هل العيب فينا أم في كامل إدريس
قراءة في تركيبة المواطن السوداني وأزمة الحكم: لماذا تتغير الحكومات ويبقى الفشل مقيماً في وطن غني أنهكته السياسة

بقلم/ محمد فؤاد عيد
ثمة سؤال ظل يطاردني كلما تأملت حال السودان وأحوال أهله وكلما نظرت إلى تلك المسافة الشاسعة بين ما نملكه من موارد وإمكانات وما نعيشه من فقر ومعاناة وتشرد وحروب، هل العيب فينا نحن السودانيين أم في الذين يتولون أمرنا أم أن المشكلة أكبر من الحاكم والمحكوم وأعمق من تلك الأسماء التي تتعاقب على كراسي السلطة بينما يبقى الوطن جالساً في غرفة الانتظار ينتظر الخلاص الذي لا يأتي.
ولعل ما يدفعني إلى طرح هذا السؤال اليوم هو تجربة الدكتور كامل إدريس رئيس الوزراء الذي جاء إلى السلطة محمولاً على رصيد أكاديمي ودولي وقدم حكومته للسودانيين تحت اسم يحمل من التفاؤل أكثر مما يحتمل الواقع فسماها حكومة الأمل.
لكن الأمل كما نعرف ليس اسماً يوضع على أبواب الوزارات ولا شعاراً تتزين به البيانات الرسمية وإنما فعل يراه المواطن في حياته اليومية في سعر رغيف الخبز وفي فاتورة الدواء وفي استقرار الكهرباء وفي قيمة الجنيه السوداني وفي قدرة الأسرة على توفير احتياجاتها دون أن تمد يدها إلى الآخرين.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً ماذا تغير في حياة المواطن منذ أن تولى كامل إدريس رئاسة الوزراء
وأين ذهبت تلك الآمال التي علقها البعض على رجل قادم من المؤسسات الدولية يحمل خبرة في الإدارة والقانون والعلاقات الخارجية
وهل أخطأنا حين تصورنا أن الشهادات العليا والخبرة الدولية تكفيان وحدهما لإدارة بلد بحجم أزمات السودان.
*قراءة في تركيبة المواطن السوداني بين مسؤولية الحكم ومأزق البنية*
لا توجد إجابة بسيطة تقول العيب فينا أو العيب في كامل إدريس وحده، فالمشهد متداخل الطبقات وكل طرف له حصته من المسؤولية ضمن حدود إمكانياته والقيود المفروضة عليه.
*حدود سلطة كامل إدريس*
جاءت حكومته في مايو 2025 وسط حرب مفتوحة ولم تصل إلى السلطة بقرار شعبي كامل بل في إطار ترتيبات سياسية تظل فيها القوة العسكرية تمتلك القرار النهائي في الملفات الأمنية والمالية الكبرى.
من وجهة النقاد فشلت الحكومة في تحقيق التطلعات الشعبية فالعملة استمرت في الانهيار والخدمات لم تعد والفساد لم يكبح بالسرعة التي وعد بها ويرى هؤلاء أنها لم تملك رؤية واضحة لكسر حلقة التدهور المعيشي وأحياناً اكتفت بالتصريحات الدبلوماسية دون إجراءات ميدانية حاسمة.
من وجهة مناصريها إنها لم تكن تمتلك السيطرة على مصادر القوة الحقيقية فالجيش والدعم السريع يتحكمان في أكبر حصص الموارد والحرب نفسها تغلق كل أبواب الإصلاح الاقتصادي فكانت الحكومة عاجزة عن تنفيذ معظم برنامجها،
باختصار إدريس يتحمل مسؤولية الخيارات التي اتخذها لكنه ليس صاحب الكلمة الأخيرة في الدولة السودانية اليوم.
*المواطن السوداني بين الطيبة السياسية والصبر الذي تحول إلى عبء*
ليس من الإنصاف أن نحاكم شعباً بأكمله ونختصر شخصيته في صفات محددة فالسودانيون ليسوا كتلة واحدة وإنما مجتمع متعدد الأعراق والثقافات والانتماءات والتجارب
لكن ثمة سمات في سلوكنا السياسي والاجتماعي تستحق التوقف عندها
فنحن شعب يمتلك قدرة استثنائية على التحمل وربما تجاوزت هذه القدرة حدود الفضيلة حتى أصبحت في بعض الأحيان عبئاً علينا
نصبر على انقطاع الكهرباء ونصبر على انهيار الخدمات ونصبر على ارتفاع الأسعار ونصبر على تأخر الرواتب ونصبر على الحروب ثم نعود لنبحث عن مبررات جديدة لمن يحكموننا.
والصبر هنا ليس عيباً في ذاته وإنما تتحول الفضيلة إلى مشكلة حين يصبح الصبر بديلاً عن المطالبة بالحقوق وحين تتعامل السلطة مع قدرة المواطن على الاحتمال باعتبارها تفويضاً مفتوحاً للاستمرار في الإخفاق
والأخطر أننا كثيراً ما نخلط بين حب الوطن وحب الحكومة وبين الوقوف مع مؤسسات الدولة والصمت عن أخطاء المسؤولين
فمن ينتقد وزيراً قد يجد نفسه متهماً بمعاداة الدولة ومن يطالب بمحاسبة مسؤول قد يتهم بأنه يخدم أجندة سياسية وكأن الوطنية أصبحت شهادة تمنحها السلطة لمن يصفقون لها وتسحبها ممن يسألونها عن نتائج أعمالها
وهذه واحدة من أخطر المشكلات التي أصابت الوعي السياسي السوداني.
فالوطن ليس الحكومة والحكومة ليست الجيش والجيش ليس الحزب والحزب ليس الشعب
والدولة أكبر من جميع هؤلاء لأنها ملك للأجيال التي مضت وللأجيال التي لم تولد بعد.
*ما يقع على عاتق المواطن وما لا يقع عليه*
لا يمكن تحميل المواطن العادي مسؤولية اندلاع الحرب أو انهيار المؤسسات فهو الضحية الأولى لما حدث
ولكن هناك طبقة من المسؤولية الجماعية لا تعني اللوم على الناس بل تعني ثغرات في النسيج الوطني العام
ضعف آليات الرقم الشعبي المستمر على السلطة وتفكك القوى المدنية وتناحرها في فترات سابقة
صعوبة بناء توافق وطني واسع حول مشروع دولة مدنية واحدة ووقوع بعض الفئات ضمن تحالفات مؤقتة مع القوى العسكرية في مراحل مختلفة.
هذه ليست تهمة لكل مواطن بل هي ثغرات في العمل الجماعي لا تلغي أن السلطة بمكوناتها العسكرية والمدنية تظل تحمل الجزء الأكبر من المسؤولية
*كامل إدريس هل أخطأ الرجل أم أخطأنا نحن في تقدير قدراته*
عندما تولى الدكتور كامل إدريس رئاسة الوزراء في مايو 2025 كان السودان يعيش واحدة من أكثر المراحل قسوة في تاريخه الحديث.
حرب مدمرة ومؤسسات منهكة واقتصاد يتراجع وملايين المواطنين بين نازح ولاجئ وبنية تحتية تعرضت لدمار واسع
ومن الظلم السياسي أن نحمل الرجل وحده مسؤولية هذا الخراب فقد ورث دولة مثقلة بأزمات تراكمت على مدى عقود ثم جاءت الحرب لتضاعف حجم الكارثة.
ما هو أعمق من الشخص والحكومة
الأزمة ليست وليدة عام أو عامين فهي تراكم عقود من التهميش الإقليمي وسيطرة النخبة على الموارد وإضعاف المؤسسات المدنية بالإضافة إلى تدخلات القوى الخارجية التي تؤثر على مسار الصراع
أي حكومة جديدة حتى لو كانت ذات نوايا طيبة ستجد نفسها محاصرة بهذه التركة الثقيلة لكن الإنصاف لا يعني الإعفاء من المحاسبة
فمن يقبل المسؤولية العامة في هذه الظروف يعلم مسبقاً حجم التحديات التي تنتظره ويدرك أن الشعب لا يحتاج إلى مسؤول يشرح له أزماته وإنما إلى قيادة تمتلك القدرة على إدارتها وتخفيف آثارها
لقد قدم كامل إدريس نفسه من خلال حكومة الأمل وأعلن أن معاش المواطن والخدمات الأساسية وإعادة الإعمار تأتي ضمن أولوياته
غير أن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل سوداني اليوم هو أين النتائج القابلة للقياس؟
لا يكفي أن نقول إن الحكومة وضعت خطة أو عقدت مؤتمراً أو شكلت لجنة أو ناقشت مشروعاً.
فالمواطن لا يتناول الخطط في وجبة الإفطار ولا يدفع رسوم المدارس بتوصيات المؤتمرات ولا يعالج طفله ببيانات مجلس الوزراء.
وإذا كانت الحكومة قد أقرت خطتها لعام 2026 في مارس ثم عادت في أكتوبر لمناقشة مشروعات التعافي والإعمار والتقشف فإن ذلك يضع أمامها سؤالاً مهماً حول ما تحقق فعلياً بين التاريخين.
ليس المطلوب أن تنتهي الحرب بقرار من رئيس الوزراء ولا أن يعود الاقتصاد إلى عافيته بين ليلة وضحاها
المطلوب أن تتحدث الحكومة بلغة الأرقام وأن تقول للمواطن ماذا أنجزت وماذا أخفقت في إنجازه ولماذا ومن المسؤول عن ذلك
فالمسؤولية السياسية لا تقاس بحسن النوايا وإنما بالقدرة على تحويل النوايا إلى نتائج.
*أزمة السودان ليست أزمة شهادات جامعية*
أخشى أننا وقعنا مراراً في خطأ الاعتقاد بأن الرجل الذي يحمل أعلى الشهادات هو بالضرورة الأقدر على إدارة الدولة
فالسودان لم يكن يوماً فقيراً في الكفاءات العلمية أو العقول المتميزة، لدينا أطباء ومهندسون واقتصاديون وقانونيون وأكاديميون يعملون في أرقى المؤسسات الدولية ولدينا خبرات سودانية ساهمت في بناء مؤسسات خارج حدود الوطن.
لكن السؤال المؤلم لماذا تنجح هذه العقول حين تعمل داخل أنظمة مؤسسية مستقرة بينما تتعثر تجارب الحكم داخل السودان
الإجابة في تقديري لا تتعلق بالكفاءة الفردية وحدها وإنما بطبيعة النظام الذي تعمل داخله هذه الكفاءة
فالدولة لا تدار بشهادة جامعية مهما علت قيمتها وإنما بمؤسسات فاعلة وسلطات واضحة وقوانين نافذة وإدارة تخضع للمحاسبة
ولذلك لا بد من سؤال آخر لا يقل أهمية عن تقييم كامل إدريس نفسه
هل يمتلك رئيس الوزراء السلطة الفعلية التي تمكنه من تنفيذ برنامجه
وهل يستطيع اختيار فريقه بحرية كاملة ومحاسبة الوزراء وإقالة المقصرين دون حسابات سياسية أو عسكرية أو محاصصات مفروضة
فإذا كانت صلاحياته محدودة فمن حق المواطن أن يعرف حدودها
أما إذا كانت الصلاحيات متاحة فإن مسؤولية الإخفاق تصبح أشد وضوحاً
ولا يجوز أن تتحول عبارة الظروف لا تسمح إلى مظلة دائمة تحتمي تحتها الحكومات
المواطن السوداني هل نمارس النقد أم نجيد الشكوى فقط
ربما يكون هذا الجزء هو الأصعب في هذه القراءة لأننا اعتدنا توجيه أصابع الاتهام إلى الحكام بينما نتحفظ كثيراً عندما يأتي الدور على أنفسنا
نحن ننتقد الفساد لكن بعضنا لا يتردد في البحث عن واسطة لإنجاز معاملته
نطالب بسيادة القانون لكن بعضنا يريد أن يستثنى منه إذا تعارض مع مصلحته
نرفض المحسوبية ثم نبحث عن قريب أو صديق يتولى منصباً عاماً ليسهل لنا الوصول إلى الخدمات
نطالب بالديمقراطية لكننا أحياناً لا نتحمل الرأي المخالف داخل مجالسنا وبيوتنا ومنابرنا السياسية
نتحدث عن وحدة السودان ثم ننزلق إلى تصنيفات قبلية وجهوية وحزبية تجعل الانتماء الضيق يتقدم على الانتماء الوطني
وهنا أطرح السؤال المؤلم:
هل نريد دولة مؤسسات بالفعل أم نريد مؤسسات تخدم مصالحنا حين نقترب من السلطة
وهل نبحث عن حاكم عادل للجميع أم عن حاكم ينحاز إلينا ويمنحنا ما حرمنا منه الآخرون.
بالطبع لا يصح تعميم هذه السلوكيات على جميع السودانيين ولا يمكن مساواة المواطن المحاصر بالفقر والحرب بأصحاب النفوذ والقرار
لكن الاعتراف بوجود هذه الاختلالات في ثقافتنا السياسية ضرورة لا تقل أهمية عن نقد الحكومات.
فالدولة العادلة لا يصنعها الحاكم وحده وإنما يحميها أيضاً مجتمع يرفض الاستثناءات ويقدم المصلحة العامة على المصالح الضيقة
عندما تصبح السياسة السودانية صناعة للآمال المحبطة
من يتأمل تاريخ الحكم في السودان يلاحظ أن معظم التحولات السياسية الكبرى جاءت مصحوبة بوعود واسعة
كل مرحلة قدمت نفسها باعتبارها بداية الخلاص
وكل سلطة تحدثت عن الإصلاح ومحاربة الفساد وتحقيق العدالة وإنقاذ الاقتصاد، لكن ما الذي حدث في النهاية؟
تبدلت الأسماء وتغيرت الشعارات وبقيت الأزمات الأساسية حاضرة بدرجات متفاوتة.
وحتى عندما أتيحت فرص حقيقية للإصلاح ضاعت أجزاء كبيرة منها في الصراعات السياسية والعسكرية وفي التنافس على السلطة وفي ضعف المؤسسات وغياب الاستمرارية
هكذا أصبح المواطن السوداني ينتقل من انتظار المخلص إلى خيبة الأمل فيه ثم يبدأ البحث عن مخلص جديد
والأزمة هنا ليست في كامل إدريس وحده بل في تلك الثقافة التي تربط مصير الوطن بشخص واحد
ننتظر من رئيس الوزراء أن ينقذ الاقتصاد ومن القائد العسكري أن يصنع الاستقرار ومن الزعيم السياسي أن يوحد المجتمع
ثم ننسى أن الدولة لا تبنى على أكتاف الأفراد مهما بلغت قدراتهم
الدول الناجحة لا تحتاج إلى قائد خارق بقدر حاجتها إلى مؤسسات تمنع المسؤول العادي من الإضرار بمصالح الناس وتجبر المسؤول الكفء على تقديم أفضل ما لديه
*حكومة الأمل هل بقي من الاسم شيء*
حين ننظر إلى الواقع المعيشي نجد أن التحديات ما زالت هائلة، الجنيه السوداني يعاني من تدهور قيمته والقدرة الشرائية للمواطن تعرضت لضربات قاسية وقطاعات الإنتاج الزراعي والصناعي تواجه صعوبات عميقة بينما يعيش الملايين آثار النزوح وفقدان مصادر الدخل.
وفي تقرير بريطاني صدر في سبتمبر 2026 وردت تقديرات تشير إلى أن نحو 33.7 مليون شخص في السودان يحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال العام وأن الاقتصاد لا يزال يعاني من معدلات مرتفعة من التضخم والبطالة
هذه الأرقام لا يمكن تحميلها جميعاً لحكومة إدريس لأن الحرب سبقت تعيينه ولأن التدهور الاقتصادي أقدم من ذلك بكثير
لكنها تمثل المقياس الحقيقي لحجم المهمة التي قبلتها حكومته
وحين يعود المواطن إلى الخرطوم ليجد منزله مدمراً وشبكات الكهرباء والمياه بحاجة إلى إصلاح وفرص العمل محدودة فإنه لا يريد أن يسمع حديثاً إنشائياً عن مستقبل مشرق بقدر ما يريد جدولاً واضحاً لإعادة الخدمات
ومع ذلك ينبغي الاعتراف بأن خطوات إعادة مؤسسات الحكم إلى الخرطوم وإقرار خطط الإعمار ومحاولة استئناف العمل الإداري تمثل تحركات لا يجوز تجاهلها، لكن ثمة فرقاً كبيراً بين استئناف النشاط الحكومي واستعادة كفاءة الدولة، والفرق بين الاثنين هو ما يجب أن تخضع له حكومة الأمل في أي تقييم منصف.
*هل أصبح المسؤول السوداني يخشى الاعتراف بالفشل*
من أبرز مشكلات الإدارة السياسية في السودان أن المسؤول نادراً ما يقدم اعترافاً واضحاً بالتقصير، فالنجاح ينسب إلى القيادة أما الفشل فتتوزع مسؤوليته بين الظروف والمؤامرات والحرب والحصار ونقص الإمكانات، ولا شك أن بعض هذه الأسباب حقيقي وأن الحرب فرضت واقعاً استثنائياً
لكن المسؤول الذي يعترف بحدود قدرته ويحاول تصحيح المسار أكثر احتراماً من مسؤول يواصل تقديم الوعود دون مراجعة.
لماذا لا يخرج رئيس الوزراء بتقرير دوري يوضح فيه حالة الاقتصاد والخدمات والإنفاق العام؟
لماذا لا تنشر الحكومة مؤشرات واضحة عن الكهرباء والمياه والصحة والتعليم ورواتب العاملين؟
ولماذا لا يخضع الوزراء لتقييم معلن وفق أهداف محددة؟
إن الشعب الذي تحمل كل هذه الكوارث يستحق أن يعرف الحقيقة حتى لو كانت مؤلمة.
فالمصارحة ليست اعترافاً بالهزيمة وإنما بداية للإصلاح.
*بين الجيش والحكومة من يتحمل مسؤولية القرار*
لا يمكن مناقشة أداء حكومة كامل إدريس بمعزل عن طبيعة السلطة القائمة في السودان، فالبلاد تعيش ظروف حرب وتتداخل فيها الاعتبارات العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية
ومثل هذا الواقع يفرض قيوداً حقيقية على الإدارة المدنية ويجعل تحديد المسؤوليات مسألة بالغة الأهمية
لكن استمرار هذا التداخل دون شفافية يخلق مشكلة خطيرة
فالمواطن لا يعرف دائماً من يملك القرار النهائي في بعض الملفات ولا من ينبغي أن يحاسبه عند الإخفاق
وهنا لا بد من إعادة الاعتبار لفكرة المسؤولية المؤسسية
فالجيش له مهامه المرتبطة بالدفاع عن الدولة وحماية سيادتها والحكومة التنفيذية عليها مسؤولية إدارة شؤون المواطنين والاقتصاد والخدمات وفق إطار دستوري واضح، ولا ينبغي أن يصبح دعم القوات المسلحة في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها البلاد مبرراً لتعطيل النقد المشروع للحكومة
كما لا يجوز أن يتحول النقد الحكومي إلى تشكيك تلقائي في وطنية صاحبه
فالسودان يحتاج إلى جيش يحمي الدولة وحكومة تديرها بكفاءة ومؤسسات رقابية تحاسب الجميع.
*من يتحمل المسؤولية الأكبر الحاكم أم المواطن؟*
أميل إلى الاعتقاد بأن المسؤولية مشتركة لكنها ليست متساوية
فالحاكم يمتلك السلطة والموارد وأدوات القرار ولذلك تكون مسؤوليته أكبر بكثير من مسؤولية المواطن العادي، ولا يجوز أن نطلب من مواطن فقد منزله ومصدر رزقه ويكافح لإطعام أطفاله أن يتحمل نتائج سياسات لم يشارك في صنعها.
لكن المواطن حين تتاح له فرصة الاختيار والمشاركة والرقابة يتحمل بدوره مسؤولية رفض التعصب والفساد والمحسوبية وألا يمنح ولاءه السياسي على أساس القبيلة أو الجهة أو الشعارات العاطفية وحدها.
وهنا تتضح المفارقة
نحن بحاجة إلى إصلاح الحاكم وإصلاح علاقتنا بالحكم في الوقت نفسه
نحتاج إلى مسؤول يفهم أن المنصب تكليف مؤقت وليس امتيازاً دائماً.
ونحتاج إلى مجتمع لا ينتظر الهبات من السلطة وإنما يطالب بحقوقه في إطار القانون.
نحتاج إلى أن نكف عن تقديس الأشخاص وأن نتوقف عن تحويل النقد إلى خصومة شخصية،
فكامل إدريس ليس السودان كما أن من سبقه لم يكونوا السودان ومن سيأتي بعده لن يكون السودان
السودان باقٍ أما الحكومات فمراحل عابرة في تاريخه.
*ما الذي ينبغي أن يفعله كامل إدريس الآن*
لا أعتقد أن السودان يحتاج إلى المزيد من الشعارات، لقد استهلكنا من المفردات السياسية ما يكفي لتزيين كتب التاريخ لكننا ما زلنا نفتقر إلى كثير من أبسط مقومات الحياة الكريمة
ما يحتاجه السودان اليوم هو برنامج إنقاذ واقعي يبدأ بالاعتراف بحجم الأزمة ثم تحديد أولويات قابلة للتنفيذ والمحاسبة.
وفي مقدمة تلك الأولويات إنقاذ ما تبقى من الاقتصاد المنتج ودعم الزراعة والصناعة وإصلاح منظومة الإيرادات ومكافحة الفساد والتهريب وتخفيف الأعباء عن المواطن وتحسين الخدمات الأساسية في المناطق الآمنة ووضع خطة عملية لإعادة الإعمار.
ولا بد كذلك من الاستفادة من الكفاءات السودانية في الداخل والخارج بعيداً عن الولاءات والمحاصصات.
أما على المستوى السياسي فإن المطلوب توضيح العلاقة بين مؤسسات الحكم وتحديد المسؤوليات والصلاحيات حتى لا تضيع المحاسبة بين أكثر من جهة.
ويجب أن ترتبط كل خطة بمواعيد ومؤشرات أداء معلنة لأن السودان لم يعد يحتمل سياسات مفتوحة بلا نتائج واضحة.
وإذا اكتشف رئيس الوزراء أن الصلاحيات أو الموارد المتاحة لا تمكنه من تنفيذ برنامجه فإن واجبه أن يصارح الشعب بذلك.
فالاعتراف بالعجز عن تنفيذ وعد أفضل من الإصرار على خطاب يوحي بأن الأمور تسير على أفضل وجه بينما يعاني المواطن في حياته اليومية
وأخيراً هل العيب فينا
ربما لا تكمن مأساة السودان في أننا شعب عاجز عن بناء دولة ناجحة وإنما في أننا لم ننجح بعد في بناء منظومة حكم تجعل النجاح ممكناً ومستداماً وتجعل الفشل مكلفاً لمن يتسبب فيه.
لدينا الموارد ولدينا العقول ولدينا تاريخ طويل من النضال والتضحيات، لكننا نفتقر إلى التوافق على قواعد وطنية ثابتة تحمي الدولة من تقلبات السياسة وأطماع السلطة وصراعات السلاح.
ولعل أخطر ما أصابنا أننا اعتدنا البحث عن الأشخاص قبل البحث عن البرامج وعن الولاءات قبل الكفاءات وعن الانتصار السياسي قبل المصلحة الوطنية
أما كامل إدريس فإن تجربته ينبغي أن تخضع لتقييم موضوعي لا يقوم على مكانته العلمية ولا على سيرته الدولية ولا على حسن نواياه وإنما على ما استطاع تحقيقه في حدود الصلاحيات والموارد التي امتلكها
وليس من العدل تحميله أوزار عقود من الإخفاق لكن ليس من العدل أيضاً إعفاؤه من مسؤولية المرحلة التي قبل أن يقود حكومتها.
إن المشكلة ليست في أن السودانيين لا يستحقون حكومة أفضل وإنما في أن الدولة السودانية لم تنجح حتى الآن في إقامة نظام يضمن للمواطن حكومة أفضل ويجبرها على الرحيل أو التصحيح حين تفشل
وهنا أصل إلى السؤال الذي بدأت به هذه القراءة:
*هل العيب فينا أم في كامل إدريس؟
أعتقد أن العيب الأكبر في تلك العلاقة المختلة بين الحاكم والمحكوم حين ينتظر المواطن المعجزة ويقدم المسؤول الوعد ثم تمر السنوات دون أن يسأل أحد عن الحساب
وإذا كان كامل إدريس قد سمى حكومته حكومة الأمل فإن الوقت قد حان لكي يتحول الأمل من اسم إلى إنجاز ومن خطاب إلى سياسة ومن وعد إلى واقع يلمسه المواطن
فالسوداني الذي صبر على الحرب والجوع والنزوح وفقدان الأحبة لا يحتاج إلى من يعلمه الصبر من جديد
إنه يحتاج إلى دولة تحترم صبره وحكومة تستحق ثقته وقيادة تدرك أن كرامة المواطن ليست منحة من السلطة وإنما أساس وجودها
فالأوطان لا تنهض بكثرة الذين يتحدثون باسمها وإنما بكفاءة الذين يعملون من أجلها
والسودان لن ينهض يوم نعثر على الرجل الذي لا يخطئ وإنما يوم نبني الدولة التي لا تسمح لأخطاء الرجال بأن تدمر مستقبل شعب كامل.
العيب ليس كله في المواطن ولا كله في كامل إدريس وحده،
إدريس يتحمل مسؤولية أدائه وقراراته لكنه يعمل ضمن قيود بنية سلطة لا يسيطر عليها بالكامل
والنسيج الوطني فيه ثغرات جماعية بينما المسؤولية الأكبر تقع على النخبة الحاكمة بمختلف مكوناتها وعلى التركة التاريخية للدولة السودانية التي لم تنجح حتى الآن في إقامة توافق عادل وشامل.
//////////////



