“العودة ” تفتح ملف الجامعات
الطلاب بين سندان الإلزام ومطرقة مراكز الخارج..!!

طالب جامعي: نرفض الإلزام ونتمسك بفرصة الامتحانات عبر مراكز الخارج
عميد سابق: العودة المتسرعة تغامر بمستقبل الطلاب وتنسف نجاح مراكز الخارج
باحثة اجتماعية: الضغط على الأسر يولد الانفجار ويحطم الاستقرار النفسي للطلاب
تحفيق :رمضان محجوب
تواجه وزارة التعليم العالي تحدياً مفصلياً مع اقتراب موعد الامتحانات، حيث يتصاعد الجدل حول قرار إلزام الطلاب بالعودة إلى مقار جامعاتهم وتجميد مراكز الخارج. فبين مطالبات أكاديمية بالمرونة ومخاوف طلابية من الواقع الأمني واللوجستي المعقد، تبرز تساؤلات ملحة حول جدوى فرض سياسة الأمر الواقع في ظل ظروف استثنائية. التحقيق التالي يستعرض آراء الطلاب والخبراء حول مآلات هذا القرار وتأثيره على الاستقرار الأكاديمي والاجتماعي للطلاب وأسرهم في ظل الأوضاع الراهنة.
■ خيار صعب
يقول محمد محمود وهو طالب في المستوى النهائي للعودة إن إلزامنا بالعودة في هذا التوقيت يمثل عبئاً لا يطاق، فنحن نقدر قيمة التخرج لكن الظروف الأمنية في بعض الولايات ما زالت تشكل هاجساً حقيقياً لنا ولأسرنا. مشددا علي ان الإبقاء على مراكز الامتحانات الخارجية لهذا العام يمثل مخرجاً آمناً يحفظ مستقبل آلاف الطلاب الذين تقطعت بهم السبل.
■ تبعات أسرية
بدورها تؤكد باحثة في علم الاجتماع في حديثها للعودة أن قرار العودة لا يرتبط بالجانب الأكاديمي فحسب، بل يمتد ليشمل استقرار الأسرة بالكامل. إجبار الطلاب على التحرك يفتح أبواباً من القلق والضغط النفسي، وقد يؤدي إلى نتائج عكسية تظهر في شكل احتجاجات أو عزوف جماعي عن أداء الامتحانات بسبب المخاوف الأمنية المتزايدة.
■ البيئة المهيأة
بينما يرى خبير تربوي أن العودة إلى المقار الأصلية يجب أن تكون في بيئة مهيأة مسبقاً لا بيئة تتهيأ بالطلاب أنفسهم. لا يمكن اختبار قدرة الطلاب على التحمل في ظل نقص الخدمات الأساسية، فالضغط المفرط يولد الانفجار ويهدد العملية التعليمية برمتها، خاصة وأن الطلاب هم الفئة الأكثر حساسية وتأثراً بالأزمات.
■ حلول بديلة
وفي السياق تقترح إحدى الطالبات المتضررات أن تتبنى الوزارة نموذج “الخيار المفتوح”، بحيث يتاح للطالب اختيار المركز الأقرب له سواء بالداخل أو الخارج. هذا النوع من المرونة يقلل التكدس ويراعي التفاوت الكبير في الظروف المادية والأمنية بين الطلاب، ويضمن استمرارية التعليم دون انقطاع أو اضطرار قسري لتجميد العام الدراسي الحالي.
■ منطق الإذعان
في المقابل يحذر مراقبون سياسيون من التعامل مع الطلاب بطريقة “الإذعان”، فالجيل الحالي يمتلك وعياً بحقوقه وقدرة على المطالبة بها بالوسائل المشروعة. ففرض سياسات قاسية في توقيت هش قد يدفع بالشباب إلى التمرد الأكاديمي، وهو ما يجب أن يربأ به المسؤولون عن التعليم العالي في هذه المرحلة الاستثنائية والمعقدة.
■ تجربة سابقة
بدوره يشير عميد سابق بإحدى الكليات في حديثه للعودة إلى أن تجربة العام الماضي أثبتت نجاح مراكز الخارج في استيعاب أعداد كبيرة من الطلاب. العودة إلى المربع الأول وإغلاق هذه النوافذ دون ضمانات كافية بالداخل يعد مغامرة غير محسوبة العواقب، وتراجعاً عن مكتسبات تنسيقية هامة خففت الضغط عن مراكز الولايات الداخلية المكتظة أصلاً.
■ تحدي اللوجستيات
مع موازة ذلك يعاني الطلاب في الولايات من أزمات السكن وتكاليف المعيشة المرتفعة، مما يجعل الحضور للامتحانات معضلة اقتصادية قبل أن تكون أكاديمية. ويؤكد ممثل لرابطة طلابية للعودة أن معظم الأسر لا تملك ترف التنقل والإقامة في ظل توقف مصادر الدخل، مما يجعل قرار الإلزام عائقاً طبقياً يحرم الفقراء من حقهم في الجلوس للامتحانات.
■ صوت العقل
بينما يدعو استشاري نفسي الوزير للاستماع إلى “صوت العقل” وتجنب سياسة النفس القصير، فالتعليم رسالة سامية لا تحتمل صدامات العصا والجزرة. إن الإشارة تكفي لتصحيح المسار وإقرار سنة استثنائية أخرى تمنح الطلاب فرصة التخرج بسلام دون دفع أثمان باهظة من استقرارهم النفسي أو أمنهم الشخصي في ظل الحرب.
■ انفجار الأنبوبة
تشبيه “تسريب الغاز” يجسد خطورة القرارات المتسرعة؛ فمحاولة اختبار الواقع بإشعال فتيل الإلزام قد تؤدي لانفجار ينهي ما تبقى من استقرار أكاديمي. المرونة هي الصمام الحقيقي للأمان الذي يمنع وقوع الكوارث التعليمية والاجتماعية في ظل حالة الاحتقان الراهنة التي تعيشها معظم الأسر السودانية النازحة والمكتوية بنيران النزوح.
■ استقرار الأوضاع
ويبقى الرهان الأكبر على قدرة الوزارة في تهيئة البيئة التعليمية بشكل كامل قبل فرض العودة الشاملة. إن حزم الأمر للعام القادم يبدو منطقياً أكثر من التسرع الآن، مما يمنح الجميع فرصة لترتيب الأوضاع اللوجستية والأمنية بما يليق بالجامعات السودانية وعراقتها ويحفظ للطلاب كرامتهم وحقهم في بيئة تعليمية آمنة ومستقرة.
■ رؤية ختامية
عموما يتبين لنا من الإفادات السابقة أن المرونة ليست تنازلاً، بل هي ضرورة حتمية لإدارة الأزمة الأكاديمية الراهنة بوعي وحكمة. إن الإبقاء على الخيارات مفتوحة أمام الطلاب يضمن سلامتهم ويحقق هدف التخرج المنشود دون خلق جبهات صراع جديدة. الكرة الآن في ملعب وزارة التعليم العالي لتقديم نموذج في الإدارة الرشيدة يراعي الظرف الإنساني قبل اللوائح الجامد.



