتخاذه، وأن “الشديد القوي” وهو تناقص الإيرادات الجمركية اضطر الحكومة لأن تعود لابتلاع قرارها “كُراعها فوق رقبتها”، والمفارقة هنا أن الوزارات المعنية والتي أصدرت القرار وسبقتها عليه رئاسة الوزراء يبدو وأنها لم تقرأ سطرًا في مطالبة هيئة الجمارك ومبرراتها في التراجع عن الحظر، ولم تعطِ المؤشرات التي قاست بها هيئة الجمارك الأضرار التي لحقت بالاقتصاد السوداني جراء حظر الاستيراد، فكلاهما أراد أن يصدر قرارًا والسلام.
عندما كانت الحكومة تحظر استيراد السلع التي سمتها بالسلع الكمالية، لم تكن تلك السلع تختفي من السوق السوداني، وثلاجات العرض و”هايبر ماركت” ما لذ وطاب لمن استطاعوا إليها سبيلًا، ولكن القرار الآن يتعلق مباشرة باقتصاد المائدة السودانية، وبالتالي يجب علينا أن نتفقه في سؤال: ماذا يعني أن تتخذ الدولة قرارًا يتعلق بسلعة تمثل جزءًا من غذاء الطبقات الفقيرة والمتوسطة وغالب أهل البلد، في بلد يعيش واحدة من أعقد أزماته الغذائية والاقتصادية؟
“موية الفول” يمكننا أن نعتبرها واحدة من “عبقريات” الشعب السوداني وحيله التي تستحق أن تسجل في كتب الاقتصاد إلى جانب نظريات “آدم سميث” في مكافحة الفقر ونقص الغذاء، فهي البروتين الأكثر انخفاضًا للتكلفة وتشكل عماد مائدة محدودي الدخل وكل شرائح المجتمع.
تصدر الوزارات قراراتها بحسابات عرجاء وتقاس فقط بما توفره من عملات أجنبية، وليس بقياس آثارها على المواطن المسحوق.
لم تقرأ وزارة الزراعة والري ولا السيد رئيس الوزراء التقارير التي تصدرها وكالات الأمم المتحدة المتخصصة “الفاو / برنامج الغذاء العالمي / اليونيسيف”، والتي تتحدث عن إن نحو 19.5 مليون شخص يواجهون مستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي في 2026م، مع استمرار مخاطر المجاعة في مناطق عدة في السودان والتي تشهد نزاعًا مسلحًا، ليضعوا ذلك في الاعتبار عند إصدار القرارات 42 و74 بشمول الحظر سلعة كالفول المصري.
حملوا أقلامهم ووقعوا على القرارات قبل سؤال أنفسهم السؤال المنطقي عن ماذا لدينا في مقابل هذا القرار القاضي بالحظر؟
وذلك لأن القرارات المشار إليها كانت ستبدو منطقية اقتصاديًا حال قالت الحكومة بأن الإنتاج المحلي من سلعة الفول المصري كافٍ تمامًا لمقابلة الاستهلاك، وكان بالإمكان أن يكون القرار الصادر بحظره محددًا بزمن، وليس بهذا الإطلاق الذي لا نعرف إن كانت البلاد تمتلك مخزونًا استراتيجيًا كافيًا لفترة سريان قرار حظر الاستيراد، مع بيان قدرات الحكومة على سد الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.
هشاشة منطق القرار الحكومي القائل بحماية المنتج المحلي يهزمها منطق أن المستورد هو أيضًا مواطن يستحق الحماية، وبدلًا من تصويره على أساس أنه يمارس نشاطًا اقتصاديًا يضر بالاقتصاد الوطني، كان من الواجب مناقشة السياسات الاقتصادية بحيث يشكل منطق الحماية الكل .. المزارع والمستورد والاقتصاد السوداني.
مصيبتنا التي لم يستوعبها قرار حظر استيراد الفول المصري هي أن قرار الحظر بالضرورة لا يزرع فدانًا واحدًا للمزارع السوداني المراد حمايته بالقرار، ولا يوفر له سمادًا يساعده في زيادة الإنتاج الذي يقابل حجم الاستهلاك، وحظر الاستيراد لا يوفر الوقود لمضخات الري، ولا يساعد في عمليات نقل الفول المصري المنتج محليًا من المزارع إلى السوق ومناطق الاستهلاك.
وزارة زراعة وري لا تستطيع أن تشرح لنا في قراراتها بالأرقام كم يبلغ إنتاج السودان من الفول المصري، وكم هو حجم الاستهلاك، وحجم المساحات المزروعة بالمحصول، ومتوسط إنتاجية الفدان من الفول المصري، والتكاليف المدفوعة بالنقد الأجنبي لاستيراده، وحصيلة الضرائب والجمارك من ذلك وعائداتها على الخزانة العامة، لن نكون مطمئنين لنتائج ما يصدر عنها من قرارات، وما لم تكن هذه الأرقام كإجابات لهذه الأسئلة على الطاولة، فكيف يمكننا تقييم قرار بحجم حظر سلعة غذائية أساسية كالفول المصري، خاصة وأن تقارير السوق السوداني مايو الماضي أشارت بالفعل إلى ارتفاع أسعار عدد من السلع، من بينها البقوليات والفول المصري، مع تراجع توافر العديد من السلع في الأسواق.
القرار من حيث التوقيت أيضًا معيب جدًا، فسودان اليوم هو سودان الحرب واختلال الميزان التجاري والتضخم وانهيار الجنيه في مقابل الدولار وتراجع الإنتاج بشكل كبير، وتشير تقارير FAO إن إنتاج الحبوب في 2025م في السودان كان دون المتوسط بسبب نقص المدخلات، وإن إنتاج 2026م يواجه مخاطر بسبب الجفاف وشح الأمطار وانعدام الأمن ونقص المدخلات، فبأي منطق اختارت وزارة الزراعة والري توقيت إصدار قرار حظر الاستيراد، وهل هذا هو التوقيت المناسب لإغلاق نافذة الاستيراد قبل التأكد من أن الحقل السوداني قادر على فتح نافذة أخرى؟ إذ ليست المشكلة في مبدأ تشجيع الإنتاج المحلي الذي ذكرته الوزارة كتبرير لقرارها، بل المشكلة في أن الدولة تبدو وكأنها تريد الوصول إلى نهاية الطريق بالقفز فوق الطريق نفسه.
القرار أيضًا يفتقر لإعمال آليات المراجعة والتقييم، فالتقاطع في رغبات المؤسسات الحكومية “وزارة الزراعة والري / هيئة الجمارك” بين حظر الاستيراد ورفعه يكشف إلى أي مدى أن القرار الحكومي لا يمر بسلسلة تقييم دقيقة، ولا توجد نقطة مركزية للقرار.
المزارع السوداني يحتاج فعلًا لإجراءات توفر له الحماية، ولكن بالضرورة ليست في منع استيراد الفول المصري، وإنما بتوفير التمويل الجيد للموسم الزراعي بكل مطلوباته.
ضيق الأفق في القرار يتمثل في الاعتقاد بأن عافية الاقتصاد السوداني محصورة في خيارين: إما الاستيراد أو الحظر، بينما هنالك خيار ثالث هو إدارة الاستيراد وفق الفجوة الموجودة من السلعة.
واحدة من أكبر ثغرات الاقتصاد السوداني التي لم تقم مؤسسات الدولة بإجراءات تمنع تأثيراتها السالبة على الاقتصاد هي ثغرة التهريب، وهو الناتج الطبيعي لأي قرار حظر ومنع استيراد، ومن المتوقع أن يتزايد الطلب على السلعة المحظور استيرادها وتزداد الفجوة في السوق، الشيء الذي يشجع التهريب، فحينما تغلق الدولة باب الاستيراد بينما تترك باب الطلب مفتوحًا، فإن السوق سيبحث عن باب ثالث.. وغالبًا سيكون باب التهريب، فقد تبدو المسألة في مكاتب الحكومة مجرد قرار استيراد، لكنها في الشارع ولدى المواطن السوداني تتحول إلى سؤال بسيط جدًا عن كم أصبح سعر صحن الفول الآن بعد صدور القرار؟
فإذا كان الهدف هو أن يأكل السوداني من إنتاج أرضه، فهذا هدف في العموم لا خلاف عليه، ولكن الطريق إليه لا يبدأ بمنع الصحن الذي يأكله المواطن اليوم، وإنما يبدأ بتوفير الحقل الذي سينتج غذاءه غدًا.



