السودان وإثيوبيا من طرد الدبلوماسيين إلى حروب الوكالة

هل تخسر الخرطوم جارتها الشرقية أم تكشف أديس أبابا أوراقها في حرب السودان

من الفشقة وسد النهضة إلى معسكرات بني شنقول هل أصبح استمرار الحرب السودانية مصلحة إثيوبية

بقلم/ محمد فؤاد عيد

لم تكن الإجراءات الدبلوماسية الأخيرة بين السودان وإثيوبيا وما صاحبها من طرد متبادل للدبلوماسيين وإغلاق للقنصليات الحدودية مجرد خلاف عابر بين دولتين جارتين اعتادتا التوتر السياسي وإنما تعكس تحولا مقلقا في طبيعة العلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا في وقت يواجه فيه السودان واحدة من أخطر الأزمات في تاريخه الحديث
فالأزمة لم تعد محصورة في الخلافات التقليدية حول الفشقة وسد النهضة بل امتدت إلى اتهامات تتعلق باستخدام الأراضي الإثيوبية في عمليات عسكرية مرتبطة بالحرب السودانية الأمر الذي يفتح الباب أمام احتمالات أكثر خطورة قد تجعل من القرن الأفريقي ساحة جديدة لحروب الوكالة وتصفية الحسابات الإقليمية
ولعل السؤال الذي يستحق التوقف عنده ليس من بدأ بطرد دبلوماسيي الآخر وإنما من المستفيد من وصول العلاقات إلى هذه المرحلة وهل أصبح استمرار الحرب السودانية جزءا من حسابات المصالح الإثيوبية أم أن أديس أبابا تخاطر بأمنها واستقرارها وهي تراهن على إضعاف جارتها الغربية.
*من الخلاف الدبلوماسي إلى الاتهامات بالتدخل العسكري*
في الرابع من نوفمبر 2026 نقلت وكالات الأنباء أن السلطات الإثيوبية أمهلت ستة دبلوماسيين سودانيين يعملون بالقنصلية السودانية في مدينة أصوصا 48 ساعة لمغادرة أراضيها وأمرت بإغلاق القنصلية قبل أن ترد الخرطوم بإجراءات مماثلة شملت القنصلية الإثيوبية في القضارف
وجاء التصعيد في أعقاب شكاوى سودانية إلى مجلس الأمن الدولي ومجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي اتهمت فيها الخرطوم إثيوبيا بالسماح باستخدام أراضيها لتنفيذ هجمات بطائرات مسيرة استهدفت منشآت مدنية وبنى تحتية سودانية
وفي المقابل تتهم أديس أبابا السودان بدعم جماعات مسلحة إثيوبية وهي اتهامات تنفيها الخرطوم فيما ترفض إثيوبيا اتهامات مساندة قوات الدعم السريع
وهنا تكمن خطورة المشهد إذ لم يعد الخلاف مجرد أزمة دبلوماسية يمكن احتواؤها ببيانات الاحتجاج وإنما أصبح مرتبطا بأمن الحدود واحتمالات انتقال الحرب من داخل السودان إلى مواجهة إقليمية أوسع
معسكرات بني شنقول.
*هل خرج الدور الإثيوبي من دائرة الشكوك*
لوقت طويل ظلت طبيعة الموقف الإثيوبي من الحرب السودانية موضع تساؤل خاصة في ظل العلاقات المتنامية بين أديس أبابا وأبوظبي والاتهامات المتكررة للإمارات بدعم قوات الدعم السريع
غير أن تحقيقا نشرته وكالة رويترز في العاشر من فبراير 2026 أضاف أبعادا جديدة إلى هذه التساؤلات بعدما أورد معلومات استنادا إلى مصادر أمنية ودبلوماسية وصور أقمار صناعية عن وجود معسكر داخل إقليم بني شنقول قمز الإثيوبي يستخدم لتدريب مقاتلين لصالح قوات الدعم السريع.
وأشار التحقيق إلى معلومات عن تمويل إماراتي للمعسكر وتقديم دعم تدريبي ولوجستي وهي اتهامات نفت الإمارات صلتها بها ولم تتمكن رويترز من التحقق بصورة مستقلة من جميع تفاصيل الدور الإماراتي.
وإذا كان التحقيق يثير أسئلة جدية بشأن ما يجري على الحدود السودانية الإثيوبية فإن الاتهامات السودانية الأخيرة باستخدام الأراضي الإثيوبية لإطلاق طائرات مسيرة تضع العلاقات بين البلدين أمام اختبار أكثر خطورة
ولا ينبغي هنا الخلط بين ما تكشفه التحقيقات الصحفية وما يثبت المسؤولية الرسمية المباشرة للحكومة الإثيوبية عن عمليات عسكرية محددة لكن خطورة المعلومات المنشورة تستدعي تحقيقا مستقلا بدلا من الاكتفاء بالنفي المتبادل
فالسودان يحتاج إلى أدلة موثقة تعزز موقفه أمام المؤسسات الدولية وهو ما سعى آلية واثبتة بالدليل القاطع ولة الحق فى حماية حدوده من أي تهديد عسكري محتمل.
*ماذا يريد آبي أحمد من السودان*
يصعب فهم الموقف الإثيوبي بعيدا عن ثلاثة ملفات ظلت حاضرة في حسابات العلاقات بين البلدين وهي الفشقة وسد النهضة والعلاقات الإثيوبية الإماراتية
ففي قضية الفشقة ليس سرا أن انشغال السودان بحرب داخلية طويلة يضعف قدرته على إدارة حدوده وحماية مصالحه الزراعية والاستراتيجية وقد يمنح إثيوبيا مساحة أوسع للمناورة السياسية والتفاوضية
أما سد النهضة فقد ظل ملفا بالغ الحساسية في العلاقات بين إثيوبيا والسودان ومصر ومن الطبيعي أن يؤدي ضعف الدولة السودانية إلى تراجع قدرتها على التأثير في الترتيبات المتعلقة بأمن المياه وتشغيل السد وإدارة مخاطره
ويبقى الملف الإماراتي الأكثر إثارة للتساؤلات في ظل الشراكة السياسية والاقتصادية المتنامية بين أديس أبابا وأبوظبي وما يثار من اتهامات بشأن الدور الإماراتي في الحرب السودانية خاصة بعد ان قدمت حكومة السودان الدلائل التى تثبت ضلوع الجانب الإثيوبي فى حربة المشتعلة الان
نعم من المؤكد وجود استراتيجية إثيوبية إماراتية مشتركة لإطالة الحرب السودانية فهنالك أدلة قاطعة و دلائل عديدة لا تدعو للشك توصلت إليها حكومة السودان كما اسلفت.
فهل تنظر بعض دوائر القرار في أديس أبابا إلى السودان المنهك باعتباره فرصة لتحسين موقع إثيوبيا الإقليمي وهل ترى أن استمرار انشغال الخرطوم بحربها الداخلية يمنحها قدرة أكبر على فرض شروطها في ملفات الحدود والمياه
هذه أسئلة لا تجيب عنها البيانات الدبلوماسية وحدها وإنما تحتاج إلى قراءة أعمق لحسابات المصالح والنفوذ في المنطقة
ومع ذلك فإن الاستفادة المرحلية من ضعف السودان لا تعني بالضرورة أن إثيوبيا ستكون الرابح الاستراتيجي من استمرار الحرب
فالدولة التي تعتقد أن ضعف جيرانها يمنحها الأمن قد تكتشف أن الفوضى لا تعترف بالحدود وأن الجماعات المسلحة التي تتحرك اليوم خارج أراضيها قد تصبح غدا تهديدا مباشرا لاستقرارها.
*السودان بين خطر الدعم السريع وفتح جبهة شرقية*
إذا صحت المعلومات المتعلقة باستخدام الأراضي الإثيوبية لتدريب مقاتلين لصالح قوات الدعم السريع وتوفير مسارات للإمداد العسكري فإن السودان سيكون أمام تحد أمني بالغ الخطورة خاصة في ولايتي النيل الأزرق والقضارف
غير أن تجنب الحرب لا يعني التفريط في السيادة الوطنية كما أن ضبط النفس لا ينبغي أن يتحول إلى عجز عن حماية المصالح السودانية
ومن هنا فإن التحدي أمام الخرطوم ليس إثبات قدرتها على الرد بالمثل في طرد الدبلوماسيين وإنما بناء موقف سياسي وقانوني وأمني متماسك يمنع استخدام أراضي الدول المجاورة لتهديد السودان دون الانجرار إلى حرب جديدة
فالدبلوماسية لا تقاس بعدد السفراء الذين يغادرون وإنما بما تحققه من نتائج تحمي الدولة وتغير سلوك الأطراف الأخرى.
*مصر وإريتريا هل تتغير موازين القوى في القرن الأفريقي*
لا يمكن فصل التوتر السوداني الإثيوبي عن التحولات التي تشهدها منطقة القرن الأفريقي خاصة مع استمرار الخلافات بين القاهرة وأديس أبابا بشأن سد النهضة والتوترات المتكررة بين إثيوبيا وإريتريا
وقد يدفع التصعيد الراهن السودان إلى تعزيز تنسيقه السياسي والأمني مع مصر وإريتريا في ظل تقاطع المصالح والمخاوف من اتساع نطاق الاضطرابات الإقليمية
لكن من الخطأ الاعتقاد بأن تقاطع المصالح يعني بالضرورة تطابق الأهداف
فمصر لديها حساباتها المتعلقة بأمنها المائي والإقليمي وإريتريا تنطلق من اعتبارات أمنية وتاريخية خاصة بعلاقاتها مع إثيوبيا بينما يظل السودان معنيا قبل كل شيء بإنهاء حربه الداخلية وحماية وحدته وسيادته
ولذلك فإن المطلوب ليس انتقال الخرطوم من محور إقليمي إلى آخر وإنما بناء سياسة خارجية مستقلة تستفيد من علاقاتها دون أن تجعل السودان ساحة لتصفية حسابات الآخرين.
*هل يخسر السودان بطرد الدبلوماسيين*
قد يكون الرد السوداني على الإجراءات الإثيوبية مبررا من الناحية الدبلوماسية لكنه لا يمثل في حد ذاته مكسبا استراتيجيا
فإغلاق القنصليات لا يمنع تهريب السلاح ولا يوقف الطائرات المسيرة ولا يعالج النزاعات الحدودية بل قد يؤدي إلى إضعاف قنوات الاتصال في وقت تحتاج فيه الدولتان إلى الحوار أكثر من أي وقت مضى
ولكن من غير المستبعد ان التوتر مع السودان إلى جانب خلافات إثيوبيا مع دول أخرى في المنطقة قد يزيد تعقيد موقفها الأمني ويعمق حالة الاستقطاب الإقليمي
ومنعآ للتصعيد لجاءت حكومة الخرطوم أن تحول الاتهامات المتعلقة باستخدام الأراضي الإثيوبية في الحرب إلى ملف موثق أمام مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي مع المطالبة بتحقيق دولي مستقل وإبقاء قنوات التواصل السياسي مفتوحة ولا يعد ذلك ضعفآ منها فلها الحق عن الدفاع عن سيادتها
فالدول لا تنتصر في أزماتها الخارجية بمجرد رفع سقف الخطاب السياسي وإنما بحسن إدارة أدوات الضغط والتفاوض.
*هل السودان ضحية أطماع الخارج أم أخطاء الداخل*
هنا نصل إلى السؤال الذي أراه أكثر أهمية من أزمة طرد الدبلوماسيين نفسها
صحيح أن التدخلات الخارجية قد تسهم في إطالة الحرب السودانية وتعميق الانقسامات لكن هل كانت تلك التدخلات ستجد المساحة ذاتها لو امتلك السودان دولة قوية ومؤسسات مستقرة وقرارا وطنيا موحدا.
إن أزمتنا لا تبدأ من الحدود الإثيوبية ولا تنتهي عند التدخلات الإماراتية أو حسابات القوى الإقليمية
فالسودان يعاني منذ عقود من ضعف مؤسسات الحكم وتعدد مراكز القوة المسلحة والصراعات المتكررة على السلطة والفشل في بناء دولة تقوم على سيادة القانون والمواطنة.
وقد جعلت هذه الاختلالات البلاد أكثر عرضة للتدخلات الخارجية ومنحت أطرافا إقليمية فرصا للتأثير في مسار أزماتها الداخلية
ولا يعني الاعتراف بهذه الحقيقة تبرئة أي دولة تتدخل في الشأن السوداني وإنما يعني أن استعادة السيادة الوطنية لا تبدأ من الحدود وحدها بل من إعادة بناء الدولة التي يفترض أن تحمي تلك الحدود
فالوطن الذي تتنازع السلطة فيه البنادق وتغيب عنه المؤسسات القادرة على إدارة الخلافات سلميا يصبح أكثر عرضة لضغوط الخارج ومساوماته.
*الخاتمة: من يخسر السودان أم إثيوبيا*
ربما تعتقد بعض دوائر القرار الإثيوبي أن استمرار ضعف السودان يمنح أديس أبابا فرصا استراتيجية في ملفات الحدود والمياه والنفوذ الإقليمي لكن التاريخ يعلمنا أن انهيار الاستقرار في الدول المجاورة لا يصنع بالضرورة أمنا دائما
وإذا كانت الخرطوم ترى أن الردود الدبلوماسية المتبادلة تكفي لحماية أمنها القومي فإنها تحتاج إلى مراجعة حساباتها لأن التحديات التي تواجه السودان أكبر من إغلاق قنصلية أو مغادرة عدد من الدبلوماسيين
إن السودان لا يحتاج اليوم إلى عدو جديد لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع القبول بأن تتحول أراضي جيرانه إلى منصات لتهديد أمنه وسلامة مواطنيه
والمطلوب سياسة تجمع بين الحزم والحكمة وبين حماية السيادة الوطنية وتجنب توسيع دائرة الحرب
أما إثيوبيا فعليها أن تدرك أن السودان سيبقى جارا لا تستطيع تغييره وأن الاستثمار في ضعفه إن كان جزءا من حسابات بعض دوائرها قد ينقلب إلى مصدر تهديد لأمنها واستقرارها
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يواجه به السودانيون أنفسهم قبل توجيه الاتهامات إلى الآخرين هل نملك مشروعا وطنيا ينهي الحرب ويعيد بناء الدولة أم سنظل نبحث عن أسباب أزماتنا خارج الحدود بينما تبقى جذور ضعفنا قائمة في الداخل
فالسودان لن يستعيد مكانته الإقليمية بمجرد طرد الدبلوماسيين أو تبادل الاتهامات وإنما باستعادة وحدة قراره وبناء مؤسساته وإنهاء الحرب التي تستنزف حاضره وتهدد مستقبله
والسودان الذي يريد أن يفرض احترامه على جيرانه عليه أولا أن يستعيد تماسك دولته لأن ضعف الداخل هو الباب الأوسع الذي تعبر منه أطماع الخارج
ما نراه الآن ليس تعبئة نهائية لحرب مباشرة بين السودان وإثيوبيا، بل هو تصعيد لـ«حرب بالوكالة» تتداخل فيها المصالح الداخلية والإقليمية والدولية. والمستفيد الأكبر حتى هذه اللحظة هو الأطراف التى تريد إبقاء السودان فى حالة انقسام وعدم استقرار، بينما الشعبان السودانى والإثيوبى هما من يدفعان ثمن هذا التوتر.
يبقى المخرج الأساسى هو العودة إلى الحوار المباشر بين الحكومتين، مع ضغط إقليمى ودولى لوقف استخدام الأراضى لأى عمليات عسكرية عابرة للحدود.
/////////((((///////

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى