السودان في العقل الدولي.. “العودة” إلى جدول الاهتمام

ملح الأرض

بقلم/ خالد ماسا

والمتابع للمشكل السوداني في العقود الأخيرة المنصرمة لن يغيب عليه الانتباه إلى حقيقة أن “الملف السوداني” بتمظهراته المختلفة، سلماً كانت أم حرباً، يستحق لقب الملف “الجوال” بامتياز، وأنه قد تعددت زياراته لعواصم العالم والإقليم بغرض التفاوض والنقاش وبحث طرق الحل، وقد نافس ملفات معقدة أخرى مشابهة كملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. فكانت عواصم الإقليم الأفريقي: أديس أبابا، وأبوجا، ونيروبي، وجوبا، وأبشي، والقاهرة، وكمبالا، ولأكثر من مرة، هي واحدة من محطات توقف الملف للتزود بوقود التفاوض دون الوصول لمحطات نهائية للحل. وما عجزت عنه عواصم الإقليم حاولت معه عواصم أخرى في الخليج، فكانت الدوحة القطرية، ولوقت طويل، أحد مزارات المشكلة السودانية ومحور الاهتمام بقضية دارفور، ولاحقاً كانت “جدة” السعودية هي أول من سارع لإطفاء حريق حرب أبريل.

أسباب كثيرة ظلت تدفع بالملف السوداني للتسجيل في دفتر حضور الاهتمام الدولي، في مقدمتها الموقع “الجيوسياسي” في القارة، وتأثير ذلك على أمن البحر الأحمر، وكذلك تأثير قضاياه على قضايا الأمن والسلم الدوليين، وقضايا الهجرة غير الشرعية، والإرهاب، والجريمة العابرة للحدود، ليدخل الملف من أبواب الاهتمام الواسعة في أوروبا وأمريكا، ولم يترك عاصمة إلا وكانت له تأشيرة دخول لاهتماماتها، يتقدم أو يتأخر، ولكنه موجود.

(*) البرهان في “جدة”.. كلاكيت أكثر من مرة..

وزيارة القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة إلى مدينة جدة في 20 أبريل الجاري لم تكن الأولى منذ اندلاع حرب أبريل، وربما تكون قد قاربت أن تضرب الرقم القياسي لزيارات مسؤول سوداني رفيع في زمن وجيز، وهي الزيارة التي اختلفت عن سابقاتها في طريقة الإعلان عنها وجدولتها، إلا أن “أجندة” اللقاء مع ولي العهد السعودي لم تتبدل، وظل ملف الحرب ومجهودات إيجاد اختراق فيه على قمة أولويات اللقاء. إلا أن الجديد هو أنه، وعلى الرغم من انشغال عقل القيادة السعودية بملف آخر ربما يكون أكثر تأثيراً على المملكة في هذا التوقيت، وهو ملف الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران وتأثيراته المباشرة عليها، إلا أن العقل السعودي لا يزال فيه متسع لمواصلة المجهود الداعم لإحلال السلام في السودان وإيقاف الحرب.

الدور السعودي في حرب السودان ينبغي النظر إليه من زاوية وزن المملكة السياسي والدبلوماسي والاقتصادي في العالم حالياً، والذي صارت تمتلك به مفاتيح الحل والعقد بقوتها وقدرتها على ذلك.

تزامناً مع هذه الزيارة غير المجدولة، صدر تقرير عن وكالة “رويترز” يتعلق بحرب السودان، يتحدث عن إيقاف “صفقة سلاح” بمبلغ كبير لصالح السودان مع باكستان، سبق أن أُعلن عنها في الأخبار. اكتفت الحكومة السودانية بالصمت على الخبر الأول بالإعلان عن الصفقة، وبذات الصمت على خبر إيقافها، بينما حاول بعض المحللين الربط بين هذا الخبر والزيارة الأخيرة لرئيس مجلس السيادة إلى مدينة جدة، بادعاء سحب الضمان السعودي للصفقة المشار إليها، وهذا ادعاء يحتاج لأكثر من إثبات حتى يصبح حقيقة يمكن التعامل معها. إلا أن حقيقة الأحوال أن ملف حرب السودان، ومنذ زيارات سابقة، كانت قد كُوّنت لأجله “لجنة مشتركة” بين البلدين، لم يتوقف اجتهادها في البحث عن مسار للحل يمر عبر “جدة” وصولاً إلى بورتسودان.

وبعيداً عن خطاب البروتوكول الدبلوماسي المصاحب للزيارة، إلا أن الحاجة لبيان وتأكيد الموقف للطرف السوداني مما يحدث في الفترة الأخيرة بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، والتزامه بأمن وسلامة المملكة وإدانته لأي اعتداء، وبالمقابل التزام المملكة الثابت بوحدة وسيادة السودان وضرورة لعب دور في تحقيق السلام.

برافعة “ثنائية” بينها والولايات المتحدة الأمريكية، أُقيم منبر جدة التفاوضي لنقاش ملف الحرب السودانية، وعلى أكتاف “الرباعية” لم يغب السودان عن العقل السعودي مع شركاء آخرين. ومن الواضح أن الاهتمام السعودي بملف حرب السودان ينطلق من مجموعة “ثوابت”، جزء منها يتعلق بالموقف من وحدة وسيادة السودان وسلامة مؤسساته، وجزء بأمن المملكة والبحر الأحمر، وهذا يستوجب على الحكومة السودانية الحفاظ على المسافة القريبة بين الرياض والخرطوم لدعم الحل في الملف السوداني.

(*) توزيع أدوار..

فيما يخص ملف الحرب السودانية، فإن الأخبار التي تستحق الربط بينها بناءً على شواهد حقيقية هو تزامن زيارة السيد البرهان إلى جدة مع وصول السيد/ مسعد بولس، المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي لأفريقيا والشرق الأوسط، إلى العاصمة المصرية القاهرة، ولقاء الرئيس المصري/ عبد الفتاح السيسي، ليكون ملف السودان حاضراً بقوة، بحضور عالٍ من وزير الخارجية المصري ورئيس جهاز المخابرات العامة والقائم بالأعمال الأمريكي في القاهرة، بما يعكس مدى اهتمام العقل الأمريكي والعقل المصري بحرب السودان والبحث عن سبل دعم السلام فيه، باستغلال ثقل ووزن الدولتين واقترابهما من تفاصيل الأزمة المشتعلة منذ ثلاثة أعوام.

التأكيد الآخر على عودة الملف السوداني لدائرة الاهتمام الدولي بقوة، وعلى الرغم من أن العالم بأسره الآن يحبس أنفاسه سياسياً وأمنياً واقتصادياً في مضيق “هرمز”، إلا أن مخرجات “مؤتمر برلين” لم تغب في اللقاء المصري الأمريكي، والإشادة بالالتزامات المالية في مقابل المساعدات الإنسانية تعني أن هنالك “تنسيقاً” عالي المستوى يمر عبر برلين وجدة والقاهرة وواشنطن لاستعادة ضبط مصنع القرارات المتعلقة بحل أزمة الحرب السودانية في ذكرى اشتعالها الثالثة، وإبقائها حاضرة في العقل والذهن الدولي.

(*) جوبا على الخط..

لم تعد “السرية” هي الوصف الدقيق لزيارة قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو لعاصمة جنوب السودان “جوبا” الأسبوع المنصرم، والتي رصدتها عدد من الصحف ووكالات الأنباء، ولم تأتِ على ذكر التفاصيل التي دارت في لقائه مع مسؤولين جنوب سودانيين. ولكن يمكن قراءة موقف جوبا من خلال أنها، وحتى الآن، وعلى الرغم من تأثرها المباشر بما يدور في السودان من حرب امتدت لثلاثة أعوام، فيما يخص الجانب الاقتصادي والبترول أو اتهامات الدعم المباشر للمليشيا بالجنود وتوفير الإجلاء للجرحى والمصابين، فهي لم تحدد موقفها بشكل قاطع من ملف القضية: هل الزيارة تأخذ طابع الداعم لجهود إيقاف الحرب واستدعاء الاستقرار في الإقليم إلى جانب ما ذكرناه في “جدة” و”القاهرة”، أم أنها قد اختارت السباحة عكس التيار الدولي والإقليمي الداعم لبناء السلام في السودان؟

(*) أفريقيا.. أدوار “ثانوية” في ملف أساسي..

وعلى الرغم من القرب الجغرافي، وأن السودان هو جزء أصيل من مكونات القارة وتكتلاتها السياسية، إلا أن ملف الحرب في السودان كان قد أعجز القارة وقادتها، وابتعد عن منصات الاتحاد الأفريقي والمنظمة الحكومية للتنمية “إيغاد” بسبب ضعف آليات التأثير من جانب، وكون أن بعض الدول تعاني من ذات المشكلات أو أنها جزء أصيل من حرب السودان. إلا أنها، في بعض الأحيان، تعبر عن رغبتها في مغادرة مقاعد المتفرجين باستضافة اللقاء “التحضيري” للقوى المدنية بأديس أبابا استباقاً لمؤتمر برلين، وخلق تأثير مباشر يمكن أن يُحسب ضمن جهود إنجاح مجهودات دعم السلام في السودان، وإن كان ذلك في هذا المقام يعني احتفاظ القارة بالأدوار “الثانوية” في مقابل الأدوار الأصيلة لأصحاب النفوذ والقدرة السياسية والاقتصادية.

ولا يوجد دليل على “ثانوية” الأدوار في ملف حرب السودان أكثر من الذي صدر على لسان مسؤولي “إيغاد” بعزمهم الدعوة لانعقاد اجتماع يضم “الغائبين” عن مؤتمر برلين، لتقول المنظمة بأنها “موجودة”، ويمكنها اللحاق كصحبة راكب في قطار الاهتمام الدولي بملف حرب السودان.

لا يكفي وجود ملف قضية السودان في العقل الدولي والإقليمي لحل أزمة جذورها ضاربة لما قبل اندلاع حرب أبريل نفسها، بل هنالك ضرورة أولى بتنسيق كل هذه الجهود والسعي لتوحيد المنبر الذي يهتم بمعالجة القضية، وعدم “تشتيت” الذهن الدولي والإقليمي بتعدد المنابر والمنصات، ومحاولة “تثبيت” مناقشات الملف وعدم نسيانه في الخضم المتأثر بقضايا أخرى، واتباع القول بالفعل، خصوصاً فيما يتعلق بالقضايا الإنسانية التي أوجدتها الحرب، والتي لا تنتظر التأجيل، وإنهاء صراع المصالح الذي جعل من السودان أرضاً لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية، وأن يفهم العقل الدولي والإقليمي بأن الواقع “الهش” في السودان، والذي تصنعه الحرب ويتفاقم بتطاول أيامها، سيصنع تأثيراً كبيراً في الإقليم والعالم يصعب السيطرة عليه.

الحكومة السودانية أيضاً عليها استغلال هذا الاهتمام الدولي والإقليمي، وعدم الاستغراق في “شيطنة” كل مسارات الحل المطروحة، والرهان على عامل الوقت لتخفيف الضغط الدولي والإقليمي، ومن ثم فهم وتحليل طريقة العقل الدولي والإقليمي في التعامل وإدارة الحوار، وتحقيق المكاسب التي لا تقل قيمة في تأثيرها عن مكاسب “الميدان”، وأن ما حدث سابقاً يجب أن يكسبها “خبرات” في معرفة كيفية الخروج بالسقف الأعلى من المكاسب حال انفتح العقل الدولي والإقليمي بأفكاره نحو معالجات الأزمة في السودان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى