صناعة السلام في السودان .. “الشروط الوطنية” للتفاوض ..

ملح الارض ..
بقلم/ خالد ماسا
ظلت عملية صناعة السلام في السودان هي ” فردوس” السودانيين المفقود الذي ظلوا يبحثون عنه في بلد انهكته الحروب وتطاولت ايامها ولم يتركوا سبيلا يوصلهم الى السلام المنشود الا وسلكوه كلما انهكهم الرصاص وتعقدت عليهم أدارة البلاد وبقدر اختلافهم وتباين مواقفهم حول أسباب الحرب ودوافعها السياسية منها أو ” الدينية” .. حروب اقتسام السلطة والثروة وحروبات البقاء والوجود كلها لم يجدوا ” روشتة” يمكن صرفها على نحو دائم لمعالجة أمر متكرر في حياة السودانيين .
كلنا نشبت حرب في السودان يجلس الفرقاء السودانيين لطاولة الحل بعد الوصول لنقطة ” الانهاك” بطاقة لاتؤهلهم لمجهود السلام الدائم ولذلك كانت كل نسخ اتفاقيات السلام السودانية وعلى الرغم من المجهودات الكبيرة المبذولة محليا واقليميا ودوليا الا انها كلها لم تصمد أمام أول أختبار لصلابتها لتعاود عجلة الحرب دورانها من جديد .
(*) مفهوم السلام في القاموس السوداني..
وقد يجد البعض ان ” البداهة” لديها تعريفات متفق عليها في مايخص السلام الا أن ” طفرات” السياسة السودانية وطريقة تفردها في الحرب أظهرت ” جينات” مختلفة ايضا في مسالة صناعة السلام ويكون من المستغرب جدا في بلد بحال السودان ظل يدفع تكلفة الحرب منذ عقود الا ان هنالك تيار عريض في المشهد السياسي السوداني لازال لديه التباس مفاهيمي لعملية السلام ان لم يكن رافض للفكرة من أساسها وكاننا أمام حالة ” أدمان” للحرب نحتاج فيها لاصلاح مفاهيمي في قضايا الحرب والسلام لصناعة أسس واحدة يتم عليها بناء خطط السلام في السودان .
لم تعد صناعة السلام عموما مجرد ” اتفاق سياسي” بين طرفين وصل الخلاف بينهما الى حد الحرب كنماذج معروفة في تاريخ السياسة السودانية البعيد والقريب ويبدو وان بناء اتفاقيات السلام السابقة تأسيسا على هذا المبدأ هو الذي صنع ” عقدة” الفشل الذي ظل ملازما لاي ميثاق سلام تم توقيعه في السودان .
بتعقيد أحوال الحرب في السودان تكتسب تركيبة صناعة السلام في السودان ذات التعقيد لتصبح خليط من اتفاق سياسي وعملية أمنية تحتاج الى ترتيبات اضافة الى الجوانب الانسانية المتعلقة بافرازات الحرب نفسها وأي مكون من مكونات هذا التعقيد يحتاج لاهتمام يصنع منه أضافة حقيقية لصناعة السلام .
نحتاج هنا الى اصلاح مفاهيمي للتفريق بين ادارة الحرب وصناعة السلام فالمعني المباشر قد يجعل منهما مفهومين متلازمين الا انه يجب فصل المفهومين عن بعضهما عند التعريف لان أدارة الحرب عبارة عن عملية ” تكتيكية” بينما تكون عملية صناعة السلام عملية أستراتيجية طويلة الامد تتضمن جزئية ايقاف الحرب القائمة وتوفير الشروط التي تمنع اندلاعها في المستقبل وهو الامر الذي لم يتوفر لكل اتفاقيات السلام السابقة التي أبرمت بين أطراف الصراع السودانيين.
لو اردنا أن نجعل من ” حرب أبريل” المندلعه منذ ثلاثة سنوات هي حرب السودان ” الآخيرة” يجب النظر اليها بعين اختلافها عن كل الحروب التي عرفها السودان من حيث طبيعتها ومن حيث تهديدها لوجود الدولة السودانية من الاساس وقد تبدو سنواتها أقل بكثر من تلك التي انهتها اتفاقية السلام الشامل ” نيفاشا” باتفاق سياسي بين نظام الخرطوم وقتها والحركة الشعبية لتحرير السودان الا أن عملية صناعة السلام في تلك الاتفاقية التي انتهت الى فرض واقع تقرير المصير كخيار لطرف من اطراف اتفاقية السلام فاننا لانظن بان طبيعة الصراع الذي انتج حرب ابريل يمكن أن تلجمة اتفاقية سلام تنتهي بالفصل بين طرفين جغرافيا فالامر هنا بالغ التعقيد الحد الذي وصل بالبعض الى مناقشة قضية الوجود نفسها من عدمه .
(*) كيف يدار التفاوض …؟
وقبل مناقشة الشروط الواجبة للتفاوض يجب علينا تحليل الشروط التي اوجدت الحرب نفسها وتوجيه السؤال عن هل نشبت الحرب تأسيسا على ” محددات وطنية” متعلقة بالسلام نفسه والعدالة وحكم القانون والدستور في السودان وترتيب الاجندة الوطنية في السودان أم هي لم تكن الا واحدة من تمظهرات صراع البعض على اقتسام السلطة والثروة والنفوذ؟
اكتسب الصراع السوداني حدته من الاختلاف حول ” الثوابت” الوطنيه والتي على مايبدو كانت ” المتحرك” عند الكثيرين وفوتت اتفاقيات السلام المتعقدة كلها فرصة الاتفاق على ثوابت وطنية تمنع الحروبات وتصنع السلام الشامل .
المرجعيات الوطنية للتفاوض يجب تاسيسها على ارادة سياسية سودانية وعدم رهن القرار الوطني للارادات الخارجية والمبادرات وتحديد الاولويات التي يجب التعامل معها عند بداية خطوات بناء السلام والمتمثلة بايقاف الحرب وتقديم الجانب الانساني على أي اجندات أخرى في الحرب والتفكير جديا في بناء مؤسسات الدولة كاساس لصناعة سلام مستدام .
في حرب السودان الحاليه يقف تعدد المنابر والمنصات المفتوحة للتفاوض كحجر عثرة أمام خطوات بناء وصناعة السلام في السودان وبدلا من أن يكون هذا التعدد اشعار الاضافة في مسالة سلام السودان كانت الخصم والسبب في تشتيت التركيز المطلوب لبناء السلام في السودان .
يظل غياب ” الشروط الوطنية” هو المهدد الاساسي لبناء السلام المستدام في السودان وتحولت عملية التفاوض حول حرب السودان الى شيء اقرب الى سوق لادارة المصالح الخارجية واجندات اقليمية ودولية تجعل من الارض السودانية ” حلبة” صراع تدفع تكاليف الحرب ويدفع شعبها الثمن الكامل لاستمرارها يوما بعد يوم .
في التفاوض هنالك اتفاق ولو على مستوى الخطاب بالنسبة لقضية وقف اطلاق النار كمدخل لصناعة السلام القائم على الموقف من حماية المدنيين كاولوية في الحرب وفي التجربة العملية لحرب ابريل الحاليه نجد ان هنالك اختلاف تصنعه شياطين التفاصيل في الكيفية التي يتم بها وقف اطلاق النار هل هو ايقاف شامل وفوري أم هو ايقاف مشروط ؟
وقف اطلاق النار في عمليات التفاوض التي تتم بين اطراف حرب كالتي تدور الان في السودان عملية فنية معقدة جدا وتحتاج الى قدر عال من الثقة قد لايتوفر بسبب افرازات الحرب ومن هنا تاتي اهمية ” الرقابة” على عملية وقف اطلاق النار الشيء يستدعي وجود طرف ثالث يكتسب صفة ” الحياد” وياخذ في هذه الحاله المجتمع الدولي هذا الدور وهذا الوضع ايضا يخلق التباسا كبيرا بين الدور المهم في الرقابة على اتفاق وقف النار والمساس بموضوع السيادة الوطنية .
وفي حرب أبريل الحالية يتضح الدور الفاعل في مسالة الرقابة الدولية على مسالة وقف اطلاق النار ولانه لم يتم نقاشها وتنفيذها بشكل جاد عبر منبر جدة فشلت كل الهُدن التي تم الاتفاق عليها في طاولة المفاوضات وهذا يؤكد على ان مسالة وقف اطلاق النار هذه ليست فقط جزء يناقش ضمن اجندة التفاوض ويكتب في الاتفاق السياسي بل عمليةفنية معقدة تساهم بشكل كبير في انتاج مرحلة السلام.
في التفاوض لصناعة السلام في السودان ترتبط مسالة وقف اطلاق النار ارتباط وثيق بالحل السياسي كمرحلة آخيرة من مراحل السلام اذ ليس من الممكن أن يحدث اتفاق سياسي بين المتحاربين بينما لازال الجنود يتقاتلون في الميدان.
التسلسل الطبيعي في مسالة التفاوض لانجاز وصناعة السلام يتطلب الاهتمام بقضية وصول المساعدات الانسانية وطالما ان هنالك اتفاق من كل الاطراف على ان هنالك مدنيين متضررين من الحرب وان هنالك اوضاع انسانية معقدة جراء الحرب تتطلب الاستعجال في ايصال هذه المساعدات وفتح ممرات آمنه لوصولها وهنا ياتي التعقيد في التفاوض حول مناطق السيطرة والمسؤوليات فيها لحماية مرور القوافل الانسانية وسلامة الموظفين الامميين ومن يتولى مسؤولية الاشراف على التوزيع وهل من المناسب ان يكون ذلك تحت اشراف أممي أم يترك الامر لتقديرات الميدان وعدم مناقشة هذه التفاصيل يقود في الغالب الى ” تسيس” العمليات الانسانية وبالتالي صعوبة مناقشتها في المفاوضات .
في المشكل السوداني الحالي هنالك تعقيد كبير وربما هو الذي يباعد مسافة الاتفاق بين المتفاوضين وهو تعقيد ” الشرعية” المتنازع عليها ومن يمثل من اذا ما اوجدت طاولة للتفاوض .
التعقيد الاهم في تفاوض الحل السياسي الذي يعقب المراحل التي تحدثنا عنها سابقا في حرب السودان يتعلق بتصوراتنا لليوم التالي بعد الحرب .. واظن بان هنالك اتفاق على ضرورة وجود جيش قومي واحد وتفكيك جميع المليشيات والتكوينات العسكرية خلاف الجيش وترتيبات قضائية صارمة للمحاسبة وعدم الافلات من العقاب لكل من ثبت تورطه في انتهاكات الحرب او ساهم في الاضرار بممتلكات الدولة والمواطنين .
في التفاوض هنالك عقبات يجب ان تحل بسعة الافق وعدم تبنى الاجندة ” العدمية” والتي تضع العقدة في المنشار وخلاف حول هيكلة التفاوض نفسها نجد انه كان من الممكن تجاوزها حال توفر الشرط الوطني في هل الاولوية لايقاف اطلاق النار ثم الترتيبات الانسانية ومن ثم الذهاب لمناقشة الحل السياسي أم تؤخذ كل هذه المحاور كحزمة واحدة وتتم مناقشتها بشكل كلي ونظن بانه في الحالة السودانية ان ملف الحل السياسي وترتيبات الفترة الانتقالية يتاخر كثيرا عن بقية المناقشات في الملفات الاخرى ويجعل الفصيل المدني بعيدا عن دائرة الحل لاسباب متعلقة بموقف الجيش وتكوينات سياسية وعسكرية ظهيرة له في الحرب اضافة لعوامل لا يممكن اغفالها كانت سببا في عرقله نقاش حلول للحل السياسي تتعلق بحالة الانقسام الكبيرة في الصف المدني وتباين الرؤى أو الاصطفاف الظاهر في الكثير من المواقف والفراغ الكبير الذي تركته القوى السياسية على الارض وغياب الصوت المؤثر بسبب عدم وجود المنصة الاعلامية الموحدة والمؤثرة .
عملية صناعة السلام هذه المره في السودان لن تكون في صيغة صفقة سباسية بين طرفين أو اطراف ووسطاء واصحاب مصلحة بل يتطلب ان يكون عملية تأسيس لدولة باساس متين وقوى لايعيدها عند أول أهتزاز لنقطة الحرب.



