المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب: مزاد الوصاية الناعمة ٢-١

الفصل السابع و تحول “مشرط الجراح” إلى “خنجر الغدر”

بين ألماس تشارلز تايلور ليبيريا وذهب حميدتي السودان.. كررت أفريقيا أسوأ عاداتها

​يُطل “الفصل السابع” من ميثاق الأمم المتحدة كأعتى الأسلحة القانونية في ترسانة المجتمع الدولي، فهو “الأداة الخشنة” التي تمنح مجلس الأمن سلطة تتجاوز حدود السيادة الوطنية بدعوى حماية السلم العالمي. تاريخياً، لم يكن هذا الفصل مجرد نصوص قانونية، بل كان محركاً لجيوش وتحالفات؛ بدأت تجلياته الكبرى في حرب الكوريتين (1950) حين استُخدمت المظلة الدولية لصد غزو الشمال، لتنتهي المعركة بـ “تجميد” الصراع خلف حدود وهمية وهدنة هشة لا تزال قائمة منذ عقود. ثم جاءت تجربة تحرير الكويت (1991) لتمثل النموذج “الأنجع” عسكرياً، حيث تضافر الإجماع الدولي مع وضوح الهدف لاستعادة سيادة دولة مغتصبة، لكنها خلفت وراءها جرحاً عراقياً غائراً بفعل نظام عقوبات “النفط مقابل الغذاء” الذي أثبت أن ثمن التدخل الدولي غالباً ما يدفعه الأبرياء من قوت يومهم لسنوات طوال.

​وفي القارة الأفريقية، تتجلى مآسي الفصل السابع في التردد القاتل الذي وسم تجربة رواندا (1994)؛ فبينما كانت آلة الإبادة تحصد أرواح التوتسي، وقف المجتمع الدولي مكبل اليدين بتفويضات هشة، مما حول التدخل المتأخر إلى “فشل أخلاقي” لا يمحوه الزمن. وعلى النقيض، تبرز سيراليون (1999) وليبيريا (2003) كنماذج للنجاح النسبي، حيث لم يكتفِ التدخل بالبندقية، بل طال “عصب الحرب” عبر تجفيف منابع تمويل “ألماس الدم” وملاحقة الرؤوس الكبيرة. هذا التباين يؤكد أن الفصل السابع ليس عصا سحرية، بل هو أداة تنجح فقط حين تتوافر الإرادة السياسية الدولية الصادقة لملاحقة الجناة وتجريد المليشيات من مصادر قوتها الاقتصادية والعسكرية بالتوازي، بدلاً من الاكتفاء بإدارة الفوضى.

​أما الوجه المظلم لهذا التدخل، فيظهر بوضوح في تجربة الصومال (1992) التي تحولت من مهمة إنسانية “لإعادة الأمل” إلى مواجهة دامية مع الفصائل، انتهت بانسحاب دولي مخزٍ ترك البلاد نهباً لدوامة “الدولة الفاشلة”. وفي العصر الحديث، تظل ليبيا (2011) الشاهد الأكبر على خطورة تجاوز “التفويض الأممي”؛ حيث انزلق حلف الناتو من شعار “حماية المدنيين” إلى إسقاط مؤسسات الدولة بالكامل، مما أدى لانهيار العقد الاجتماعي ودخول البلاد في نفق مظلم من الحروب الأهلية وانقسام المؤسسات. هذه النماذج تكشف أن القوة العسكرية الدولية بارعة في “الهدم” وتحييد الخصوم، لكنها تفتقر تماماً للبوصلة السياسية التي تضمن “بناء السلام” أو الحفاظ على تماسك الدولة الوطنية بعد رحيل آخر جندي أجنبي.

​تزداد المعضلة تعقيداً في جمهورية الكونغو الديمقراطية (1999 – حتى الآن)، وهي أطول وأكبر مهمة تحت الفصل السابع، حيث أُنشئ “لواء التدخل الهجومي” لأول مرة لتحييد المليشيات. ورغم هذه الصلاحيات الواسعة، فشلت البعثة في إنهاء العنف العابر للحدود، مما أدى لتآكل “القبول الشعبي” ومطالبة الحكومة برحيلها. وفي دارفور السودان (2007)، جسدت بعثة “يوناميد” عجز الفصل السابع عن اقتلاع جذور الصراع؛ فبينما نجحت في تأمين معسكرات النازحين جزئياً، اصطدمت بجدار التعنت السياسي وصعوبة الأرض، لينتهي بها المطاف بالانسحاب في 2020 قبل أن يكتمل تضميد الجراح، مما أثبت أن “تجميد” النزاع لا يعني أبداً إنهاءه، بل هو مجرد تأجيل لانفجارات أكثر عنفاً قد تعصف بالبلاد لاحقاً.

​إن أخطر ما يواجه الدول التي تعاني من تمرد الميليشيات على جيوشها الوطنية هو “فخ المساواة” الذي ينصبه الفصل السابع تحت ذريعة “الحل السياسي”. ففي أروقة الأمم المتحدة، غالباً ما تتحول اللغة القانونية إلى “سمّ في العسل”، حيث يُستخدم مصطلح “أطراف النزاع” ليضع الجيش القومي والميليشيا المتمردة في كفتين متساويتين. هذا المنطق لا يكتفي بمساواة الدولة بـ “طرف غير دولتي”، بل يفرض وقف إطلاق النار بطريقة قد تغل يد المؤسسة العسكرية عن أداء واجبها الدستوري في استعادة الأرض، مما يمنح المتمردين “شرعية واقعية” ومناطق نفوذ معترف بها دولياً، وهو ما يمهد الطريق لسيناريوهات “التقسيم الفعلي” كما نرى ملامحه في ليبيا واليمن.

​ولا يمكن قراءة مآلات الفصل السابع وتحدياته دون استحضار شبح “تشارلز تايلور” في ليبيريا، ذلك المتمرد الذي يمثل الحالة النموذجية لصناعة “الوحش” الذي ينقلب على صانعه وعلى كيان الدولة معاً. فتايلور، الذي بدأ حياته قائداً لميليشيا موازية، لم يكن يمتلك قضية أيديولوجية بقدر ما كان يدير “مشروعاً استثمارياً” مغلفاً بالبارود؛ حيث استولى على مناجم الألماس وحولها إلى “خزينة خاصة” لتمويل آلته الحربية وشراء الولاءات العابرة للحدود. وبالمثل، نجد اليوم في السودان استنساخاً كربونياً لهذه المأساة في تجربة “حميدتي”؛ تلك القوة التي صُنعت في دهاليز السلطة السابقة ورُعيت حتى تضخمت لتصبح جيشاً موازياً يمتلك “إمبراطورية الذهب” في مناجم دارفور. لقد تحول الذهب السوداني، تماماً كألمس سيراليون وليبيريا، من مورد وطني إلى “وقود للصراع”، مانحاً الميليشيا استقلالاً مالياً جعلها تتجرأ على التمرد والانقلاب على سلطة البلاد والجيش الوطني، في محاولة يائسة لحماية ثرواتها المنهوبة من مقصلة الرقابة والقانون، مما يثبت أن خطيئة خلق الكيانات الموازية هي الوصفة المؤكدة لانتحار الدول.

​إن الاستناد إلى نموذج “تايلور” في الحالة السودانية يمنحنا أساساً قانونياً وأخلاقياً للمطالبة بضرورة “المطاردة لا التفاوض”؛ فالمجتمع الدولي لم يستعد استقراره في غرب أفريقيا إلا بعد أن أسقط حصانة تايلور وعامله كـ “مجرم حرب” لا كطرف سياسي، وجفف منابع تمويله عبر حظر “معادن الصراع”. ومن هنا، فإن أي لوائح دولية بموجب الفصل السابع تجاه السودان يجب أن تنطلق من مبدأ “وحدانية السلاح” في يد المؤسسة العسكرية الرسمية، والاعتراف بأن الميليشيا التي تستقوي بالذهب والعتاد لابتزاز الدولة هي تنظيم إجرامي يجب تفكيكه وملاحقة قادته. إن تجربة ليبيريا وسيراليون تهمس في أذن السودانيين اليوم بحقيقة قاسية: لا يمكن بناء سلام مستدام مع متمرد يمتلك منجماً وبنكاً؛ لأن السلاح في يده ليس وسيلة للتغيير، بل مطية للوصول الى كرسي السلطة و من ثم حارسا للذهب الذي استخدم لقتل المواطن و نهب ممتلكاته و اغتصاب حرائره و تدمير مرافقه العامة ، و لم يتورع في ارتكاب جرائم الابادة الجماعية في الجنينة و ود النورة و الفاشر ، لذا فإن مطاردته دولياً وتصنيفه كخارج عن القانون هي الخطوة الأولى والوحيدة لاستعادة هيبة الدولة وكرامة ترابها الوطني. ولا ندري لماذا كل هذا التأخير في تصنيف مليشيا الدعم السريع كمنظمة ارهابية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى