المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب: مغامرات مياه الخليج العربي- الفارسي

قراءة في زلزال المواجهة الأمريكية الإيرانية
هل يقف العالم اليوم على حافة تحول بنيوي يتجاوز حدود الشرق الأوسط؟
هل يعيد الصراع “الأمريكي- الإيراني” تشكيل موازين القوى الدولية وسط هذه الحالة من “الغموض الاستراتيجي”
بينما يرى البعض أن الرئيس دونالد ترامب قد وقع في “فخ إسرائيلي” نُصب له منذ عقود، يجد نفسه الآن أمام خيارات أحلاها مرّ؛ فإما المضي قدماً في حرب استنزاف تطيح بأسواق الطاقة العالمية، أو القبول بتسوية تخدش نرجسيته السياسية. يصف الباحث السياسي الدكتور أسامة أبو ارشيد المشهد الأمريكي بـ”الفوضى الواضحة”، معتبراً أن ترامب انجرف خلف “أوهام تاريخية” رسمها له بنيامين نتنياهو، و زينتها له دوائر الصهيونية المسيحية التي اقنعته بأنه المسيح المنتظر و أن فرصته لدخول التاريخ كـ”مخلص” مؤاتية ان نجح في “قطع رأس الأفعى” الإيرانية (عماليق العصر) كما تقول الاوهام التوراتية الموضوعة. و هذا التخبط العسكري الذي تعيشه امريكا في الخليج أكدته تقارير تشير إلى محاولة القادة العسكريين “الاحتيال” على ترامب لإبقائه خارج غرف العمليات بسبب طبيعته الانفعالية التي قد تُفشل العمليات المعقدة.
وفي المقابل، يرى البروفيسور جون ميرشايمر أن الاستراتيجية الأمريكية فشلت عسكرياً؛ فإيران انتقلت من مرحلة التهديد بإغلاق مضيق هرمز إلى مرحلة “السيطرة الفعلية” عليه، محولةً إياه إلى ما يشبه “نقطة تحصيل رسوم” دولية. ويحذر ميرشايمر من أن أي استمرار في إغلاق المضيق سيقود العالم إلى “كساد اقتصادي” يفوق في قسوته كساد الثلاثينيات، مما يضع ترامب تحت مقصلة أسعار الوقود والانتخابات الداخلية. ويشير الإعلامي معتز مطر إلى أن طهران تمارس “الصبر الاستراتيجي”، فهي تمتلك رفاهية الوقت والقدرة على تحمل الحصار الذي اعتادت عليه لعقود، بينما يفتقر ترامب لهذه الرفاهية. وفي ذات السياق، يرى الاقتصادي جيفري ساكس أن الصراع كشف “محدودية القوة الأمريكية”، مؤكداً أن فكرة تحكم واشنطن المنفرد في العالم أصبحت “فكرة واهمة”، خاصة مع ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية بلغت 101 دولار للبرميل.
كما أن تداعيات الأزمة لم تقف عند حدود الخليج، بل امتدت لتحدث “طلاقاً عسكرياً” بين واشنطن وأوروبا؛ فحسب رؤية غلين ديسين، فإن استنزاف المخزون الصاروخي الأمريكي، مثل صواريخ باتريوت وتوماهوك، في مواجهة إيران، دفع واشنطن لرفع الغطاء عن حلفائها في الناتو وأوكرانيا، وهو ما سماه ميرشايمر بـ “تحميل المسؤولية للأطراف الأخرى” (Buck passing)، مما يمنح الصين وروسيا فرصة ذهبية لملء الفراغ. وبينما تشترط إيران على لسان السفير مجتبى فردوسي بور رفع الحصار البحري قبل أي تفاوض، يراهن المحللون مثل حسن المصطفى ومحمود المجالي على أن الضغوط الاقتصادية والداخلية قد تجبر طهران في النهاية على القبول بـ”شروط استسلام” مغلفة بإطار دبلوماسي.
أما عما هو متوقع خلال الفترة القليلة المقبلة، فإن الخبير العسكري الدكتور سيد غنيم يحذر من أن الهدنة الحالية ما هي إلا فرصة لأمريكا لإعادة ملء مخازن الذخيرة وحشد المزيد من الحاملات، مثل حاملة الطائرات “جورج بوش”، مما يجعل احتمال “الحسم العسكري المباغت” قائماً في أي لحظة. إن العالم يعيش اليوم “لحظة بلاستيكية” قابلة للتشكل في أي اتجاه، حيث لم يعد الصراع مجرد مواجهة عسكرية، بل مقامرة كبرى على مستقبل الهيمنة الأمريكية، فهل ينجح ترامب في انتزاع “اتفاق القرن” مع طهران، أم أن “أسراب البعوض” والزوارق الإيرانية السريعة ستغرق هيبة القوة العظمى في مياه الخليج الدافئة؟



