نستورد فشلنا

هوامش السيادة / بقلم/ ابوذر عوض الكريم احمد

□ كيف لبلدٍ حباه الله أرضاً زراعية واسعة، وموارد طبيعية تؤهله لأن يكون سلة غذاءالعالم !؟ ، أن يظل يستورد أبسط احتياجاته الغذائية، بينما يقف المزارع على أرضه عاجزاً عن زراعتها؟ أي مفارقة اقتصادية هذه التي تجعل الأرض متاحة، والرغبة في الإنتاج قائمة، والحاجة إلى الغذاء ملحّة، ثم تتعطل المعادلة عند الماء والسماد والتقاوي والتمويل؟ لسنا أمام مشكلة محصول فحسب، بل أمام خلل في ترتيب الأولويات يستحق أن تُوضع أمامه علامات استفهام بحجم الأزمة.

□ العروة الشتوية لا تنتظر اجتماعات المسؤولين ولا تحتمل رفاهية المكاتبات الطويلة. فالمزارع الذي يستعد لزراعة القمح والفول المصري وغيرهما يحتاج إلى الماء في موعده، وإلى تقاوي محسنة، وأسمدة بأسعار معقولة، وتمويل يمكّنه من دخول الموسم. أما أن يُترك ليواجه هذه المتطلبات منفرداً، فيما تتصاعد كلفة الإنتاج إلى مستويات يعجز عنها، فذلك يعني أن نطالبه بنتيجة لم نوفر أسبابها. والمزارع الذي يعجز عن زراعة فدان واحد لا يمكن أن نطالبه بزراعة مشروع كامل، ثم نلومه إذا تراجع الإنتاج.

□ وفي مشروع الجزيرة، تتضاعف الأسئلة .
فالمشكلة التي يتحدث عنها المزارعون ليست مجرد نقص عابر في المياه، وإنما وصولها إلى الحقول عبر شبكة الري الفرعية. قد تكون المياه متوافرة في القنوات الرئيسية، لكن ما قيمة ذلك إذا لم تصل إلى الترع الفرعية التي تنتظرها الأرض؟ الماء الذي لا يبلغ الحقل لا ينبت قمحاً، ولا ينقذ محصولاً، ولا يسد فجوة غذائية. ومن هنا، فإن الحديث عن استعدادات الموسم لا يكفي ما لم تصاحبه إفادات ميدانية واضحة عن تطهير الترع، وتأهيل القنوات، ومواعيد وصول المياه إلى الأقسام والتفاتيش المتضررة.

□ وحين تتعطل مياه الري في الترع الفرعية، لا تقف الخسارة عند حدود الحقول العطشى، بل تمتد حتى تصل إلى مائدة المواطن وسعر الرغيف الذي يشتريه من قوت يومه. فالقمح الذي لا يُزرع في أرضنا سنضطر إلى استيراده، وما ندفعه لاستيراده يستنزف موارد البلاد، ثم يتحمل المواطن تبعات الكلفة في الأسواق والمخابز. هكذا تبدأ الحكاية من ترعة لم تصلها المياه، وتنتهي برغيف تثقل كلفته جيب المواطن؛ وبين البداية والنهاية تقف مسؤولية إدارة الري، وتوفير مدخلات الإنتاج، والسياسات التي يفترض أن تحمي المزارع من الخسارة والمستهلك من الغلاء. فهل يُعقل أن نترك الماء بعيداً عن الحقل، ثم نبحث عن القمح بعيداً عن البلاد، ونطلب من المواطن أن يتحمل فاتورة هذا الإخفاق مرتين؟ إن كل فدان تتعطل زراعته بسبب غياب المياه هو فرصة مهدرة لإنتاج القمح، وكل فرصة إنتاج نهدرها قد تتحول إلى عبء إضافي على الرغيف. ومن هنا، فإن إصلاح الري ليس شأناً فنياً يخص القنوات والترع وحدها، بل قضية تمس الأمن الغذائي ومعيشة الناس، وتستحق أن تكون في مقدمة أولويات الدولة.

□ إدارة مشروع الجزيرة مطالبة بأن تخرج من دائرة التبرير إلى دائرة المسؤولية. فهذا مشروع استراتيجي لا يحتمل إدارة تنتظر تفاقم المشكلات لتتعامل معها، ولا يجوز أن تُترك فيه قضايا الري ومدخلات الإنتاج إلى اجتهادات المزارعين وقدراتهم المحدودة. وإذا عجزت الإدارة عن أداء واجباتها الأساسية، أو ثبت تقصيرها في متابعة الموسم ومعالجة الاختناقات، فإن تغييرها وإقالة المسؤولين عن الفشل يصبحان مطلباً مشروعاً، لا انتقاماً من أشخاص، بل حمايةً لمؤسسة تتعلق بها معيشة المزارعين والأمن الغذائي للبلاد. المنصب العام ليس امتيازاً يُصان مهما كانت النتائج؛ إنه مسؤولية تُقاس بما يتحقق على الأرض. وإذا كانت الإدارة قد أخفقت في أداء واجباتها، فليس من المقبول أن يدفع المزارع ثمن إخفاقها من موسمه ومعيشته، ثم يُطلب منه الانتظار حتى إشعار آخر.

□ ثم نصل إلى الأسمدة والتقاوي المحسنة، وهنا تتجلى مفارقة أخرى. لماذا لا تُعامل مدخلات الزراعة باعتبارها أولوية استراتيجية؟ ولماذا لا تُراجع الرسوم والضرائب المفروضة عليها، وتُتخذ تدابير عاجلة لتوفيرها بأسعار تناسب قدرة المزارع؟ إن إعفاء المواد الغذائية المستوردة من الضرائب خطوة يمكن أن تخفف الضغط على المستهلك، لكن إعفاء الأسمدة والتقاوي والوقود ومدخلات الإنتاج الزراعي من الرسوم والضرائب، وتيسير استيرادها وتوفيرها، يمثل دعماً مباشراً للمزارع، لأنه يخفض كلفة زراعة الفدان ويمنحه فرصة أوسع للإنتاج. فبدلاً من أن ننتظر وصول الغذاء من الخارج ثم نحاول تخفيف سعره بإعفاءات الاستيراد، لماذا لا نبدأ من الحقل، ونعفي مستلزمات الإنتاج التي يحتاجها المزارع حتى ينتج القمح وغيره من المحاصيل بكلفة أقل؟ إن دعم المزارع في بداية الموسم قد يكون أكثر جدوى من معالجة ارتفاع الأسعار بعد وصول المحصول إلى السوق؛ فكلما انخفضت كلفة الإنتاج، تحسنت فرص زيادة المعروض المحلي، وتراجعت الضغوط التي تثقل كاهل المستهلك. والفرق واضح بين سياسة تكتفي بتسهيل استيراد الغذاء، وسياسة تجعل إنتاجه محلياً أولوية تستحق الإعفاء والتيسير والدعم.

□ لا يستقيم أن نُسهل دخول السلعة المستوردة إلى السوق، ثم نُبقي المزارع المحلي أسير أسعار الأسمدة والتقاوي والوقود، ونطالبه بمنافسة منتج جاء من اقتصاد استطاع أن يوفر له شروط الإنتاج. ولا يستقيم أن نبحث عن خفض الأسعار بعد ارتفاعها، بينما نغفل عن الكلفة التي سبقت وصول المحصول إلى السوق. المطلوب ليس مجرد إعفاءات موسمية متفرقة، بل سياسة زراعية واضحة تجعل مدخلات الإنتاج أولوية في الاستيراد والتمويل والضرائب، وتربط القرارات الاقتصادية بخطة فعلية لزيادة الإنتاج المحلي.

□ الزراعة ثم الزراعة؛ فهذه ليست عبارة للاستهلاك السياسي، بل طريق واقعي للنهضة الاقتصادية واستعادة القدرة على إطعام الناس. المزارع يحتاج إلى مياه تصل إلى حقله في موعدها، وسماد متاح بسعر معقول، وبذور محسنة ومضمونة، ووقود يكفي عمليات الري والحصاد، وآليات تعمل، وتمويل ميسر، وإعفاءات حقيقية من الضرائب والرسوم على مدخلات الإنتاج. يحتاج إلى دولة تفتح له الطريق، لا إلى منظومة تثقل كاهله بالتكاليف ثم تسأله لماذا ارتفعت أسعار محصوله. لا يمكن أن نطالب المزارع بإطعام البلاد، ثم نتركه وحيداً أمام كلفة الإنتاج، كأن المطلوب منه أن يزرع بالنيات ويحصد بالأمنيات.

□ وفي السادس والعشرين من أكتوبر، صدر قرار رئيس الوزراء كامل إدريس بإعفاء عدد من السلع الغذائية الأساسية من الرسوم الجمركية والضرائب، بما فيها ضريبة القيمة المضافة، وشملت القائمة الدقيق والعدس والأرز والفول المصري وزيوت الطعام والفاصوليا والحمص والبسلة. القرار في اتجاه تخفيف أعباء المعيشة، لكن صدوره لا يعني تلقائياً أن أثره وصل إلى المستهلك. فالمواطن لا يشتري نسخة من القرار، وإنما يشتري الدقيق والعدس والزيت من السوق، بالسعر الذي يُفرض عليه. وما بين القرار والرفوف تقف مسؤولية التنفيذ والرقابة، وهما الامتحان الحقيقي لأي إعلان حكومي عن تخفيف الأعباء. ولا تكتمل هذه الخطوة ما لم تمتد سياسة الإعفاءات إلى مدخلات الإنتاج الزراعي، حتى يستفيد المزارع من خفض الكلفة، ويستفيد المواطن من زيادة الإنتاج وتخفيف أعباء الغذاء.

□ قطعتان من الرغيف بألف جنيه! هكذا صار المواطن يحسب حساب اللقمة، بينما يفترض أن تكون وفرة الغذاء أبسط حقوقه في بلد يملك هذه الإمكانات الزراعية. وإعفاء الدقيق من الضرائب، إن كان الهدف منه تخفيف أعباء المعيشة، ينبغي أن يظهر أثره في السوق، لا أن يبقى خبراً في البيانات الرسمية. فأين يذهب أثر هذه القرارات؟ ومن يراقب انتقال السلعة من المطاحن إلى المخابز ثم إلى الأسواق؟ إن المواطن لا تعنيه الإعفاءات على الورق بقدر ما يعنيه أثرها في سعر الرغيف الذي يشتريه من ماله المحدود. ومن حقه أن يعرف كيف تُترجم القرارات إلى أسعار، ومن واجب الجهات المختصة أن تتابع ذلك بوضوح وحزم.

□ هل صدرت القرارات لمصلحة المواطن أم لمصلحة التجار الجشعين؟ سؤال يفرض نفسه أمام استمرار الغلاء رغم الإعلان عن الإعفاءات، ولا تكفي الإجابة عنه بعبارات عامة عن النقل والتوزيع وتقلبات السوق. المطلوب كشف واضح لكلفة السلعة من المصدر إلى المستهلك، وتحديد نصيب كل حلقة من حلقات التوزيع، والتحقق من انعكاس الإعفاء على الأسعار. وإذا كان الفارق مبرراً، فلتُعلن تفاصيله؛ وإذا كان وراءه استغلال أو تلاعب، فلتُتخذ الإجراءات اللازمة. فالإعفاء الذي لا يشعر به المواطن في سعر السلعة يصبح قراراً ناقص الأثر، والرقابة التي لا تكشف أين ذهب أثره لا تؤدي الغرض الذي أُنشئت من أجله.

□ إن هناك أيادي قذرة تتعمد تعطيل القرارات وإفراغها من مضمونها، وتترك المواطن أسيراً للغلاء رغم ما يُعلن من إجراءات لتخفيف أعبائه. تصدر الدولة قراراً لمصلحة الناس، ثم يجد طريقه إلى التنفيذ محاصراً بالتعطيل والتراخي والمصالح التي لا تريد لهذه القرارات أن تبلغ غاياتها. فمن يعطل قراراً يستهدف تخفيف معاناة المواطنين، إنما يطعن في هيبة الدولة قبل أن يطعن في حق المواطن؛ والسكوت عن هذا العبث لا يقل خطورة عن ممارسته. لا نريد بيانات جديدة، بل متابعة ميدانية تكشف أين تتعطل القرارات، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في تعطيلها أو الالتفاف عليها. هيبة الدولة لا تُصان بمجرد إصدار القرار، بل بفرض احترامه وضمان وصول أثره إلى الناس.

□ هنا تكمن مسؤولية الجهات التنفيذية والرقابية. هل اكتملت الإجراءات الجمركية والمالية؟ وهل وصلت التعليمات إلى منافذ الاستيراد والأسواق؟ وهل توجد متابعة تقارن كلفة السلعة قبل الإعفاء وبعده؟ وإذا لم يلمس المواطن أثراً واضحاً، فمن حقه أن يسأل، ومن واجب الحكومة أن تجيب بالأرقام لا بالتصريحات. أما أن يتحول إعفاء السلع إلى خبر سار في البيانات، بينما يظل السعر عبئاً ثقيلاً في السوق، فهذه فجوة لا تبررها كثرة الاجتماعات ولا تنهيها التصريحات.

□ القضية في جوهرها تتجاوز سعر سلعة أو أزمة ترعة. إنها تتعلق بمفهوم النهضة الزراعية نفسه. فالنهضة لا تتحقق بإعلان المساحات المستهدفة وحده، ولا بترديد أرقام الإنتاج المرتقب، وإنما بتوفير الماء في الحقل، والتقاوي في موعدها، والسماد بسعر يمكن احتماله، والتمويل قبل فوات الموسم، والوقود الذي يحرك الآليات، والإدارة القادرة على المتابعة والمحاسبة. وما لم تتكامل هذه العناصر، ستظل الخطط أكبر من الإمكانات المتاحة للمزارع، وستظل البلاد تدفع ثمن الفجوة بين ما تستطيع إنتاجه وما تضطر إلى استيراده.

ولهوامش السيادة كلمة

□ إن السودان لا تنقصه الأرض التي يمكن أن تنتج الغذاء، بقدر ما يحتاج إلى إدارة تحسن توظيف الأرض والماء والموارد، وإلى سياسات تجعل المزارع شريكاً في بناء الاقتصاد لا الحلقة الأضعف فيه. وكل فدان يتعطل بسبب غياب مياه الري أو ارتفاع أسعار المدخلات هو فرصة إنتاج مهدرة، وكل محصول كان بالإمكان زراعته ثم اضطررنا إلى استيراده يمثل عبئاً إضافياً على موارد البلاد من النقد الأجنبي.

□ المطلوب الآن إجراءات عاجلة ومحددة: إيصال مياه الري إلى الترع الفرعية في مشروع الجزيرة، وتوفير الأسمدة والتقاوي المحسنة والوقود بأسعار ميسرة، ومراجعة الضرائب والرسوم على مدخلات الإنتاج، ومحاسبة كل جهة يثبت تقصيرها في واجباتها، ومتابعة أثر الإعفاءات الغذائية على أسعار الأسواق. وإذا ثبت أن إدارة مشروع الجزيرة عاجزة عن أداء واجباتها، فلتُقال، وليُفسح المجال لمن يستطيع حماية الموسم الزراعي. لا نريد موسماً جديداً من الوعود، ولا بيانات تطمئن المسؤولين فيما يظل المزارع قلقاً على أرضه ومحصوله.

□ البلاد التي تريد أن تطعم مواطنيها من إنتاجها، عليها أولاً أن تُمكّن المزارع من الزراعة. أما أن تجف الترع الفرعية، وتغلو الأسمدة، وتتراجع فرص الحصول على التقاوي والوقود، ثم نفتح أبواب الاستيراد بحثاً عن الغذاء، فذلك خلل في الأولويات لا يجوز أن يصبح أمراً معتاداً. والأمر نفسه ينطبق على الرغيف: لا قيمة لإعفاء معلن إذا ظل المواطن يدفع الثمن كاملاً، ولا معنى لقرار يستهدف تخفيف أعبائه إذا لم يجد طريقه إلى السوق. الأرض لا تعجز وحدها عن الإطعام؛ أحياناً تعجز السياسات عن منحها فرصة الإنتاج، وتعجز الرقابة عن حماية المواطن من دفع ثمن هذا العجز مرتين: مرة في الحقل، ومرة عند شراء الرغيف.

□ وتحية تقدير للأستاذ ياسر عبدالحميد عثمان، الذي لفت انتباهي إلى معاناة المزارع ومشكلاته، ودفع باتجاه تسليط الضوء على هذه القضية المهمة. له الشكر على اهتمامه بقضايا المزارعين وحرصه على إيصال صوتهم إلى الرأي العام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى