المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب:مع نهاية الهدنة اليوم هل تصمد دبلوماسية حافة الهاوية؟

هل تنجح إسلام آباد في تحرير شهادة ميلاد الشرق الجديد؟

​تقف المنطقة اليوم على حد السكين بين خيارين لا وسط بينهما، مع انتهاء الهدنة التي حبست أنفاس العالم طوال الأسبوعين المنصرمين، وسط زخم من التكهنات التي تغذيها جولات التفاوض السريّة والعلنيّة في إسلام آباد. إن المشهد الحالي يتجاوز مجرد كونه صراعاً على نفوذ إقليمي، بل هو معركة “عض أصابع” حقيقية يسعى فيها الرئيس ترامب لانتزاع نصر سياسي تاريخي عبر اتفاق مبادئ “أفضل من اتفاق أوباما 2015″، يضمن تصفير مخزون اليورانيوم المخصب الذي تجاوز 400 كيلوغرام، وهو الرقم الذي تعتبره واشنطن “خطاً أحمر” لا يمكن تجاوزه. وفي المقابل، تدخل طهران هذه المفاوضات وهي تدرك أن صمودها العسكري طوال الأيام الـ 39 الماضية هو ورقتها الوحيدة لإجبار واشنطن على رفع الحصار الاقتصادي، مما يجعل الساعات القادمة حاسمة في تحديد ما إذا كانت الدبلوماسية ستنتصر أم أن “الغضب الاقتصادي” الأمريكي سيتحول إلى صدام مباشر في مياه الخليج.

​ويتجلى التوتر في أوضح صوره عند مضيق هرمز، الذي تحول من ممر مائي دولي إلى “طاولة تفاوض” ملتهبة، حيث تتضارب التصريحات الإيرانية بين رغبة الخارجية في التهدئة وإصرار الحرس الثوري على فرض قواعد لعبة جديدة تشمل دفع رسوم عبور وتنسيقاً مسبقاً. هذا التصعيد الملاحي، الذي واجهته واشنطن ميدانياً بالسيطرة على سفينة إيرانية حاولت كسر الحصار البحري، يضع مصداقية القوة الأمريكية على المحك؛ فإما أن ينجح ترامب في “تدويل” المضيق لضمان حرية الملاحة، أو أن تنجح إيران في تحويل الجغرافيا إلى سلاح سيادي يكسر طوق العقوبات. إن تكرار التهديدات بتمديد الهدنة ثم التراجع عنها جعل البعض يستحضر قصة “الرجل والنمر”، متسائلين عما إذا كان ترامب قد استنفد رصيد التخويف، أم أنه يمارس سياسة “الهيمنة” لجر الخصم إلى لحظة الانهيار النفسي قبل الانفجار العسكري.

​وعلى الجبهة اللبنانية، يبدو أن قواعد الاشتباك قد تغيرت جذرياً، حيث تسعى القوى الدولية لفصل المسار اللبناني عن “وحدة الساحات” الإيرانية، تزامناً مع فرض إسرائيل لمنطقة عازلة تحت مسمى “الخط الأصفر” منعت خلالها العودة لـ 55 قرية حدودية، وهو ما وُصف بأنه تطبيق لنموذج غزة في الجنوب. ويثير هذا واقعاً انقساماً حاداً حول دور حزب الله؛ فبينما يراه البعض ورقة قوة استراتيجية لطهران في مفاوضات إسلام آباد، يراه آخرون عبئاً أدى بقراراته إلى احتلال أجزاء من الجنوب ودمار واسع، مما دفع الدولة اللبنانية للتحرك لاستعادة زمام المبادرة والتفاوض كمرجعية وحيدة تضمن السيادة والانسحاب. هذا المسار اللبناني المنفصل بات جزءاً من “صفقة المبادئ” الكبرى التي يسعى الوسطاء لإنضاجها بعيداً عن صخب الجبهات المشتعلة.

​وفي كواليس العاصمة الباكستانية، تبرز فكرة “رهن اليورانيوم المخصب” كحل سحري قد ينقذ الطرفين من السقوط في هاوية الحرب الشاملة؛ حيث تقترح الوساطة نقل المخزون إلى إسلام آباد كضمانة أمان مقابل تخفيف فوري للقيود الاقتصادية. هذا الطرح يهدف إلى تجاوز عقدة “فقدان الثقة المطلق” التي تعرقل أي تقدم، إذ يخشى التيار المتشدد في طهران أن يكون التسليم مؤشراً على الضعف، بينما تصر إدارة ترامب على أن نزع المخزن النووي هو الأولوية القصوى التي تسبق أي حديث عن البرنامج الصاروخي أو الحلفاء الإقليميين. إن نجاح هذا “الاختراق الدبلوماسي” يعتمد بشكل أساسي على مدى تماسك الجبهة الداخلية في كلا البلدين، خاصة مع تزايد التساؤلات حول غياب المرشد الإيراني عن المشهد وصراع الأجنحة داخل طهران بين الدبلوماسية والميدان.

​أما الموقف الدولي والخليجي، فيقف في منطقة وسطى يغلب عليها الحذر من “صفقة ثنائية متسرعة” قد يبرمها ترامب وترحل التعقيدات الأمنية لدول المنطقة والحلفاء الأوروبيين. وهناك صوت متزايد ينادي بضرورة تغيير المعادلة التقليدية التي تجعل واشنطن هي المحدد الوحيد للعلاقة مع طهران، مع التأكيد على أن “الجغرافيا باقية والبوارج راحلة”، مما يتطلب مفاوضات “خليجية-إيرانية” مباشرة تنهي حالة الارتهان للمتغيرات في البيت الأبيض. هذا الوعي الإقليمي يضغط باتجاه تسوية شاملة لا تكتفي بوقف إطلاق النار، بل تضع أسسًا جديدة للأمن الإقليمي تشمل ملفات اليمن والعراق وسوريا، لضمان ألا يكون أي اتفاق نووي مجرد “تجميد مؤقت” يعقبه انفجار أكبر في المستقبل القريب.

​وختاماً، فإن الساعات التي تسبق موعد انتهاء الهدنة غداً هي الاختبار الحقيقي لمصداقية القوة والدبلوماسية معاً؛ فإذا انقضى الوقت دون إعلان عن “وثيقة مبادئ” واضحة أو تمديد تقني مبرر، فإن المنطقة ستواجه سيناريو “هجوم النمر” الذي حذر منه الجميع. إن مآلات انتهاء الهدنة تتأرجح بين اختراق سحري يحول الصراع إلى مسار تفاوضي طويل الأمد، أو العودة لغة الرصاص والسيطرة على السفن في مضيق هرمز، مما قد يخرج الصراع عن السيطرة الدولية. لقد أدرك الجميع أن “التفاوض باللكمات” قد وصل لمنتصف الطريق، وأن القرار النهائي الآن يقع في يد قادة يفضلون لغة الصفقات الكبرى، لكنهم لا يترددون في خوض المخاطر القصوى إذا شعروا بأن صورتهم كقوى عظمى باتت محل شك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى