“حرب منسية”: السودان يواجه خطر التهميش في خضم صراع عالمي

تقرير – عماد النظيف

في خضم صراع عالمي محموم، حيث تتصاعد وتيرة التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وتتوالى أخبار الموت والدمار، يطل علينا واقع مؤلم آخر. فبينما يتركز العالم على بؤرة التوتر تلك، تتجاهل الأنظار، أو تكاد، حرباً طاحنة أخرى، تدور رحاها في السودان. هناك، بين الجيش السوداني والدعم السريع، تشتعل المعارك، وتتفاقم المعاناة الإنسانية، وسط صمت عالمي متزايد. فهل ستظل مأساة السودان، التي تتلاشى تدريجياً من الوعي الدولي، حبيسة النسيان؟ 

هذا السؤال يفرض نفسه بقوة، في ظل التنافس المحتدم على الاهتمام العالمي، والتحديات المتزايدة التي تواجه الدبلوماسية الدولية. فبينما يتركز العالم على قضايا الشرق الأوسط، يواجه السودان خطر التهميش، وهو خطر يهدد بتمزيق النسيج الاجتماعي، ويهدد حياة الملايين.

ثلاثة اطروحات 

يشترك معظم الفاعلون في المشهد السوداني على رؤية موحدة لحل الأزمة الراهنة، تقوم على ثلاثة محاور أساسية: وقف العدائيات (هدنة إنسانية ثم وقف إطلاق نار شامل)، إيصال المساعدات الإنسانية، وأخيراً إطلاق عملية سياسية شاملة مملوكة للسودانيين.

وفي سياق متصل، قدمت “الرباعية الدولية” (الولايات المتحدة، مصر، السعودية، والإمارات) مبادرة لحل الأزمة السودانية، بهدف وقف نزيف الدم، ولاقت هذه المبادرة ترحيباً واسعاً من القوى السياسية والمدنية السودانية. دعت الرباعية في بيانها الصادر في 11 سبتمبر الماضي إلى هدنة لمدة ثلاثة أشهر بين الأطراف المتنازعة، لتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية العاجلة للمتضررين من المدنيين، على أن تتبعها عملية انتقال سياسي سلمي للسلطة تستغرق تسعة أشهر، تؤدي إلى تشكيل حكومة مدنية شرعية تحظى بثقة الشعب السوداني.

في المقابل، ترفض الحكومة السودانية الحالية مبادرة الرباعية، حيث قدم رئيس الوزراء، كامل إدريس، في مجلس الأمن في نهاية ديسمبر الماضي، خارطة طريق حكومية لإحلال السلام. تتضمن هذه الخارطة وقف إطلاق نار شامل، تحت إشراف الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية، يليه انسحاب قوات الدعم السريع من المدن التي تسيطر عليها إلى معسكرات يتم التوافق عليها تحت إشراف أممي وعربي وأفريقي.

على النقيض،يقدم تحالف التأسيس، الذي يضم في صفوفه قوات الدعم السريع، الحركة الشعبية- شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، والجبهة الثورية، بالإضافة إلى تيارات منشقة من حزبي الأمة القومي والاتحادي الديمقراطي، إلى جانب شخصيات سياسية وقبلية، ميثاق السودان التأسيسي والدستور الانتقالي لعام 2025. وقد تم إقرار هذين الوثيقتين والتوقيع عليهما في شهري فبراير ومارس الماضيين، حيث يجسّدان رؤية شاملة لبناء سودان علماني ديمقراطي فدرالي، يؤسس على مبادئ العدالة والمساواة، ويعزز الوحدة الطوعية بين مكوناته.

مصباح أحمد.

تراجع الاهتمام 

بالتوازي مع ذلك، أكد القيادي في التحالف المدني لقوى الثورة صمود ورئيس دائرة الإعلام في حزب الأمة القومي، مصباح أحمد، أن المبادرات الإقليمية والدولية التي تم إطلاقها خلال السنوات الثلاث الماضية لم تصل إلى المستوى المطلوب لمواجهة الأزمة، مضيفاً أن التفاعل الدولي والضغوط الممارسة على أطراف الصراع لم تكن كافية.

وحذر أحمد، من تراجع الاهتمام الدولي بالحرب في السودان، واصفًا إياها بأنها “من أخطر الأزمات الإنسانية في التاريخ الحديث”. وأشار أحمد إلى أن هذا التراجع يأتي على الرغم من حجم الدمار والنزوح واللجوء، فضلًا عن الانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها المدنيون.

التصعيد الإقليمي 

وأعرب أحمد عن قلقه من أن التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران قد يدفع ملف السودان إلى “هامش الاهتمام الدولي” مرة أخرى، في وقت تتفاقم فيه الكلفة البشرية والمادية للحرب، وتزداد معاناة الشعب السوداني.

دعوة إلى التحرك الفوري

وناشد أحمد المجتمع الدولي بعدم نسيان مأساة السودان، مؤكدًا على ضرورة أن يظل إنهاء الحرب أولوية أخلاقية وسياسية، انطلاقًا من مسؤولياته تجاه حماية المدنيين ودعم السلم والأمن الدوليين.

أكد أحمد في تصريح لـ(العودة )،أن المسؤولية الأساسية تقع على عاتق طرفي النزاع لوقف القتال فورًا والانخراط في مسار سياسي جاد يفضي إلى حل سلمي شامل ينهي معاناة السودانيين. وأوضح أن على القوى السياسية والمدنية أن تتجاوز خلافاتها وتوحد صفوفها حول مشروع وطني شامل يؤسس لدولة سودانية موحدة، قادرة على إنهاء دوامات الحروب وتحقيق السلام العادل والشامل، وإرساء حكم مدني ديمقراطي حقيقي يلبي تطلعات الشعب السوداني في الحرية والاستقرار والتنمية.

تطورات الحرب

في ذات السياق حذر القيادي بالتيار الوطني، نور الدين صلاح الدين، من أن التصعيد المتزايد بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة قد يؤثر على ترتيب الأولويات الدولية، مما قد يؤدي إلى تراجع نسبي في الاهتمام الإعلامي والسياسي بالحرب الدائرة في السودان.

صلاح الدين.

وفي تصريح لـ(العودة )، أكد صلاح الدين أن بقاء القضية السودانية حاضرة على الساحة الدولية لا يعتمد فقط على حجم الأزمات الأخرى، بل يعتمد بشكل كبير على قدرة القوى السياسية السودانية على التحرك بفاعلية.

وكشف صلاح الدين عن خطط التيار الوطني للعمل على الحفاظ على حضور القضية السودانية، مشيراً إلى سلسلة من المبادرات العملية التي سيتم تنفيذها.

“سنعمل على تكثيف التواصل المنظم مع المنظمات الإقليمية والدولية لربط استقرار السودان بأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي”، أوضح صلاح الدين، مضيفاً أن الهدف هو “طرح الملف باعتباره جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي، وليس مجرد أزمة داخلية”.

وأضاف القيادي أن التيار الوطني سيعمل أيضاً على بناء تنسيق أوسع بين القوى المدنية لتوحيد الرؤى وتقديم موقف موحد للمجتمع الدولي، مما يسهل عملية المخاطبة بلغة واضحة ومتسقة.

وأشار صلاح الدين إلى أهمية الاستثمار في المسار الإعلامي الدولي، من خلال تقديم إحاطات وتحليلات منتظمة للصحافة ومراكز الدراسات لشرح تطورات الحرب وتداعياتها الإقليمية.

وختم صلاح الدين بالإشارة إلى عزم التيار الوطني على تقديم مبادرات سياسية قابلة للنقاش، تُظهر للمجتمع الدولي بدائل عملية تهدف إلى إنهاء الأزمة السودانية، بدلاً من الاكتفاء بوصف الوضع الراهن. وأكد أن المسألة ليست مجرد تنافس بين الأزمات، بل هي تتعلق بالقدرة على إدارة الملف بكفاءة سياسية ودبلوماسية، تضمن عدم تحول السودان إلى قضية هامشية في ظل تصاعد الأزمات الأخرى.

الدكتور محمد تورشين.

توسع دائرة النزاع

بالمقابل يؤكد الخبير في الشؤون الأفريقية، الدكتور محمد تورشين لـ (العودة )، أن تصاعد المواجهات في الشرق الأوسط، وخصوصاً بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، بالإضافة إلى توسع دائرة النزاع بانضمام عدد من الدول الخليجية، له تأثير مباشر على مجريات الحرب في السودان وكذلك على الصراعات الأخرى في القارة الأفريقية. ويعزى ذلك إلى الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط، التي تُعتبر محوراً بالغ الأهمية للتجارة الدولية وموطناً لاحتياطات ضخمة من الغاز والنفط. هذا الوضع ينعكس سلباً على الاهتمام الدولي بحرب السودان، خاصة مع تراجع الانتباه إلى الملف السوداني في أعقاب اندلاع النزاع في غزة.

ويرى تورشين أن الملف السوداني سيُهمل بشكل كبير، مما سيؤدي إلى عدم الحصول على الاهتمام اللازم. وهذا الإهمال سينعكس سلبًا على الأوضاع الإنسانية، حيث ستزداد أعداد النازحين واللاجئين، ولن تتوفر لهم الاحتياجات الأساسية الضرورية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى