طويلة.. مدينة الناجين والمفقودين..
مسؤول الإعلام بغرفة طوارئ "طويلة" حمزة حسن هارون في حوار خاص مع «العودة»

حاورته : نشوة أحمد الطيب
«سجّلنا 2000 مفقود.. و1650 لا يزالون بلا أثر»
«70% من المتضررين من الحرب نساء وأطفال»
«آلاف النازحين يعيشون على وجبة واحدة يومياً»
«الحرائق تلتهم المعسكرات.. ولا معدات للإنقاذ»
«المرضى يغادرون طويلة هرباً من الموت الصامت»
«فجوة النزوح أكبر بكثير من حجم الاستجابة»
“3000 إلى 5000 دولار تمويل متقطع.. آلاف الأسر بلا دعم.”
في مدينةٍ تبدو آمنة من صوت الرصاص، تتصاعد مأساة أخرى أكثر قسوة: مأساة النزوح والفقد والمرض.
هنا في طويلة، تتكدس الأسر الهاربة من الحرب، ويعيش الآلاف على الحد الأدنى من الغذاء والماء، فيما تظل سجلات المفقودين مفتوحة على أسماء لم تعد تعرف الأسر إن كانت ما تزال على قيد الحياة أم ابتلعها دخان المعارك.
في هذا الحوار يفتح مسؤول الإعلام بغرف طوارئ طويلة في ولاية شمال دارفور حمزة حسن هارون ملف الأوضاع الإنسانية والأمنية والصحية، كاشفاً أرقاماً صادمة حول المفقودين والنازحين وحجم الفجوة الإنسانية.
كيف تصفون الوضع الراهن في منطقة طويلة حالياً على المستوى العام، سواء من الناحية الأمنية، الإنسانية، المعيشية، والصحية؟
بخصوص الأوضاع الإنسانية والمسائل المعيشية والصحية والأمنية في طويلة، تشهد مناطق طويلة استقراراً كبيراً جداً من الناحية الأمنية. حيث لا توجد قضايا سرقات أو احتيال أو جرائم كبيرة في طويلة، سواء كان ذلك على المستوى الداخلي أو الخارجي.
لذلك، فإن كل النازحين في المناطق الأخرى لجأوا أو نزحوا واتجهوا نحو طويلة، نظراً لوجود الأمن والاستقرار الكامل من قبل الحركة وجيش تحرير السودان في طويلة.
أما من الناحية الإنسانية، فإن طويلة تشهد تدفقاً للمنظمات بصورة كبيرة جداً، ويشمل ذلك الجمعيات الوطنية والمنظمات الدولية والروابط التي تعمل في مجال الأمن الإنساني.
ونحن في غرفة طويلة لدينا أكثر من 20 غرفة قاعدية تعمل في المعسكرات وفي المناطق المتجاورة في طويلة، أو داخل نطاق دائرة طويلة، لضمان وصول المساعدات الإنسانية المتمثلة في تقديم الخدمات للنازحين.
أما من الناحية المعيشية، فقد انتعشت مناطق طويلة من حيث الرقابة والمعيشة بصورة كبيرة جداً، لذلك استطاعت أن تستوعب وتضم مجموعة كبيرة جداً من السكان.
وبحسب المعلومات والمشهد الحالي في طويلة، يمكن القول إنها أكبر المناطق التي احتوت النازحين في إقليم دارفور.
أما من ناحية المسائل الصحية، فهناك مشكلة كبيرة جداً؛ فعلى الرغم من كثرة هذه المنظمات وكثافة السكان والنازحين، توجد أوضاع صحية صعبة جداً، خاصة في مجال الأمراض المستعصية والأمراض المزمنة، والمسائل التي تتعلق بالأعصاب والمخ وغيرها من التخصصات الدقيقة، بالإضافة إلى غياب كشف الأشعة وغيرها من الخدمات غير المتوفرة في طويلة.
وبالتالي، يضطر المريض للسفر إلى مناطق خارج طويلة، مثل الدبة أو نيالا أو الخرطوم، أو حتى السفر إلى خارج الدولة لتلقي العلاج.
علماً بأنه توجد مجموعة من الجرحى ومجموعة من المعاقين جراء الحرب، وهذه هي المسائل التي تتعلق بصلب الكوارث الإنسانية.
أما من ناحية أدوية الطوارئ وتدخلات الطوارئ، فتوجد مجموعة كبيرة من المستشفيات العاملة، لكنها في الواقع لا توفر كافة الخدمات الصحية التي يحتاجها المرضى في طويلة.
ما العدد الحقيقي للنازحين في مناطق عمل الغرفة، وهل هناك مناطق محرومة بالكامل من المساعدات؟
بخصوص العدد الحقيقي للنازحين في منطقة طويلة، فقد صعب علينا نحن كغرفة طوارئ أن نقوم بعملية التعداد لحصر العدد الحقيقي للنازحين.
ويرجع ذلك إلى تدخلاتنا السريعة لتوفير الحاجة الماسة من الخدمات التي يحتاج إليها الناس مباشرة.
وبالتالي، لم نتمكن من القيام بعملية الإحصاء، خاصة وأن عمليات الإحصاء وجمع المعلومات تحتاج إلى مبالغ مالية ضخمة وجهد كبير جداً.
لذا، فإن الوكالات والمنظمات في طويلة لا تمتلك إحصاءً بالعدد المعلوم والمعروف، ويعد مكتب الشؤون الإنسانية هو الكفيل الوحيد بمعرفة الإحصاءات والأعداد والرقم الحقيقي للنازحين.
كما أن منظمة الهجرة الدولية هي الجهة المختصة بالإحصاء والمعلومات في كل التدخلات والمسائل المتعلقة بهذا الشأن.
أما من حيث المناطق، فنحن كغرفة طوارئ، تعد كافة المناطق مفتوحة أمامنا لتنفيذ تدخلاتنا الإنسانية.
ولم نجد أي منطقة يحظر علينا فيها تقديم المساعدات، كما لا توجد منطقة يمنع على المنظمات التدخل فيها، إلا إذا كان العائق هو شح التمويل.
ما عدد الأسر التي تعتمد بالكامل على دعم الغرفة لتأمين الغذاء والماء؟
بالنسبة للأسر المعتمدة علينا، فنحن في فترة شهر رمضان عملنا على أكثر من 16 مشروعاً، والمشروع الواحد يضم أكثر من 300 أسرة.
إذن، نحن في فترة شهر رمضان قد دعمنا أكثر من 4800 أسرة بصورة مباشرة في عملية إفطار رمضان وغيرها من البرامج الأخرى.
ونظراً لشح التمويل لم نستطع أن نضيف أكثر من ذلك، وذلك بسبب نقص برامج الدعم المتعلقة بالأسر في منطقة طويلة.
كم وجبة أو لتر ماء توزعون على هذه الأسر في اليوم؟
بالنسبة للوجبات والأطعمة، هناك وجبة واحدة نقدمها للنازحين خلال المشروع أو خلال اليوم.
أما بخصوص برامج المياه، ففي الفترات التي يتوفر لدينا فيها تمويل لمشاريع المياه، فإننا نقدم أكثر من 100 برميل يومياً للأسر؛ 50 برميلاً صباحاً و50 برميلاً مساءً.
وهذا الأمر يمكن أن يشكل مساهمة كبيرة بالنسبة للأسر النازحة.
المهم هو أن لدينا خزاني مياه في المعسكر، لكن لم يتم توزيع المياه منهما بشكل مباشر أو مستمر، ويرجع ذلك إلى عمليات التمويل الخاصة بمشاريع المياه.
بالنسبة للمفقودين، ما عدد الحالات التي تتعاملون معها حالياً؟
بخصوص المفقودين، نعد نحن في غرفة الطوارئ أكبر جهة تتعامل مع المفقودين بصورة مباشرة من خلال سجلاتهم وتفاصيلهم ومكاتبهم منذ أحداث الفاشر.
لقد سجلنا أكثر من 2000 مفقود، وقد بلغ عدد الذين سلمناهم لأهلهم 350 مفقوداً ومفقودة.
أما بالنسبة للذين لم يتمكنوا من اللحاق بأهلهم أو الذين لم نجدهم، فهم مسجلون فقط في السجلات كمفقودين، ويبلغ عددهم 1650 شخصاً.
وهناك عدة أسباب حالت دون قدرتنا على الوصول إليهم؛ فجزء منهم ربما يكون قد توفي، بينما لا يزال أهلهم يبحثون عنهم.
والجزء الثاني ربما يكونون أسرى لدى أطراف الصراع.
ومن ناحية أخرى، ربما يكون هناك أشخاص اختفوا بسبب مشاكل تتعلق بعدم التواصل الجيد بينهم وبين أسرهم.
فالشخص قد لا يتمكن من اللقاء بأسرته لفترة تزيد عن ثلاثة أو أربعة أشهر.
وبالتالي، فإننا نقوم بنشر المعلومات، ومن الممكن أن تكون هناك عمليات للم شمل قريباً.
هل هناك مناطق تعاني نقصاً حاداً في الخدمات الصحية؟
نعم، توجد أيضاً مناطق تعاني معاناة كبيرة جداً في نقص الخدمات الأساسية، وبالفعل لم نتمكن من الوصول إليها لعدم وجود التمويل الكافي.
هل هناك حالات إصابات أو طوارئ طبية لم تتمكن الغرفة من التعامل معها؟
نعم بالفعل توجد كوارث ووفيات ومشاكل كبيرة.
لقد استطعنا التدخل فيها بصورة قد تكون مرضية بالنسبة لنا وللأشخاص الذين تعرضوا للكارثة.
مثل مشكلة الحرائق التي تحدث في طويلة، حيث إننا لا نملك معدات لإطفاء الحرائق.
وهناك أيضاً مشاكل تتعلق بانجراف التربة، خاصة في فصل الخريف.
والآن نحن في فصل الصيف، وتواجهنا مشكلة توالد الذباب وتكاثر الحشرات الصيفية، وهي المسألة التي لم نتمكن من التدخل فيها بسبب نقص الكوادر والمعدات والتمويل.
هل يمكنكم تحديد نسبة الأطفال والنساء بين المتضررين؟
منذ بداية حرب 15 أبريل وحتى يومنا هذا، فإن أكثر الفئات تضرراً هم النساء والأطفال بنسبة 70% من النسبة الكلية للمجتمع.
إن أبرز التحديات التي تواجه هاتين الفئتين تتمثل أولاً في انعدام الأمان، وغياب الحماية.
الأمر الثاني يتمثل في الاحتياجات الأساسية من المأكل والمشرب والمأوى والملبس.
إضافة إلى ذلك، هناك المسائل الخاصة بالأطفال مثل التعليم والألعاب وتوفير المساحات الآمنة.
وكذلك النساء والفتيات في سن الإنجاب وما يمررن به من ظروف مختلفة.
كل هذه الفئات تحتاج إلى دعم وعناية وتكاتف.
هل هناك معلومات عن مناطق تتعرض بشكل متكرر لهجمات أو عنف مسلح؟
حالياً حول دائرة طويلة، لا توجد مناطق تتعرض للعنف بصورة مباشرة، ولم توجد هذه الحالات حتى يتأثر المدنيون بهذه الكوارث.
ما حجم التمويل الفعلي المتوفر حالياً؟
بالفعل يأتينا تمويل من بعض المنظمات الدولية وبعض الجمعيات الوطنية.
هذا التمويل يأتي في حدود معينة، وتحديداً بمبالغ تصل إلى 5000 دولار، ومن بعض المنظمات 3000 دولار.
وبالتالي، فإن هذا التمويل يصلنا بصورة متقطعة، مما يعني أنه لا يخدم كافة المشاريع التي نخطط لها حالياً أو مستقبلاً.
هل واجهتم محاولات لمنع وصول المساعدات؟
بالطبع نحن كغرفة طوارئ في طويلة مهيئون في كل المناطق لجميع البرامج الموجودة في مجال العمل الإنساني.
متى ما توفر لنا التمويل والقدرة والكوادر، فإننا نتدخل في جميع المناطق.
فلم نجد من يعارضنا أو يضع أمامنا معوقات تقيد عملنا.
ما أبرز الإجراءات الطارئة التي تتخذ لحماية المدنيين؟
أول إجراء نقوم به هو إجلاء النازحين العالقين في الطرقات.
وثانياً، نقدم لهم كل ما يحتاجون إليه من مأكل ومشرب وملبس وإيواء.
بعد ذلك يتم تجميعهم في مجمعات سكنية وتسليم أمرهم للمنظمات والجهات الأكبر منا.

رسالة أخيرة؟
نحن نثمن جهود كافة الجهات المانحة ومقدمي العمل الإنساني، وخاصة مجلس تنسيق الطويلة وجبل مرة.
كما نثمن جهود كل المتطوعين الذين يبذلون جهوداً كبيرة جداً.
ونناشد كافة المنظمات والوكالات والجمعيات الخيرية بالتدخل العاجل للنظر في أوضاع النازحين في طويلة، لأن الفجوة ما تزال كبيرة جداً.



