الجزء الثاني: التفاهة بين تواطؤ النخبة وغياب الدولة

البعد الخامس..
صناعة التفاهة ..
بقلم: صباح المكي
في الجزء الأول، لم يُقارب هذا المقال التفاهة بوصفها مجرد ظاهرة سلوكية عابرة أو انحدارًا بسيطًا في الذوق، بل بوصفها بنية أعمق تتسلل إلى المجال العام من خلال تخفيف المعنى، وتسريع الإيقاع، وإضعاف القدرة على التمحيص، حتى يختل معيار التقدير نفسه، وتضطرب الطريقة التي نحدد بها من يملك الاستحقاق والأهلية للثقة. وقد تتبّع ذلك الجزء الجذور الفكرية لهذه الظاهرة، من مجتمع الاستعراض عند غي ديبور، إلى منطق الترفيه عند نيل بوستمان، وصولًا إلى الرداءة المؤسسية عند آلان دونو، ليبيّن كيف تتحول التفاهة من مجرد محتوى سطحي إلى نظام يعيد توزيع القيمة، ويكافئ الإثارة، ويقصي الجدارة، ويشارك في صياغة الوعي العام على هذا الأساس المختل. وإذا كان الجزء الأول قد انشغل بسؤال: كيف تعمل التفاهة؟ فإن هذا الجزء ينتقل إلى السؤال الأشد إلحاحًا: من يكرّسها، ومن يتركها تتمدد، وكيف تتواطأ معها بعض النخب، قبل أن يكتمل خطرها بغياب الدولة وتآكل الحارس المعنوي للمجتمع.
*حين يسقط من يُفترض أن يرفعوا المجتمع*
إذا كانت التفاهة لا تنتشر وحدها، فإنها لا تتحول إلى مناخ عام إلا حين تجد من يشرعنها، ومن يتربح منها، ومن يتواطأ معها بالصمت أو المسايرة. وعند هذه النقطة، لا تعود المشكلة في المحتوى وحده، بل في الذين كان يُفترض أن يرفعوا المجتمع، فإذا بهم يهبطون بسقفه، أو يتركونه مكشوفًا أمام الانحدار.
غير أن أخطر ما في صناعة التفاهة ليس صعود مظاهرها وحدها، بل انخراط بعض من يُفترض أنهم نخبة في تكريس مناخها نفسه. ولا تكتمل صورة هذا المشهد من دون التوقف عند مسؤولية أولئك الذين كان يُفترض أن يكونوا في طليعة مناعة المجتمع، لا في طليعة انحداره: بعض من يُنظر إليهم بوصفهم نخبًا، أو سياسيين، أو صحفيين، أو إعلاميين، أو مؤثرين في الفضاء العام. فهؤلاء لا يكتفون، في كثير من الأحيان، بالعجز عن الارتقاء بالحس العام، بل يسهم بعضهم مباشرة في تعميق الانحدار، حين يتخلون عن مقتضيات المسؤولية، وينزلقون إلى لغة الإثارة، والتشهير، والاتهام المجاني، وتصفية الحسابات، وكسر الحدود التي كانت، في المجتمعات السوية، تضبط الفرق بين النقد والتجريح، وبين المساءلة والتشهير، وبين حرية التعبير والانحدار الأخلاقي.
ويكفي أن نتأمل بعض النماذج الصاعدة في المجال العام لندرك أن الأمر تجاوز مجرد انحراف فردي إلى اختلال في معيار الصعود نفسه. فثمة سياسي لا يحمل مشروعًا بقدر ما يحمل قدرة على الاستعراض، يملأ الفضاء بالعبارات الصادمة والمواقف الملتبسة، فيعلن انحيازه إلى الدولة والجيش الوطني، ثم لا يتورع، في الوقت نفسه، عن إبقاء الخيوط ممدودة مع الميليشيا أو التعايش مع خطابها ومصالحها، فيربك الوعي العام أكثر مما يوضحه. وثمة إعلامي أو صحفي يخلط بين التحقيق والتشهير، فلا يعود همه كشف الفساد أو سوء الإدارة، بل تحويل السمعة الشخصية إلى مادة مستباحة للعرض، تمس الحياة الخاصة وتنتهك الكرامة تحت ستار الجرأة أو المهنية، بينما يكون، في أحيان غير قليلة، جزءًا من شبكة نفوذ أوسع من رجالات المال والأعمال والسياسة، تستخدمه أداةً للتصفية لا للمعرفة. وثمة كاتب يتوهم أن القسوة اللفظية عمق، وأن الإهانة شجاعة، وأن الاغتيال المعنوي صورة من صور النقد، فيستبدل الحجة بخشونة العبارة، والفكرة بالتجريح.
وعلى الضفة الأخرى، يتضخم حضور مؤثرين يبنون مجدهم على اقتصاد التشهير، ويصعدون كلما انخفض مستوى الخطاب. يكشفون المستور، أو يختلقون ما يكفي لتحويله إلى مادة رائجة، لا من أجل تنوير المجتمع، بل من أجل جمع الإعجابات واستلاب وعي الأجيال الأصغر سنًا، وتدريبها، من حيث لا تدري، على أن الشهرة والمال يُنالان عبر كسر الستر لا عبر بناء القيمة. وتكتمل هذه الحلقة حين تتحول بعض المنصات وحسابات الدعاية المنظمة إلى مصانع للرعب والانفعال، تقدّم الضجيج بوصفه تأثيرًا، والمواد المروعة بوصفها حقيقة، والتشويش بوصفه سبقًا. وعند هذه النقطة، لا تعود التفاهة مجرد انحدار في الخطاب، بل تغدو هندسة كاملة للارتباك الأخلاقي والمعرفي.
لقد كان التشهير، في أزمنة سابقة، يُنظر إليه بوصفه سقوطًا أخلاقيًا صريحًا واعتداءً على السمعة، والحرمة، والخصوصية، لا مادةً للعرض والترويج. أما اليوم، فقد جرى تطبيع التشهير نفسه، بل تحويله إلى أداة نفوذ، ووسيلة صعود، ومحتوى يُستهلك ويُعاد إنتاجه بلا وخز ضمير ولا حرج أخلاقي يُذكر. وهنا لا تعود المشكلة في وجود الانحراف وحده، بل في تحويل التشهير إلى ممارسة مألوفة، والانحدار إلى أسلوب، والابتذال إلى ترند. وعندما تصدر هذه الممارسات عن أشخاص يملكون منابر، أو صفات عامة، أو مكانةً يُفترض أن تفرض عليهم قدرًا أعلى من الانضباط، أو يُنظر إليهم بوصفهم رموزًا ثقافية ونماذج يُقتدى بها، فإن خطرها لا يقف عند حدود اللحظة، بل يمتد إلى تخريب المخيال الأخلاقي للأجيال الجديدة، وإعادة تشكيل تصورها لمعنى النجاح، بوصفه قدرة على الانتهاك لا على البناء، وعلى الظهور لا على القيمة، وعلى هدم السمعة لا على صناعة المعنى.
إن الخطر هنا ليس أخلاقيًا فقط، بل تربوي وثقافي وحضاري أيضًا. فالأجيال التي تنشأ في بيئة ترى فيها الإهانة جرأة، والتشهير شجاعة، والانتهاك نفوذًا، والانحدار اللغوي والأخلاقي حضورًا، ستنشأ على اختلال عميق في المعيار. ستكبر وهي تظن أن الصعود لا يحتاج إلى قيمة، بل إلى ضجيج، وأن التأثير لا يحتاج إلى فكرة، بل إلى صدمة، وأن الشهرة يمكن أن تُبنى على هدم السمعة لا على بناء المعنى. وبهذا المعنى، فإن ما يُنتج اليوم في اللغة والسلوك والمنصات ليس مجرد فوضى عابرة، بل إعادة تشكيل طويلة المدى لوجدان اجتماعي كامل.
*غياب الدولة وتآكل الحارس المعنوي*
ويزداد هذا المشهد خطورة حين تتراجع الدولة، أو تغيب مؤسساتها الثقافية والتنظيمية، أو يبهت دور وزارة الإعلام والجهات المعنية في حماية المجال العام من هذا التدهور. فحين تغيب السياسة العامة التي تواجه التفاهة، ويغيب الخطاب المؤسسي الذي يصون المعايير، وتغيب المساءلة المهنية والأخلاقية والقانونية لمن يخرقون مواثيق العمل الإعلامي والكتابي، يُترك المجتمع مكشوفًا أمام منطق الفوضى. وعندئذ لا تعود التفاهة مجرد انحراف فردي، بل تغدو مسارًا اجتماعيًا بلا مقاومة، تتسرب آثاره إلى اللغة، والتعليم، والإعلام، وإلى تصورات الأجيال عن أنفسها وعن العالم.
ولهذا فإن خطورة الظاهرة لا تكمن فقط فيما تنتجه من انحدار، بل أيضًا في غياب الحارس المؤسسي الذي كان ينبغي أن يكبح تمددها. فالمجتمع الذي يُترك مجاله العام نهبًا للتشهير، والابتذال، والانفلات الأخلاقي، لا يفقد فقط بعض توازنه الثقافي، بل يفقد تدريجيًا قدرته على حماية صورته عن نفسه، وعلى صون الأفق الذي يتخيّل به مستقبله. وهو، في وجه من وجوهه، شكل من أشكال الفساد المعنوي الذي أنهك السودان، بقدر ما أنهكته أشكال الفساد الأخرى.
*استعادة المعيار: من التشخيص إلى الفعل*
غير أن تشخيص هذه الظاهرة، مهما بلغ من الدقة، يظل ناقصًا إذا لم يفتح الباب على سؤال آخر أشد إلحاحًا: كيف يستعيد مجتمع معياره بعدما طال اعتياده على الانحدار؟ فالتفاهة لا تُهزم بالتحسر عليها، ولا بالشكوى من المنصات وحدها، ولا بمجرد إدانة مظاهرها. ذلك كله قد يتحول، هو نفسه، إلى طقس عقيم من طقوس الرثاء. وما تحتاجه المجتمعات ليس الحزن على المعنى، بل إعادة بناء الشروط التي تسمح له بأن يعيش؛ الشروط التي تجعل الجدارة مرئية، والكلمة الرصينة مسموعة، والحدود الأخلاقية قابلة للاسترداد بعد طول انتهاك.
وأول هذه الشروط أن تستعيد الدولة وعيها بأن حماية المجتمع لا تنحصر في أمنه المادي، بل تشمل أيضًا أمنه المعنوي. والمطلوب هنا ليس وصاية ثقيلة على العقول، ولا رقابة غليظة على الرأي، بل سياسة عامة تعي الفرق بين صون الحرية وتركها نهبًا للفوضى، وبين حماية النقد المشروع وترك الكرامة الإنسانية عرضة للتمزيق. فثمة فارق جوهري بين مجتمع يسمح بالمساءلة ومجتمع يكافئ التشهير، وبين إعلام يراقب السلطة ومنابر تتغذى على التشهير بوصفه سلعة.
غير أن الدولة، مهما فعلت، لا تستطيع وحدها أن تردّ للمجال العام توازنه ما لم تستعد المهن نفسها ضميرها الداخلي. فالإعلام لا يبقى سلطة معرفة إلا بقدر ما يحرس الفرق بين التحقيق والاستباحة، بين حق الجمهور في المعرفة وحق الإنسان في الكرامة، بين كشف الفساد وتحويل الحياة الخاصة إلى مادة مستباحة للعرض. وكذلك النخبة، إن أرادت أن تستحق هذا الاسم، لا يكفيها أن تشكو من الانحدار، بل عليها أن تكفّ عن مسايرته طلبًا للانتشار، وأن تستعيد دورها بوصفها رافعة للوعي لا شريكًا في اضمحلاله.
ثم تأتي الثقافة والتعليم، وهما أبعد أثرًا وأعمق شأنًا، لأن المجتمع لا يُشفى من التفاهة بقرار، بل بإعادة تربية الحس العام. لا بد من تعليم يعيد للناس ملكة التمييز، لا مجرد مهارة التلقي؛ تعليم يربي على التفريق بين الشهرة والقيمة، وبين الجرأة والابتذال، وبين النقد والتجريح، وبين التأثير الحقيقي والضجيج المصنوع. ولا بد من سياسة ثقافية تعيد الهيبة للكلمة، وتردّ للمعرفة التي تحتاج إلى زمن مكانتها، وللإنتاج الذي يرقّي الحس العام قيمته، بدل أن يتملق انحداره.
ولا يقل عن ذلك أهمية أن يراجع المجتمع نفسه نظام مكافآته اليومية. فالتفاهة لا تعيش فقط لأنها تُنتج، بل لأنها تُكافأ: بالمشاهدة، والمتابعة، وإعادة التدوير، والاحتفاء، والفضول الذي يتخفى في هيئة استنكار. وكلما منح الجمهور الضوء لما يجرحه، مدّ في عمر ما يشتكي منه. ومن هنا، فإن مقاومة التفاهة تبدأ أيضًا حين يكف الناس عن التعامل مع التشهير بوصفه ترفيهًا، وعن منح الشرعية لكل ما ينتشر، وعن الخلط بين الواجهة والاستحقاق. فليست المنصات وحدها من يرفع التفاهة، بل أيضًا العيون التي لا تكف عن التحديق فيها.
إن استعادة المعيار ليست ترفًا ثقافيًا، ولا حنينًا محافظًا إلى زمن مضى، بل ضرورة وجودية لأي مجتمع يريد أن يبقى حيًا في وعيه، لا مجرد كتلة بشرية هائلة التفاعل، محدودة الفهم، سهلة التوجيه. فالمجتمعات لا تستعيد نفسها بكثرة لعن الانحدار، بل حين تجعل الارتفاع ممكنًا مرة أخرى، وتردّ للمعنى مكانته، وللكلمة وزنها، وللجدارة شرعيتها، وتعيد التفريق بين ما ينبغي أن يُرى وما ينبغي أن يُستحى منه.
*الخاتمة*
فالأمم لا تفقد نفسها فقط حين تُحتل جغرافيًا، أو تُستنزف اقتصاديًا، أو تُهزم سياسيًا. قد تفقد نفسها أيضًا حين يُعاد تشكيلها، ببطء وعلى نحو منهجي، لتحتفي بما ينزع عنها عمقها ويفسدها من الداخل، وتثق بمن يستهلك وعيها، وتنفر ممن يطالبها بأن تُعمل عقلها. وعندئذ، لا تعود التفاهة مجرد انحطاط في الذوق، بل تصبح مقدمة تاريخية لانكشاف أمة على كل أشكال العبث.
ولهذا فإن معركة المجتمع ضد التفاهة ليست معركة ضد بعض الأشخاص، ولا ضد نوع من المحتوى، ولا ضد جيل بعينه. إنها معركة ضد النظام الذي يصنع الرداءة ثم يقدّمها بوصفها نموذجًا ناجحًا؛ ضد الآلية التي تخلط بين البروز والقيمة، وبين الاستعراض والمعنى، وبين الأثر العابر والاستحقاق؛ وضد العالم الذي يريد للإنسان أن يكون متابعًا جيدًا، لا مواطنًا يقظًا؛ مستهلكًا بارعًا، لا عقلًا حيًا.
وعندما يكفّ المجتمع عن احترام العمق، فإنه لا يفقد فقط لغته الرفيعة أو مستوى نقاشه العام، بل يفقد شيئًا أفدح: قدرته على أن يكون جديرًا بنفسه. وحين يتراجع أصحاب المعنى عن مقاومة هذا الانحدار، لا يظل الباطل في موضعه الطبيعي، بل يتمدّد حتى يلتبس على الناس، ويغدو التزييف، مع كثرة التكرار، أقرب إلى الحقيقة من الحقيقة نفسها.
فالمجتمع لا يسقط يوم يرتفع فيه صوت التفاهة، بل يوم يكفّ عن اعتبار ذلك سقوطًا.
bitalmakki@gmail.com



