انشقاق اللواء القبة: بداية تحوّل الدعم السريع من أداة نفوذ إلى عبء استراتيجي

بقلم/ د. تركي القبلان/ كاتب سعودي/ وأستاذ جامعي وخبير استراتيجي
هذا الحدث لا يمكن قراءته كـ“انشقاق ميداني” معزول لكن الدلالة أعمق إذ اعتبره كإشارة بنيوية على تصدّع نموذج الوكالة الذي قامت عليه قوات الدعم السريع خلال السنوات الماضية . فاللواء النور القبة لا يمثل مجرد قائد ميداني إنما شخصية مركزية داخل شبكة ولاءات (قبلية–عسكرية–اقتصادية) ، وانفكاكه يعني أن “سلسلة الثقة” داخل هذا التشكيل بدأت تفقد تماسكها .
في منطق الحروب غير النظامية الميليشيا لا تُهزم أولاً في الميدان بل في “بنية الولاء”. وما جرى هنا يعكس انتقالًا من ولاء قائم على المنفعة (التمويل ، الغنيمة ، الحماية) إلى ولاء يبحث عن الشرعية والبقاء طويل الأمد . وهذا التحول غالبًا ما يحدث عندما يدرك الفاعلون المحليون أن الكلفة المستقبلية للارتباط بمشروع غير معترف به دوليًا أصبحت أعلى من مكاسبه الآنية .
انضمام القبة إلى الجيش السوداني يحمل ثلاث دلالات استراتيجية متداخلة:
أولًا: إعادة ترجيح مفهوم “الدولة” مقابل “الميليشيا”. الجيش مهما “حاولوا أصحاب المشاريع تشويهه” يظل الحامل القانوني للسيادة والانضمام إليه يعيد التموضع داخل الإطار المعترف به دوليًا . هذا ليس خيارًا أخلاقيًا بقدر ما هو إعادة تموضع عقلاني في ضوء معادلة الشرعية .
ثانيًا: بداية تشقق “نموذج الدعم الخارجي” ، أي ميليشيا تعتمد على رافعة خارجية تحتاج إلى تماسك داخلي صارم لتعويض هشاشة شرعيتها . وعندما تبدأ الانشقاقات فإن الرسالة الضمنية لبقية القادة هي: الضامن الخارجي لم يعد كافيًا لحماية المسار أو ضمان المستقبل . وهنا يظهر التناقض في حروب الوكالة: الدعم الخارجي يقوّي الميليشيا تكتيكيًا لكنه يضعفها استراتيجيًا لأنه يؤخر بناء شرعية داخلية حقيقية .
ثالثًا: تحوّل في “اقتصاد الحرب”. الدعم السريع بُني جزئيًا على اقتصاد موازٍ (ذهب ، تهريب ، سيطرة على موارد) بينما الجيش يمثل بوابة العودة إلى الاقتصاد الرسمي وحمايته . عندما يبدأ قادة ميدانيون بالانتقال فهذا يعني أن “اقتصاد الظل” لم يعد يضمن الاستمرارية أو الأمان ، وأن هناك إدراكًا بأن لحظة الحقيقة قادمة ومن يتأخر عن التموضع داخل الدولة سيدفع الثمن .
أما على مستوى التوازنات الأوسع فإن هذا التطور يضغط على معادلة الدعم الإقليمي . أي تراجع في تماسك الدعم السريع يقلل من قدرة داعميه على استخدامه كأداة نفوذ مستقرة ، ويحوّله من “أصل استراتيجي” إلى “عبء سياسي” وفي المقابل يمنح الجيش السوداني فرصة لإعادة تقديم نفسه كشريك يمكن التعامل معه في ترتيبات ما بعد الصراع.



