السودان في مرمى العاصفة..

حتى لا يتحول الصراع الإقليمي إلى مادة تعبئة داخلية..

كيف تتقاطع الحرب الإيرانية– الأمريكية– الإسرائيلية مع حرب الداخل ومآلات الدولة

سبعة مسارات لثلاث سيناريوهات متوقعة

تقرير تحليلي/علم الدين عمر

بينما تتقاطع نيران الصواريخ مع خرائط المصالح علي صفيح ساخن في المشهظ الدولي والإقليمي..يجد السودان نفسه واقفاً على حافة عاصفة مزدوجة..بين حربه الداخلية التي لم تنطفئ بعد..وتصاعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.. بما في ذلك إستهداف القواعد الأمريكية في الخليج العربي عبر أذرع إقليمية لطهران..
غير أن الصورة ليست قاتمة بالكامل..فرغم هشاشة المشهد وتعقيداته..لا يمكن إغفال أن الدولة السودانية — بمؤسساتها العسكرية والدبلوماسية والإدارية — تمتلك رصيداً تراكمياً من الخبرة في إدارة التوازنات الإقليمية تشكل عبر عقود من التعامل مع محاور متباينة ومصالح متقاطعة..هذا الرصيد إذا ما أُحسن توظيفه يمنح الخرطوم فرصة حقيقية لإدارة توازن مهني ومسؤول.. يحمي سيادتها ويصون مصالحها.. ويقف في الوقت ذاته إلى جانب الدول الشقيقة والصديقة في الخليج العربي ضمن أطر الشرعية الدولية والإحترام المتبادل..
لقد أثبتت التجارب السابقة أن السودان حين يتصرف كمؤسسة دولة —وليس كساحة صراع داخلي — يستطيع أن يضبط إيقاع علاقاته الخارجية بحس (براغماتي) محسوب.. يراعي عمقه العربي والأقليمي و(الأممي) دون الإرتهان لمحاور أو التفريط في جوهر إستقلال قراره الوطني..إن دعم إستقرار الخليج العربي ليس فقط إلتزاماً أخلاقياً وسياسياً.. بل هو أيضاً مصلحة سودانية مباشرة بحكم الترابط الإقتصادي والبشري العميق..غير أن هذا الدعم لا يعني الإنجرار إلى صراعات مفتوحة..بل الإنحياز للإستقرار..وحرية الملاحة.. وإحترام سيادة الدول..

السؤال لم يعد هل سيتأثر السودان؟ بل.. كيف، وبأي كلفة، وبأي مآلات سياسية وإقتصادية وأجتماعية؟ والأهم.. هل يستطيع أن يحول هذا التوتر لفرصة لإعادة تعريف موقعه الإقليمي كدولة توازن..وليس دولة محور؟..

أولاً: الجغرافيا السياسية..البحر الأحمر يعود إلى مركز اللعبة..

يشكل البحر الأحمر أحد أهم شرايين التجارة العالمية.. إذ تمر عبره نسبة معتبرة من تجارة الطاقة والبضائع بين آسيا وأوروبا..ومع تصاعد التوتر الإيراني–الأمريكي–الإسرائيلي، تحول هذا الممر إلى مسرح رسائل نارية.. تهديدات للملاحة.. إستهداف للسفن.. وتصعيد غير مباشر عبر وكلاء إقليميين..
السودان.. المطل على هذا الشريان بواحد من أكبر شواطئ الملاحة البحرية في العالم لا يقف على الهامش..فميناء بورتسودان هو الرئة الإقتصاديةالوحيدة تقريباً للدولة في ظل الحرب..أي اضطراب في حركة الملاحة أو إرتفاع في تكاليف التأمين والشحن ينعكس فوراً على أسعار السلع الأساسية..الوقود.. والقمح.. ومع كل صاروخ يسقط على قاعدة أمريكية في الخليج..ترتفع أقساط المخاطر في البحر الأحمر..ويدفع الإقتصاد السوداني الثمن مضاعفاً..مرة بسبب الحرب الداخلية..وأخري بسبب صراع لا يملك أدوات التأثير فيه..

ثانياً: إرث العلاقة مع طهران… هل يعود “الشبح القديم”؟!!

عرفت الخرطوم علاقات وثيقة مع طهران في تسعينيات القرن الماضي.. شملت تعاوناً عسكرياً وأمنياً محدوداً ومتقدماً و(متقلباً)..إذ إنقلب المشهد بعد 2016 بإتجاه المحور الخليجي..قبل أن تعود الإتصالات مع إيران في السنوات الأخيرة ضمن حسابات عسكرية مرتبطة بالحرب الجارية..
هذا الإرث يجعل السودان في نظر بعض الفاعلين الإقليميين ساحة محتملة لتصفية الحسابات أو توسيع نطاق الرسائل المتبادلة.. فإذا أتسع نطاق المواجهة قد تتكثف الضغوط على الخرطوم لتحديد موقعها بوضوح..هل تميل لمحور؟ أم تحاول الإمساك بالعصا من الوسط؟ غير أن دولة مشغولة بحرب داخلية.. ومؤسساتها في طور التعافي.. تحتاج إلى حنكة عالية حتى لا تتحول إلى نقطة تماس.

ثالثاً: الإقتصاد… هشاشة مضاعفة تتلقي الصدمات!!..

الحرب الإيرانية–الأمريكية–الإسرائيلية..إذا تطورت إلى إستهداف أوسع للقواعد الأمريكية في الخليج أو تعطيل أكبر لتدفقات النفط.. ستقود إلى:
إرتفاع أسعار الطاقة عالمياً.. السودان مستورد صافٍ للوقود..أي زيادة في الأسعار تعني تضخماً فورياً..وتآكلاً في القدرة الشرائية لملايين المواطنين..
تراجع التحويلات: مئات الآلاف من السودانيين يعملون في الخليج..أي إضطراب أمني واسع قد يؤثر على أسواق العمل أو يحد من التحويلات..وهي شريان حياة لأسر سودانية كثيرة خلال الأزمة السودانية..
تقلص الدعم الإنساني: المجتمع الدولي قد يعيد توجيه موارده وأهتمامه إلى بؤر الصراع الأكثر إشتعالاً..ما يهدد فجوة تمويل أكبر لخطط الإغاثة في السودان..
إرتفاع كلفة التأمين والنقل: ما ينعكس على أسعار الغذاء والدواء..
في ظل تضخم مرتفع وأنكماش إقتصادي عميق بسبب الحرب الداخلية.. تمثل هذه الصدمات طبقة إضافية من الهشاشة.. الإقتصاد السوداني لا يملك أحتياطيات نقدية أو شبكة أمان مالية تمتص صدمات خارجية بهذا الحجم..

رابعاً: السياسة.. الإستقطاب الداخلي والإقليمي!!..

المشهد السياسي السوداني يعيش إنقساماً حاداً منذ تمرد مليشيا الدعم السريع ومع تصاعد التوتر الإقليمي تتعمق الإستقطابات:
تيارات ترى ضرورة الإصطفاف مع محور عربي–أمريكي–إسرائيلي بدعوى حماية المصالح الإقتصادية..
أخرى تميل إلى خطاب مناهض للغرب.. تستثمر في روايات “المقاومة” ورفض الهيمنة..
قوى مدنية تحاول تجنيب السودان الإنجرار إلى محاور معينة وتتقاطع برامجها مع الأمر لكنها تفتقر إلى أدوات ضغط حقيقية..
الخطر الأكبر أن يتحول الصراع الإقليمي إلى مادة تعبئة داخلية.. تزيد من انقسام الشارع وتعيد إنتاج خطاب التخوين..في مجتمع مثقل بالنزوح والفقر والإنقسام أي شرارة أيديولوجية جديدة قد تشعل مساحات هشة جديدة..

خامساً: البعد الأمني… البحر الأحمر ساحة محتملة!..

مع أستهداف القواعد الأمريكية في الخليج.. تزداد إحتمالات توسيع رقعة الرسائل العسكرية لتشمل ممرات بحرية أو نقاط إرتكاز لوجستية..السودان بموقعه على البحر الأحمر قد يصبح جزءاً من معادلة الردع والردع المضاد
لا يعني ذلك بالضرورة إنخراطاً مباشراً..لكن مجرد الإشتباه بوجود تسهيلات أو تحركات عسكرية في محيطه قد يجلب ضغوطاً دولية أو تهديدات مبطنة..وفي دولة تعاني أصلاً من إنتشار السلاح وتعدد مراكز القوة..يصبح ضبط المجال البحري والأمني تحدياً مضاعفاً..

سادساً: المجتمع… تعب الحرب وقلق المجهول..!!

المجتمع السوداني يعيش منذ إندلاع الحرب عقب تمرد المليشيا حالة إنهاك نفسي وأقتصادي.. أي تصعيد إقليمي كبير يضيف طبقة من القلق وسؤال: هل تمتد الحرب؟ هل تتضاعف الأسعار؟ هل تتقلص فرص العمل بالخارج؟
في المقابل.. ثمة وعي شعبي متزايد بخطورة الإرتهان للمحاور الخارجية.. تجربة السنوات الماضية أظهرت أن الإصطفاف الحاد لم يجلب إستقراراً دائماً.. بل وضع السودان في مرمى تقلبات الآخرين..

سابعاً: السيناريوهات المتوقعة!!..

سيناريو الإحتواء المحدود:
تستمر الضربات المتبادلة دون إنزلاق إلى حرب شاملة.. يتأثر السودان إقتصادياً بشكل متوسط..مع ضغوط على الأسعار والتحويلات..دون تغير جذري في المشهد السياسي..

سيناريو التصعيد الإقليمي الواسع:

إتساع نطاق الإستهداف ليشمل بنى تحتية للطاقة أو الملاحة..هنا ترتفع كلفة التأمين والنفط بشكل كبير.. ويتعرض السودان لصدمة إقتصادية حادة.. وقد تتكثف الضغوط السياسية عليه لتحديد موقفه..

سيناريو التهدئة المشروطة:

تدخل وساطات دولية تخفف التوتر..مع فرصة للسودان لإعادة تموضعه دبلوماسياً كدولة توازن تحمي مصالحها دون إنخراط مباشر..

أخيراً: بين نارين.. أولوية الداخل!!..

الحقيقة أن السودان لا يحتمل ترف المغامرة بمحاور خارجية.. لكنه في المقابل.. ليس بلا أدوات..إن إمتلاك السودان لمؤسسات ذات خبرة وعلاقات عميقة مع الخليج.. وموقع إستراتيجي مؤثر يمنحه فرصة ليكون جزءاً من معادلة الإستقرار وليس ساحة للفوضى…
التصعيد الإيراني–الأمريكي–الإسرائيلي قد لا يكون حرب السودان..لكنه قادر على إعادة تشكيل بيئته الإستراتجيية والإقتصادية..وكلما عززت الدولة من مهنيتها ووحدة قرارها..إزدادت قدرتها على التوازن.. والوقوف مع أشقائها.. دون أن تخسر جوهر إستقلالها الوطني..
بين نار الداخل ونار الإقليم.. يبقى الأمل معقوداً على دولة تعرف وزنها تدير هذا الوزن بمعادلة وطنية واضحة ومباشرة ومتفاعلة دون إفراط ولا تفريط..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى