هل إقتربت ساعة الحسم الشامل؟ (2)..

من يسعي للتأثير على الوعي الجمعي لتخفيف وقع التحولات القادمة..أو لإرباكها؟؟!!..

ما بعد التآكل.. مناورات السياسة علي حافة الإنهاك الأخير..

منتصف مايو.. هل تبدأ الدولة معركة التأسيس السياسي بعد الحسم الميداني؟..

بين الشائعات وجس النبض.. من يصوغ المشهد الجديد ومن يقتنص الوقت الضائع؟..

الإقليم يعيد الحسابات.. المجتمع الدولي يراقب.. والمليشيا تواجه عزلة السلاح والمجتمع..

تقرير تحليلي / علم الدين عمر

مدخل..

فيما يبدو كإنتقال واسع من ضجيج المعركة إلى صراع هندسة المستقبل.. يقف السودان أمام سانحة إعادة تعريف الدولة..حيث تشير المطعيات المنطقية لإقتراب نقاط التحول الحاسمة.. وعليه لا يصبح السؤال المركزي متعلق فقط بتغييرات الميدان.. بل بمن يمتلك القدرة على صياغة ما بعد الميدان..فبعد نيف وثلاث سنوات أوصلت القوات المسلحة والدولة الأمور لمرحلة الإنهاك الإستراتيجي للمليشيا.. وأنتقلت تلقائياً من مربع السيطرة العسكرية إلى فضاء أكثر تعقيداً يتعلق بإعادة بناء الدولة والعقد الإجتماعي المتوقع.. وبرنامج إنتاج التسوية.. وصناعة شكل الدولة القادمة..

حيث تبدو هذه النقطة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.. فالتطورات المتسارعة في دارفور.. والتآكل الإجتماعي المتزايد داخل الحواضن التي إعتمدت عليها المليشيا.. وتنامي مؤشرات الإنهاك البنيوي لمشروعها.. كلها عوامل تدفع المشهد تدريجياً نحو مرحلة جديدة عنوانها الأبرز.. ما بعد التفكك..

غير أن أهمية هذه المرحلة لا تنبع فقط من تراجع مشروع مسلح فقد كثيراً من روافعه.. بل من تزامن ذلك مع دعوات الدولة إلى إطلاق عملية سياسية منتصف مايو المقبل.. وهي دعوة لا يمكن قراءتها كمحاولة لكسب الوقت غير المتوفر كما كان يحدث في السابق.. بل كمؤشرا على إدراك متقدم داخل مؤسسات الدولة بأن الحسم العسكري—حان وقت ترجمته إلى مشروع سياسي يعيد تنظيم المجال العام.. ويمنع إنتاج الفوضى بصيغ جديدة..

وفي ظل الشائعات الكثيفة وأتساع دوائر جس النبض.. وازدياد محاولات الإرباك..بدا واضحاً أن جميع الأطراف تدرك أن السودان قد يكون على أعتاب لحظة تأسيسية فارقة.. لحظة قد تعيد رسم بنية السلطة.. وشكل التحالفات.. وموقع الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين في الخارطة الجديدة..

 

أولاً.. العملية السياسية المرتقبة.. فرصة التأسيس ومخاطر الإختراق..

 

كل عملية سياسية تُطرح في بيئة ما بعد الحرب تحمل في جوهرها سؤالين متناقضين..هل هي منصة لإعادة بناء الدولة؟.. أم بوابة لإعادة تدوير الأزمة؟..

وفي الحالة السودانية.. تبدو حساسية هذا السؤال مضاعفة.. لأن التجربة السابقة أظهرت كيف يمكن لبعض المنابر أن تتحول من أدوات للحل إلى مسارات لإعادة إنتاج التشظي تحت عناوين جديدة..

لذلك.. فإن أي عملية سياسية في مايو لن يُكتب لها المعنى الإستراتيجي إلا إذا تأسست على قاعدة واضحة متمثلة في أن العمل السياسي إنما هو تتويج لتحولات الميدان..وليس بديلاً عنها.. وأن الشرعية الوطنية لا تُمنح كجائزة ترضية للقوى التي أسهمت في تخريب المجال الوطني.. بل تُبنى وفق معايير تتصل بالمصلحة العامة.. ووحدة الدولة.. ومنع إعادة تدوير السلاح داخل الأُطر السياسية..

المعركة الحقيقية ليست فقط حول من يشارك.. بل حول طبيعة الفكرة المؤسسة نفسها..هل نحن أمام تسوية تُغلق أبواب الحرب؟.. أم أمام إعادة توزيع نفوذ مؤقتة؟..

هذا هو الفارق بين مشروع الدولة.. ومشروع الهدنة القابلة للإنفجار..

 

ثانياً.. الشائعات وجس النبض..الحرب النفسية علامة على إضطراب المراكز القديمة..

 

في الفترات التي تسبق التحولات الكبرى.. ترتفع كثافة الشائعات عادة ليس لأنها تعكس قوة الفاعلين.. بل لأنها تكشف حجم القلق داخل البنى المهددة بالإنهيار..وهذا الشأن يخص القوي التلقيدية الراسخة والحديثة الهشة معاً..

ما يجري الآن في الساحة السودانية من ضخ متواصل للتكهنات.. وتسريب تصورات متناقضة حول التسويات.. والتحالفات.. ومستقبل القيادات.. يشير إلى أن البلاد دخلت فعلياً مرحلة الحرب الإدراكية المكثفة.. حيث تسعى أطراف متعددة إلى التأثير على الوعي الجمعي.. إما لتخفيف وقع التحولات القادمة.. أو لإرباكها.. أو لإنتزاع مكاسب تفاوضية مسبقة (ما يعرف في العلوم السياسية بتعزيز الموقف التفاوضي)..

لكن القراءة الأعمق تقول إن تصاعد هذا النمط غالباً ما يكون من مؤشرات إقتراب التحول.. لأن الأطراف التي تفقد أوراقها الصلبة.. تلجأ عادة إلى إدارة الضباب..

وعليه.. فإن التحدي الأكبر أمام الدولة والمجتمع ليس فقط في مواجهة الشائعة.. بل في إنتاج خطاب وطني واضح.. متماسك.. يشرح للناس طبيعة المرحلة.. ويمنع الفراغ التأويلي الذي تتغذى عليه الفوضى..

 

ثالثاً.. الإقليم والمجتمع الدولي..من إدارة الأزمة إلى إعادة التموضع..

 

المشهد الإقليمي والدولي بدوره لا يتحرك بمعزل عن هذه التحولات.. فمع تراجع قابلية مشروع المليشيا للإستدامة.. تتجه قوى عديدة إلى مراجعة رهاناتها.. ليس بالضرورة إنحيازاً أخلاقياً..ولكن بحسابات الواقعية السياسية..

الفاعلون الإقليميون باتوا أكثر حساسية تجاه مخاطر الفوضى الممتدة.. خاصة مع تنامي كلفة الإنهيار على الأمن الحدودي.. والهجرة.. والإقتصاد.. بينما يبدو المجتمع الدولي أكثر ميلاً للبحث عن مقاربة تحفظ الحد الأدنى من تماسك الدولة.. بدلاً من المقاربات الرمادية التي ساهمت سابقاً في تمديد الأزمة..

هذا لا يعني غياب التنافس.. لكنه يعني أن مساحة المناورة أمام المشروع التفكيكي تتراجع.. وأن الأولوية الدولية والإقليمية قد تنتقل تدريجياً من سؤال “من يسيطر؟” إلى سؤال “كيف يُعاد إنتاج الإستقرار؟”

وهنا تبرز فرصة السودان.. إذا أحسن إدارة وقته.. في تحويل التحول الميداني إلى مكسب سياسي سيادي..بدلاً عن تحويله لساحة وصاية جديدة..

رابعاً.. التفكك الإجتماعي للمليشيا.. سقوط البنية الحاملة قبل البندقية..

 

المؤشر الأكثر حسماً في أي صراع داخلي ليس عدد المقاتلين فقط.. بل قدرة المشروع على الإحتفاظ بشرعيته الإجتماعية..

ومع تزايد مؤشرات التململ داخل البيئات المحلية.. وتراجع قابلية المجتمعات لتحمل كلفة الحرب المفتوحة.. يصبح التفكك أكثر عمقاً من مجرد خسارة ميدانية.. لأنه يتحول إلى فقدان للمعنى (المشروع كما تزعم المليشيا)..

إذ يبدو أن المجتمعات بدأت تدرك أن المشروع تحول لعبء على البقاء..وليس وسيلة للحماية كما جري توصيفه.. وبذلك تدخل الأزمة طورها الأخطر بالنسبة له..

وهذا ما يجعل لحظة الحسم الشامل أقرب إلى عملية تراكمية.. إنهيار في الرواية.. ثم في الحاضنة.. ثم في القدرة العملياتية.. ثم في قابلية البقاء السياسي..

 

خامساً.. ما بعد الحسم..التحدي الحقيقي يبدأ بعد توقف المدافع..

 

أخطر الأخطاء التاريخية أن تتعامل الدول مع الحسم العسكري بإعتباره نهاية الأزمة.. بينما هو في الحقيقة بداية الإختبار الأصعب..

السودان بعد هذه المرحلة سيكون أمام تحديات كبرى.. دمج المجتمعات المتأثرة.. منع الإنتقام الإجتماعي.. إعادة بناء الثقة.. إصلاح المؤسسات.. وإطلاق مشروع وطني يقطع الطريق أمام أي عودة جديدة للفوضى..

النجاح في هذه المرحلة يتطلب الإنتقال من منطق إدارة الحرب.. إلى منطق إدارة السلام الصعب.. حيث تصبح العدالة.. والتنمية.. والتوازن السياسي.. عناصر أمن قومي..وليس مجرد ملفات خدمية..

 

أخيراً.. ساعة الحسم أم ساعة التأسيس؟..

 

المؤشرات المتراكمة—ميدانياً.. وإجتماعياً.. وسياسياً.. وإقليمياً—توحي بأن السودان يقترب بالفعل من لحظة فارقة.. لكن جوهر هذه اللحظة لا يتعلق فقط بإسقاط مشروع متآكل.. بل بقدرة الدولة على تحويل الإنهاك العام إلى بداية تأسيس جديد..

منتصف مايو قد لا يكون مجرد موعد سياسي.. بل قد يصبح إختباراً لقدرة السودانيين على الإنتقال من رد الفعل إلى الفعل المؤسس..

فإذا نجحت الدولة في الجمع بين الحسم.. والتسوية الوطنية المنضبطة.. وإعادة بناء العقد الإجتماعي.. فقد يكون السودان أمام بداية مرحلة مختلفة..

أما إذا تحولت إلى مساومات قصيرة النظر.. فإن الوقت الضائع قد يتمدد.. ولو بأدوات جديدة..

ولهذا.. فإن السؤال لم يعد فقط..هل اقتربت ساعة الحسم الشامل؟..

بل أصبح: هل تملك الدولة والنخب والمجتمع القدرة على تحويل الحسم إلى مشروع وطني جامع.. لا إلى مجرد نهاية معركة؟..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى