الدبة. .. “كتمة” الرصاص تغتال هدوء الشمال..!!

تقرير :رمضان محجوب
استيقظت مدينة الدبة بالولاية الشمالية على وقع “كتمة” أمنية دامية، انشطر فيها هدوء النخيل والضفاف الوادعة بفعل صراع مسلح غريب على طبيعة المنطقة. بدأت شرارة المأساة عند نقطة تفتيش وانتهت باقتحام “بربري” لمستشفى المدينة وسقوط قتلى وجرحى، في مشهد جسّد خطورة تفشي السلاح و”عنطزة” المكونات القبلية التي حاولت كسر هيبة الدولة وتجاوز القانون، مما حول ليل المدينة الآمنة إلى “دواس” مفتوح ومواجهات انتقامية لم يسلم منها حتى الحرم الطبي والمرضى في مشافيهم.
■ إرتكاز الموت
توالت فصول المأساة عند نقطة تفتيش “طلمبة الشغول” بالمدخل الشمالي، حين ظنت مجموعة تستقل سيارة “تندرا” أن الانتماء القبلي يمنحها صكاً لتجاوز القانون، حيث رفضوا الامتثال لأوامر الارتكاز، فكان لزاماً على القوة النظامية فرض هيبة الدولة بـ “الرصاص” لإيقاف المركبة المارقة، ما أدى لسقوط أحد أفراد المجموعة جريحاً، لتتحول الحادثة من إجراء أمني روتيني إلى شرارة أحرقت هشيم السلم المجتمعي في ساعات معدودة.
■ حُرمة منتهكة
ولم ينتظر “الفزاعون” نتائج التحقيق، بل اندفعت مجموعة مسلحة صوب مستشفى الدبة في مشهد مروع، منتهكين حرمة المؤسسة العلاجية بوابل من الرصاص الكثيف والأسلحة الثقيلة، دون مراعاة لأنين المرضى أو قدسية “البلوزة البيضاء”، فزرعوا الرعب في القلوب وأصابوا خمسة من المواطنين الأبرياء، في سابقة غريبة على مجتمع الولاية الشمالية الذي لم يعهد مثل هذه “الخرمجة” الأمنية.
■ سيطرة الطوف
وفي ظل الفوضى العارمة داخل المستشفى، تدخلت قوة “الطوف الليلي” بصرامة وحسم، محاصرةً المتفلتين الذين ظنوا أن الغلبة لـ “الضراع” لا للقانون، حيث نجحت القوة في لجم الجماح المسلح والقبض على عدد من الجناة، ليعود الهدوء الحذر ليرخي سدوله على المرفق الصحي، وسط ذهول الكوادر الطبية التي وجدت نفسها فجأة وسط اشتباك لم يكن لها فيه ناقة ولا جمل.
■ انتقام الفجر
بيد أن فصول “الفيلم المرعب” لم تنتهِ عند هذا الحد، فبينما كانت المدينة تتهيأ لصلاة الفجر، هاجمت سيارة “أكسنت منفوخة” بلا لوحات الارتكاز ذاته عند الثالثة صباحاً، في هجوم غادر ومخطط له بدافع الانتقام الصرف لقتيلهم الذي قضى متأثراً بجراحه في المستشفى، ليتجدد تبادل إطلاق النار في عتمة الليل، ويتحول الفجر الصادق إلى فجرٍ دامٍ.
■ ارتقاء البطل
وقد دفع الواجب ضريبته الغالية، حيث ارتقى النظامي “محمد عبد الله داؤد” شهيداً وهو يذود عن حياض الارتكاز، مسطراً بدمائه ملحمة في الصمود ضد “التفلت”، ليرحل محمد تاركاً وراءه حزناً عميقاً في قلوب رفاقه، وغبناً لدى المواطنين الذين رأوا في استهدافه استهدافاً لكل عين ساهرة تحرس أمن المدينة في هذه الظروف الاستثنائية.
■ هروب الجناة
وعقب الهجوم الغادر وفقدان الشهيد، استغل الجناة ظلمة الليل ووعورة المسالك ليفروا إلى جهة مجهولة، مخلفين وراءهم مدينة “مولعة” بالترقب، ورغم الملاحقات الأمنية، يظل هروبهم جرحاً نازفاً يتطلب “شغل مكن” من الأجهزة الاستخباراتية لضبطهم وتقديمهم للمحاكمة، حتى لا تصبح هيبة الدولة نهباً لكل من ملك “قطعة سلاح”.
■ تشييع مهيب
ووسط زحمة من البشر ودموع الحزن الصادق، شيعت الدبة عصر الجمعة جثمان الشهيد محمد عبد الله إلى مثواه الأخير بمقابر المدينة، بحضور قادة اللجنة الأمنية وجمع غفير من المواطنين، في رسالة تضامن شعبية واسعة مع القوات النظامية، وتأكيداً على أن “الدبة” تلفظ العنف القبلي وتتمسك بدولة القانون والمؤسسات.
■ فتنة نائمة
ويظل ما حدث في الدبة بمثابة جرس إنذار لفتنة “قبلية” نائمة استيقظت على وقع السلاح المنفلت، حيث تحول الخلاف الإداري عند نقطة تفتيش إلى صراع بين مكونين اجتماعيين هو “السم الزعاف” الذي يهدد استقرار الشمال، ما يستوجب من العقلاء ضرورة “تربيط” الأمور بحكمة الشيوخ قبل أن تستفحل الحزازات وتخرج عن السيطرة.
■ ضبط السلاح
تتعالى الأصوات الآن في الولاية الشمالية بضرورة “عصر” المتفلتين ومنع حمل السلاح لغير القوات النظامية في الأسواق والمناطق المأهولة، فوجود سيارات “بدون لوحات” وأسلحة ثقيلة في أيدي مجموعات غير منضبطة هو “القنبلة الموقوتة” التي انفجرت في وجه الدبة، وتتطلب قرارات “ناشفة” من اللجنة الأمنية لإعادة الأمور لنصابها.
■ نداء الاستقرار
ويبقى الاستقرار في الدبة “خطاً أحمر” يرتبط بأمن الولاية الشمالية ككل، لكونها بوابة تجارية واقتصادية كبرى، حيث تتطلب استعادة الطمأنينة وجوداً أمنياً كثيفاً و”عين حمراء” تجاه كل من تسول له نفسه زعزعة الأمن، مع ضرورة تفعيل القوانين الرادعة التي لا تحابي أحداً بناءً على قبيلته أو جهته.
■ منتهاهـا
تجاوزت “الدبة” ليلة قاسية من الرصاص والدم، لكنها لا تزال تضع يدها على قلبها؛ فالأحداث كشفت هشاشة الأمن أمام “العصبيات” الجاهلية، وتبقى المحاسبة الناجزة لقتلة النظامي ومقتحمي المستشفى هي الدواء الوحيد لوجع المدينة، لضمان ألا تتحول حواضر الشمال الآمنة إلى ساحات لتصفية الحسابات القبلية تحت ستار الحرب.



