​المحلل السياسي والخبير الاستراتيجي د. راشد الشيخ لـ “العودة”: الحل العسكري بوابة لسلام القوة

​تقدم الجيش يفتح آفاقاً حقيقية للتعامل السياسي والتفاوضي

​سلموا الدولة للعلماء لرسم الاستراتيجيات والسياسيون للتنفيذ فقط
​أزمة السودان تتمثل في غياب مصالح الدولة عن الأجندة

​تعدد المنابر الدبلوماسية يشتت الجهد ويخدم الأطماع الخارجية

​الدولة الذكية مخرجنا الوحيد من هشاشة المؤسسات وضعفها

​لا مساومة على الجيش الواحد والوعي تجاوز الصدامات

​القوى المرتهنة للخارج منبوذة شعبياً وفقدت صلاحيتها للواقع

​ساحل البحر الأحمر ممر عالمي يتطلب إدارة ذكية

​العدالة ركن أساسي والمجرم سيظل منبوذاً في الوجدان

​واشنطن تتعامل عبر وكلاء أمنيين لتشتيت الإرادة الوطنية

​حاوره: رمضان محجوب

​في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ البلاد، يبرز صوت العقل والتحليل الاستراتيجي الرصين ليضع النقاط على الحروف. التقت “العودة” بالمحلل السياسي والخبير الاستراتيجي والأستاذ الجامعي الدكتور راشد محمد علي الشيخ، في حوار لم ينقصه الوضوح، فكك فيه طلاسم المشهد المعقد، رابطاً بين الميدان والسياسة والتقاطعات الدولية. يرى الشيخ أن الصراع مرتبط بموقع السودان الجيوسياسي، مؤكداً أن التفاف الشعب حول مؤسسته العسكرية منح الدولة القوة اللازمة لمواجهة التمرد، معتبراً الحل العسكري بوابة لسلام يرتكز على القوة، وصولاً لتأسيس “الدولة الذكية”.

​▪️ بدايةً، كيف تقرأ المشهد السياسي السوداني الحالي في ظل التطورات الميدانية الأخيرة، وهل تعتقد أن الحل العسكري بات هو المسار الوحيد المتبقي؟
​= يمكن قراءة الحرب في السودان من خلال ثلاثة مستويات متداخلة؛ الأول هو مستوى الصراع الاستراتيجي المرتبط بالموقع الجيوسياسي والجيواستراتيجي للبلاد، وهو ما يؤثر مباشرة على المستوى الثاني وهو “المسار السياسي” الذي يعاني من هشاشة تكوين الدولة وضعف بنية المؤسسات منذ الاستقلال، مما أدى لعدم استقرار مزمن نتيجة غياب متلازمة “بناء الأمة”. أما المستوى الثالث فهو مسار العمليات العسكرية الذي يتأثر بالبعدين السابقين، فكلما اقتربنا من تسوية سياسية أو زادت تقاطعات المصالح الدولية، ارتفعت حدة المعارك.
المشهد اليوم يتكون من دولة مركزية بسلطة قائمة تواجه تمرداً بمدد إقليمي خارجي متمثل في مليشيا الدعم السريع. ورغم أن التفاف الشعب حول القوات المسلحة يمنح الدولة قوة في فرض إرادتها خارجياً، إلا أن الحل العسكري ليس المسار الوحيد؛ فتقدم الجيش على الأرض يفتح آفاقاً لتعامل سياسي وتفاوضي، وإن كان هذا المسار يتعثر أحياناً بسبب ضبابية رؤى الأطراف الخارجية أو تضارب مصالحها.
​▪️ في رأيك، ما هي أكبر العقبات التي تحول دون جلوس الأطراف السودانية على طاولة مفاوضات حقيقية تُنهي معاناة المدنيين؟
​= العقبة الأساسية تكمن في غياب “مصالح الدولة السودانية” عن أجندة الأطراف الداخلية؛ حيث يأتي الكثيرون بأجندات مرتبطة بتكتلات حزبية أو عرقية أو جهوية تحاول فرض وجودها على حساب قومية مؤسسات الدولة. هذا الخلل يتطلب موازنة بين “بناء الدولة المادي” وبين “بناء الأمة” وفق المصالح الكلية للقوميات السودانية، وصولاً إلى ما يُعرف بـ “الدولة الذكية” التي تحقق استقلالها بناءً على رؤية وطنية شاملة.
​▪️ هناك حديث متزايد عن “تعدد المنابر” (جدة، المنامة، إيغاد)، كيف أثر هذا التشتت الدبلوماسي على فرص الوصول لاتفاق وقف إطلاق نار دائم؟
​= دور الوسيط في أي منبر يرتكز على استمزاج رؤى الطرفين للوصول لسلام يبدأ بوقف إطلاق النار وينطلق نحو بناء مؤسسات الدولة لا بناء كيانات متصارعة. لكن الأزمة تكمن في تقاطع المصالح الدولية والأطماع الخارجية التي تستغل ضعف الدولة لصناعة عملاء ومتمردين بالداخل. الوصول لوقف إطلاق نار دائم بات قريباً في حال تم تحجيم التدخلات الخارجية والتركيز على المصالح الوطنية بدلاً من الارتهان لأطماع الآخرين.
​▪️ كيف تقيم الدور الشعبي والمبادرات الوطنية في مواجهة خطاب الكراهية والتقسيم الذي أفرزته الحرب؟
​= يجب الاعتراف بوجود مشكلة في أنظمة التفكير والسلوك الجمعي التي تنظر للقضايا من زوايا عرقية وجهوية، مما يغذي خطاب الكراهية. المبادرات الوطنية يجب أن تتجه نحو الحسم التام لهذا الخطاب، وهنا يلعب الإعلام دوراً محورياً بالتركيز على القيم الإنسانية الثابتة. السيطرة على هذه التقسيمات ممكنة ويسيرة إذا توفرت الإرادة، خاصة وأنها إفرازات طبيعية لطول أمد الصراع.
​▪️ ما هو تصوركم لشكل “الدولة السودانية” في اليوم التالي لانتهاء الحرب؟ هل سنعود إلى وثيقة دستورية جديدة أم لانتخابات مبكرة؟
​= من منظور علمي، يجب أن يرتكز شكل الدولة القادم على إنهاء تعدد الجيوش وإنهاء حالة التشرذم الحزبي، والتحول من الأيديولوجيات العقيمة إلى “عقليات إنتاجية” (تكنولوجية، زراعية، صناعية). الأفضل هو وجود فترة “تثبيت وانتقال” تبدأ بمؤتمر دستوري يحدد شكل الحكم، تليها الانتخابات. والواجب أن تقود هذه الفترة كفاءات علمية تؤسس لنظام إداري محكم وتخطيط استراتيجي بعيد المدى، بعيداً عن صراعات السياسيين، لضمان مسار آمن يحمي الدولة من الأطماع.
​▪️ ما هو الدور المتوقع للمؤسسة العسكرية في الحياة السياسية مستقبلاً، وكيف يمكن تحقيق معادلة “الجيش الواحد المهني” دون صدامات جديدة؟
​= الدور الطبيعي للمؤسسة العسكرية هو الحماية السيادية وصون الحدود ودعم الاستقرار السياسي. أما معادلة “الجيش الواحد”، فكل المقومات متوفرة الآن لدمج كافة التشكيلات في الجيش السوداني وفق معايير القوات المسلحة الصارمة. التجارب المريرة منذ أبريل 2023 كافية لضمان عدم تكرار الصدامات مرة أخرى، إذ أصبح الوعي بضرورة المؤسسة العسكرية الموحدة مطلباً لا غنى عنه.
​▪️ هل تعتقد أن العدالة الانتقالية والمحاسبة على جرائم الحرب ستكون شرطاً أساسياً لاستقرار العملية السياسية، أم أن “التسوية” قد تفرض واقعاً مختلفاً؟
​= العدالة والمحاسبة ركنان أساسيان لا يمكن تجاوزهما، وإن كان التفاوض قد يغير في ترتيب الجزئيات أو الجدول الزمني للتنفيذ. القاعدة هنا هي أن “المجرم” قد يُقبل في إطار “تسوية سياسية” لضرورات وقف الحرب، لكنه سيظل منبوذاً جماهيرياً وغير مقبول في الوجدان الشعبي، وهذا الرفض الجماهيري هو جزء أصيل من عملية المحاسبة التي تفرضها موازين القوى في أي مفاوضات.
​▪️ بالانتقال للمشهد الدولي، يشهد العالم توتراً متصاعداً بين واشنطن وطهران؛ كيف ينعكس هذا الصراع “بالوكالة” أو مباشرة على الملف السوداني؟
​= الولايات المتحدة وضعت السودان لفترات طويلة في “منطقة التصدير الاستراتيجي”، وهي تتعامل حالياً عبر وكلاء أو محاور وظيفية (أدوار أمنية، سياسية، واستخباراتية)، مما يشتت الجهد السوداني. هذا الواقع يفرض علينا التفكير بمنطق “تحقيق مصالح الكل” لجذب الدول الكبرى نحو الخرطوم اقتصادياً وتقنياً، مما يجبر واشنطن على التعامل المباشر معنا بعيداً عن القنوات الاستخباراتية المكلفة.
​▪️ السودان يمتلك ساحلاً استراتيجياً على البحر الأحمر؛ إلى أي مدى تحول هذا الساحل إلى ساحة تجاذب نفوذ بين الطموحات الإيرانية والتحفظات الأمريكية؟
​= ساحل البحر الأحمر ممر استراتيجي يتحكم في ثلث الكتلة الاقتصادية العالمية، مما يجعله ساحة صراع بين طموحات إيران والتحفظات الأمريكية. السودان يمتلك تحالفات لتأمين الملاحة، والذكاء السياسي يقتضي إدارة هذا التجاذب عبر “المعادلة المعكوسة”؛ أي التمسك بمصالحنا أولاً وفرضها على الجميع دون معاداة طرف، واستخدام موقعنا لإدارة الصراعات الدولية بدلاً من أن نكون ضحية لها.
​▪️ اقتصادياً، في حال فُرضت عقوبات دولية جديدة أو حدث تصعيد في الممرات المائية، كيف سيتأثر السودان الذي يعاني أصلاً من انهيار اقتصادي؟
​= التصعيد في الممرات المائية سيؤثر مباشرة على أكثر من 37 دولة، والسودان -بسبب هشاشته الحالية- سيكون من أكثر المتأثرين. ورغم أن التأثير الاقتصادي سيكون واضحاً، إلا أن الشعب السوداني الذي عانى من مرارات الحرب قد يجد أن الضغوط الاقتصادية، رغم صعوبتها، أقل وطأة من حالة الحرب الشاملة التي يعيشها.
​▪️ هل ترى أن التقارب (أو التباعد) السوداني مع أي من القطبين (طهران أو واشنطن) قد يستخدم ككرت ضغط في معادلة الحرب الداخلية؟
​= الدولة تملك مطلق الحرية في التحالف مع من يحقق مصالحها. والذكاء يكمن في عدم معاداة أي طرف. يمكن استخدام “المعادلة المعكوسة” بالتمسك بمصالح الكل وفرض مصلحة السودان كمقدمة، مما يحمي الدولة من أن تكون مجرد كرت ضغط في أيدي الآخرين.
​▪️ ما هي رسالتك للقوى السياسية السودانية التي ما زالت تراوح مكانها في الخارج؟
​= هذه القوى تعاني من مشكلة ارتهان لدول تمول الحرب أو ارتباط مباشر بالمليشيا، وهذا يفقدها القبول الداخلي تماماً. الرأي الجماهيري الغالب الآن يرفض أي طرف يدعم المليشيا، ومهما فرضت التسويات السياسية من وجود لهؤلاء، سيظلون منبوذين شعبياً وغير فاعلين في تشكيل الواقع الجديد.
​▪️ كيف يمكن للسودان أن ينأى بنفسه عن المحاور الدولية ويحقق “سيادة وطنية” حقيقية؟
​= النأي بالنفس صعب جداً لدولة تعاني من مؤسسات غير مستقرة. المدخل الحقيقي للسيادة هو اتفاق الداخل على “رؤية وطنية كلية” ونظام حكم متفق عليه، لتقوية عظم المؤسسات الوطنية. بدون هذا التوافق الداخلي، ستظل التدخلات الخارجية مستمرة بذريعة حماية المصالح أو الأطماع.
​▪️ أخيراً، هل أنت متفائل بمستقبل السودان في عام 2026، وما هي نصيحتك لصناع القرار؟
​= نعم، أنا متفائل جداً؛ فالحرب أثبتت أنه لا يمكن هزيمة الجيش السوداني أو اقتلاع الدولة من شعبها. نصيحتي لصناع القرار: في الأزمات التاريخية قد نُجبر على حلول صعبة. السياسيون فشلوا منذ الاستقلال، لذا فإن أكبر خدمة تُقدم للشعب هي “تسليم الدولة للعلماء”؛ العلماء هم من يضعون النظم الإدارية والرؤى الاستراتيجية لبناء الدول، وعلى السياسيين فقط إدارة تلك النظم لا اختراعها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى