د. محمد الناير يفكك شفرة اقتصاد “التعافي” عبر (العودة) :

2026 عام “الانتقال القلق” والاقتصاد السوداني يتحرك بنمو موجب طفيف
الولايات الآمنة “صمام أمان” مَنَعَ انهيار الدولة السودانية
200 مليون فدان صالحة للزراعة تنتظر تفجير الطاقات في مرحلة الإعمار
الذهب “طوق نجاة” والولايات الآمنة تنتج 80% من ثروة السودان المعدنية
السودان “آمن غذائياً” والمشكلة تكمن في القوة الشرائية
أزمة مضيق هرمز تمنح الموانئ السودانية فرصة ذهبية لتكون “البديل اللوجستي” العالمي
أطالب ببناء احتياطي استراتيجي من الذهب لحماية العملة الوطنية
80% نسبة تضرر القطاع الصناعي.. وأقترح “توزيعاً جديداً” للمصانع بالولايات
لا نخشى العزلة الدولية.. وروسيا والصين توفران أنظمة دفع بديلة
سعر برميل النفط تجاوز 90 دولاراً فـضاعف كلفة المعيشة على السودانيين
90% من الكتلة النقدية خارج المصارف والحل في “الرقابة الذكية”
استراتيجية ما بعد الحرب تتطلب”حكومة كفاءات” وتنمية متوازنة لتفجير الموارد الكامنة
حاوره: رمضان محجوب
يرسم الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الناير في هذا الحوار ملامح المشهد الاقتصادي السوداني لعام 2026 عبر لغة الأرقام والوقائع الميدانية. ويتناول حواره مع العودة أثر ارتفاع أسعار النفط عالمياً وتجاوز الديون الخارجية حاجز 65 مليار دولار، مع التركيز على استراتيجيات بديلة لكسر العزلة الدولية. ويطرح الناير عبر “العودة ” رؤية فنية جريئة لتوظيف موارد السودان، ومنها 200 مليون فدان صالحة للزراعة، كصمام أمان لتحقيق استقرار مستدام في مرحلة ما بعد الحرب…..
▪️ كيف تقيمون علمياً أداء الاقتصاد السوداني خلال الربع الأول من عام 2026 الحالي؟
= يفتقر تقييم الربع الأول للبيانات الرسمية، إلا أن المؤشرات تؤكد تحسناً نسبياً مقارنة بالأعوام السابقة؛ نظراً لانحصار النزاع في مناطق محدودة. شهدت هذه الفترة تعديلاً في الأجور، لكن تراجع قيمة العملة وارتفاع أسعار الوقود بنسبة بلغت 20% تقريباً امتصا هذه الزيادة، مما ضاعف كلفة المعيشة. تسعى الحكومة للسيطرة على العجز الذي فاق 30% من الموازنة، بينما يظل إنتاج الولايات الآمنة هو الركيزة التي منعت الانهيار. إن اقتصاد 2026 بدأ يتحرك بنمو موجب طفيف يقدر بنحو 1.5% مستفيداً من مرونة الموارد الذاتية. يمثل هذا الربع مرحلة “انتقال قلقة” تتطلب إفصاحاً مالياً دقيقاً، حيث يظل الثقل الإنتاجي بالولايات المستقرة هو الضمانة لحماية البلاد من التداعيات العميقة للحرب، بانتظار استعادة كامل الطاقة التشغيلية للمشاريع الكبرى المعطلة حالياً.
▪️ ما أثر التوترات العسكرية الإقليمية الأخيرة في الشرق الأوسط على كلفة الشحن والموانئ السودانية؟
= أزمة مضيق هرمز أربكت الحسابات ورفعت أسعار النفط عالمياً لتتجاوز حاجز 90 دولاراً للبرميل، مما كبّد السودان زيادات متتالية في أسعار المحروقات. ورغم هذه الضغوط، تبرز فرصة ذهبية للموانئ السودانية لتلعب دور “البديل اللوجستي” لملاحة البحر الأحمر التي تمر عبرها 12% من التجارة الدولية. الولايات الآمنة قادرة على سد النقص العالمي في محاصيل حيوية إذا تم تطوير البنى التحتية على ساحل طوله 750 كلم. الموقع الجغرافي للسودان يؤهله ليكون معبراً رئيسياً يربط المنطقة العربية بأفريقيا، مما يقلل من حدة الاختناقات الملاحية الإقليمية. إن استغلال هذا الظرف يتطلب تقديم تسهيلات للمصدرين لجذب العملات الصعبة، خاصة وأن كفاءة الميناء الرئيسي لم تتأثر، مما يمنح السودان ميزة تنافسية كبرى كمنصة شحن وتفريغ بديلة ومؤمنة في ظل الأزمات الراهنة.
▪️ هل يمتلك السودان مخزوناً استراتيجياً كافياً من السلع الأساسية لمواجهة إغلاق طرق التجارة؟
= السودان في وضع آمن غذائياً؛ فالمعابر والموانئ تعمل بانتظام، والإنتاج المحلي يغطي الاحتياجات الضرورية لنحو 45 مليون سوداني. التقارير الدولية المحذرة من مجاعة شاملة لا تستند إلى حقائق، فبلادنا تمتلك موارد تمنع حدوث فجوة حادة في محاصيل كالذرة والقمح. تأثرنا فقط بارتفاع تكاليف الأسمدة بنسبة 15% عالمياً، لكن تدفق السلع عبر الممرات البديلة قلل من وطأة الأزمة. الاعتماد على الإنتاج الوطني هو حائط الصد الأول، والبلاد لم تعانِ من نقص سلع حاد رغم تقلبات مضيق هرمز. استمرار الملاحة مع الموانئ الصديقة يؤمن انسياب السلع الاستراتيجية بانتظام. المشكلة ليست في توفر السلع بل في قوتها الشرائية وتكاليف ترحيلها التي تضاعفت مؤخراً؛ لذا فإن دعم صغار المنتجين يضمن استدامة الإمداد الغذائي الوطني، وتأمين احتياجات السوق المحلي بأقل التكاليف الممكنة.
▪️ إلى أي مدى ساهم ارتفاع أسعار الذهب عالمياً في دعم خزينة الدولة السودانية؟
= يمثل الذهب “طوق نجاة”، حيث تقع مناطق الإنتاج الكبرى في ولايات آمنة تنتج نحو 80% من الإجمالي القومي. ارتفاع أسعاره عالمياً فوق 2400 دولار للأوقية يدعم الموازنة ويقلص العجز إذا تمت السيطرة على التهريب. الرؤية الفنية تقتضي بناء احتياطي استراتيجي ليكون غطاءً نقدياً يحمي الجنيه من الانهيار. السودان غني بأكثر من 30 معدناً، لكن الذهب يظل الرافد الأسرع لتوفير السيولة الدولارية لاستيراد السلع الحيوية. استقرار الولايات المنتجة يوفر فرصة لتعويض الفاقد من مناطق النزاع وتمويل المجهود الحربي والتنموي. نحتاج لسياسات تشجيعية تضمن توريد المنتج للبنك المركزي بأسعار عادلة. إن استغلال الطفرة السعرية للذهب عالمياً سيخفف الضغط على الميزان التجاري، ويساهم في استقرار العملة الوطنية بشكل ملموس عبر زيادة الاحتياطيات النقدية والسيطرة على سوق الصرف.
▪️ ما هي قراءتكم لواقع الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية في ظل شح الصادرات؟
= يتعرض الجنيه لضغوط عنيفة نتيجة زيادة الإنفاق السيادي، حيث فقد جزءاً كبيراً من قيمته، مما يتطلب تدخلات نقدية حاسمة. كبح التضخم الذي تجاوز أرقاماً قياسية يظل التحدي الأكبر، ولا سبيل إلى ذلك دون توفير احتياطيات ذهبية قوية. إعادة هيكلة المصارف ودمجها خطوة ضرورية لخلق كيانات برؤوس أموال ضخمة قادرة على المنافسة. تراجع الصادرات بنسبة تفوق 60% بسبب الحرب حدّ من تدفق النقد الأجنبي، مما يستدعي ترشيد الاستيراد. استقرار سعر الصرف مرتبط بتحفيز تحويلات المغتربين التي تقدر بمليارات الدولارات سنوياً. الحل يكمن في تكامل السياسات لتقليل طباعة العملة والسيطرة على الكتلة النقدية التي يتداول 90% منها خارج المصارف. تفعيل الرقابة الصارمة سيحد من مضاربات السوق الموازية ويحمي القوة الشرائية للمواطنين في ظل الأزمة الراهنة.
▪️ هل هناك مخاطر حقيقية من تحول السودان لمنطقة عزلة بسبب انشغال القوى الدولية؟
= لا نخشى العزلة إذا توجهنا نحو القوى الصاعدة مثل مجموعة “بريكس” التي تمثل 40% من سكان العالم. السودان لم يجنِ فوائد من الوعود الأمريكية السابقة، وظل يعاني من قيود التحويلات المصرفية. العالم يتحول إلى تعدد الأقطاب، وروسيا والصين توفران أنظمة دفع بديلة تتجاوز هيمنة “سويفت”. الانضمام للتكتلات الشرقية يحقق مصالحنا بعيداً عن الإملاءات السياسية والتدخل في الشؤون الداخلية. السودان يمتلك موارد استراتيجية تجعله شريكاً مرغوباً في أسواق ناشئة ضخمة. التوجه شرقاً يوفر بدائل للتمويل والتكنولوجيا دون شروط مجحفة، ويفتح آفاقاً جديدة للتجارة والاستثمار. النموذج الصيني أثبت نجاحه في أفريقيا لأنه يركز على التنمية والمصالح المشتركة. كسر طوق العزلة يتطلب دبلوماسية اقتصادية نشطة تسوّق لفرص الاستثمار. الانفتاح على العالم المتعدد الأقطاب سيحرر اقتصادنا من التبعية ويمنحنا مرونة أكبر في إدارة مواردنا الوطنية.
▪️ كيف يمكن توظيف الموارد الزراعية بالولايات الآمنة لتعويض الفاقد بمناطق النزاع الملتهبة؟
= يمتلك السودان 200 مليون فدان صالحة للزراعة، والولايات الآمنة كفيلة بتحقيق الأمن الغذائي وتوفير فائض للتصدير. إنتاج الذرة الحالي الذي تجاوز 5 ملايين طن فاق حاجة الاستهلاك، مما يؤكد صمود القطاع رغم الحرب. مشروع الجزيرة والولايات الشمالية يمثلان الركيزة الأساسية للتعويض عن مناطق النزاع. الرؤية تقتضي تكثيف الاستثمار وتوفير المدخلات بأسعار تشجيعية لزيادة الإنتاجية للفدان. توظيف مياه النيل والمياه الجوفية في المناطق المستقرة يضمن استدامة الإمداد طوال العام. السودان مؤهل ليكون سلة غذاء إقليمية في ظل الاضطرابات العالمية التي قللت معروض الحبوب. التركيز على الولايات الآمنة سيخلق توازناً تنموياً ويخفف الضغط عن المدن الكبرى. القطاع الزراعي هو المحرك الفعلي للنمو، واستغلاله الأمثل سيخفض عجز الميزان التجاري بنسبة كبيرة. النهوض بالزراعة في المناطق المستقرة هو الضمانة الوحيدة لتأمين احتياجات الشعب وتجاوز محنة الحرب.
▪️ ما أثر تذبذب أسعار الطاقة العالمية على القطاعين الصناعي والزراعي المنهكين بالسودان؟
= تذبذب الأسعار عالمياً، ووصول النفط إلى 90 دولاراً، فرض تبني حلول كالطاقة الشمسية لتقليل التكاليف؛ إذ تشكل الطاقة 40% منها. القطاع الصناعي يعاني من ارتفاع الرسوم وكلفة التشغيل، مما يضعف تنافسيته أمام المستورد. نحتاج لدراسات لتقليل الفاقد وتحسين الجودة، مع ضرورة تصنيع المواد الخام لزيادة قيمتها المضافة. التنسيق مع القطاع الخاص ضروري لتأمين إمداد كهربائي مستقر يضمن دوران عجلة المصانع. التحول للطاقة المتجددة لم يعد خياراً بل ضرورة للاستمرار في ظل الغلاء العالمي. توفير طاقة رخيصة هو المفتاح لخفض أسعار السلع الوطنية وتنشيط الأسواق. القيمة المضافة من تصنيع محاصيلنا محلياً ستحقق عائدات دولارية تضاعف أرباح تصديرها خاماً. النهوض بالصناعة والزراعة مرتبط باستقرار قطاع الطاقة وتحديثه. الدولة مطالبة بتقديم حوافز للمصانع التي تعتمد البدائل النظيفة لتخفيف العبء عن الشبكة القومية، مما يعزز من مكانة المنتج الوطني.
▪️ هل نجحت سياسات بنك السودان المركزي الأخيرة في كبح التضخم أم الركود؟
= قطع المركزي شوطاً في تقوية الجهاز المصرفي، لكن التضخم الذي وصل إلى مستويات ثلاثية الأرقام يظل جامحاً. الأرقام الرسمية قد لا تعكس الواقع المعيشي، مما يستوجب سياسات نقدية أكثر واقعية. التحدي يكمن في الموازنة بين سحب السيولة وتحفيز الأسواق لتجاوز الركود. زيادة رؤوس أموال البنوك لتبلغ مستويات تنافسية سيمكّنها من تمويل المشاريع الإنتاجية الكبرى. استعادة الثقة بالنظام المصرفي هي الخطوة الأولى لاستقرار سعر الصرف وضبط الأسعار. نحتاج لتفعيل الدفع الإلكتروني والسيطرة على الكتلة النقدية الضخمة خارج المصارف. نجاح هذه السياسات مرهون بالتنسيق لتقليل العجز ومنع طباعة العملة دون غطاء. المركزي مطالب بمرونة أكبر في التعامل مع متغيرات الحرب لدعم القطاع الخاص. إن استقرار الأسواق لن يتحقق إلا بسياسات تلمس حياة المواطن وتوقف نزيف القوة الشرائية المنهارة، مما يمهد الطريق لتعافي اقتصادي حقيقي وشامل.
▪️ كم يبلغ حجم الفجوة التمويلية التي يحتاجها السودان لإعادة تشغيل المصانع المتوقفة؟
= تضرر القطاع الصناعي بنسبة 80% يستوجب استراتيجية جديدة لتوزيع المصانع بالولايات الآمنة لتفادي المخاطر مستقبلاً. إعادة التشغيل تتطلب تمويلاً يقدر بمليارات الدولارات وتطوير البنية التحتية عبر شراكات بنظام (B.O.T) لجذب رؤوس الأموال لإعادة بناء القاعدة الصناعية وفق ميزات كل ولاية. الفجوة التمويلية كبيرة، لكن يمكن سدها عبر صناديق استثمارية وجذب المستثمرين في مرحلة إعادة الإعمار. توطين الصناعات الغذائية والدوائية أولوية قصوى لتقليل فاتورة الاستيراد وتأمين الاحتياجات الأساسية. نحتاج لمدن صناعية متكاملة تتوفر فيها الطاقة والخدمات اللوجستية بعيداً عن تمركز المخاطر. المصانع المتضررة تحتاج لتمويلات ميسرة وإعفاءات ضريبية لتعاود الإنتاج بكفاءة. التعاون بين البنوك والمستثمرين هو السبيل الوحيد لإعادة الحياة للماكينات. النهضة الصناعية القادمة يجب أن تقوم على القيمة المضافة واستغلال مواردنا المحلية لرفع كفاءة الاقتصاد الوطني وتوفير فرص العمل.
▪️ كيف تنظرون إلى تقارير المؤسسات الدولية التي تتحدث عن مؤشرات نمو بالسودان حالياً؟
= بدأ الاقتصاد يتحول ببطء نحو النمو الموجب بنحو 1% رغم ظروف الحرب، بفضل صمود القطاعات التقليدية. التقارير الدولية تشير إلى تحسن تدريجي، لكن التحليل الدقيق يظل رهيناً بصدور البيانات الرسمية للربع الأول 2026. الصمود الحالي يعكس مرونة الموارد السودانية وقدرتها على امتصاص الصدمات بفضل الإنتاج الزراعي والتعديني. يجب الحذر من التفاؤل المفرط والتركيز على الإصلاحات الهيكلية التي تضمن استدامة هذا النمو. النمو المنشود هو الذي يلمسه المواطن في معيشته اليومية ويقلل من معدلات البطالة المرتفعة. استقرار الولايات الآمنة دفع عجلة الاقتصاد للأمام، لكن الوصول لمعدلات نمو مرتفعة يتطلب نهاية الحرب تماماً. الدولة مطالبة بتعزيز الإفصاح المالي لبناء مصداقية أمام المؤسسات الدولية وجذب الاستثمارات. الصمود الاقتصادي هو رسالة للعالم بأن السودان يمتلك مقومات النهوض من الركام إذا توفرت الإدارة الرشيدة. نحن بحاجة لترجمة هذه المؤشرات إلى مشاريع تنموية تستهدف استقرار الأسواق وتحسين الخدمات.
▪️ ما هي الرؤية الفنية المطلوبة لمعالجة ملف الديون الخارجية بظل غياب الاستقرار؟
= ديون السودان تجاوزت 65 مليار دولار أغلبها فوائد، والسياسة الدولية أعاقت الاستفادة من مبادرات الإعفاء. المجتمع الدولي لم يوفِ بوعوده، مما يتطلب الاعتماد على مواردنا لفرض واقع جديد. الحل يكمن في تحرك دبلوماسي لجدولة الديون وإيقاف نزيف الفوائد السنوية التي ترهق الموازنة. بناء اقتصاد قوي سيمنح السودان موقفاً تفاوضياً أفضل أمام الدائنين. نحتاج لفك الارتباط بين الملفات السياسية والالتزامات الفنية للمؤسسات الدولية. التركيز يجب أن ينصب على تقليل الحاجة للاقتراض عبر تعظيم الإيرادات المحلية ومكافحة التهرب. جدولة المديونية واستبدالها بمشاريع استثمارية قد يكون حلاً ناجعاً مع بعض الدول. غياب الاستقرار السياسي يعقد الملف، لكن الإدارة الكفؤ للموارد ستمهد الطريق لمعالجة عادلة. السودان يحتاج لدعم التكتلات الصاعدة للضغط باتجاه إعفاء ديونه، مع ضرورة إدارة أي قروض مستقبلية بصرامة وشفافية لخدمة التنمية الحقيقية وضمان عدم تكرار أزمة المديونية.
▪️ هل يستفيد السودان من موقعه كبديل لوجستي حال تأثرت الملاحة بمضيق هرمز؟
= يمتلك السودان ساحلاً استراتيجياً على البحر الأحمر بطول 750 كلم يؤهله ليكون منصة لوجستية عالمية. الاستفادة من موارد البحر الممتدة تفتح آفاقاً هائلة للاستثمار في تجارة “الترانزيت”. الموانئ السودانية يمكنها تغذية الدول المغلقة والتعويض عن تعطل الملاحة بالممرات الدولية عبر خطة استراتيجية. تفعيل هذا الدور يتطلب تطوير الموانئ والمطارات وربطها بسكك حديدية متطورة بطول آلاف الكيلومترات. لدينا ميزة نسبية في النقل تجعل السودان معبراً رئيسياً للتجارة بين القارات الثلاث. أزمة مضيق هرمز أثبتت أهمية الممرات البديلة، مما يضع السودان في قلب الاهتمام العالمي. الاستثمار في الخدمات اللوجستية سيخلق عائدات دولارية ضخمة دون استنزاف مواردنا الخام. الموقع الفريد للسودان هو كنز لم يستغل، وتطويره سيحول البلاد إلى مركز تجاري إقليمي رائد. نحتاج لاستثمارات ضخمة في قطاع النقل وتأمين السواحل لضمان انسياب التجارة العالمية، مما يساهم في نهضة اقتصادية شاملة ومستدامة للأجيال القادمة وتأمين مستقبل البلاد.
▪️ ما هي مقترحاتكم لدمج الاقتصاد الموازي في منظومة الدولة لزيادة الإيرادات العامة؟
= دمج الاقتصاد الموازي يتطلب تنظيم الأسواق وتوسيع المظلة الضريبية أفقياً مع خفض الفئات لتحقيق العدالة. السياسات التي تعتمد على زيادة الضرائب ترهق الملتزمين وتدفع بـ 60% من النشاط نحو السوق غير الرسمي. تبسيط الإجراءات وتقديم حوافز سيحول المشتغلين بالأسواق الموازية إلى شركاء في التنمية. الدولة يمكنها تحصيل إيرادات مضاعفة إذا استوعبت هذا القطاع الضخم في الدورة الرسمية. التحول الرقمي والرقابة الذكية سيقللان من التهرب والفساد في التحصيل المالي. دمج هذا القطاع يسهم في ضبط جودة السلع وحماية المستهلك، ويوفر بيانات دقيقة لصناعة السياسات. تقنين أوضاع المشروعات الصغيرة سيمنحها فرصة للوصول للتمويل والتوسع، مما ينعكس إيجاباً على النمو. توسيع القاعدة الضريبية هو المفتاح لتحقيق الاستقرار المالي دون المساس بمعيشة المواطنين المنهكة. هذا التوجه سيعيد التوازن للسوق السوداني ويقلل من الأنشطة الهامشية، مما يعزز من كفاءة الاقتصاد الوطني بشكل ملموس ومستدام بما يخدم المصلحة العامة.
▪️أخيرا.. متى يتحقق اقتصاد التعافي وما هي الشروط الموضوعية لتحقيق استقرار مستدام؟
= يبدأ اقتصاد التعافي فور حسم النزاع وتدشين مرحلة إعادة الإعمار التي تتطلب استثمارات ضخمة. الشروط تقتضي وضع استراتيجية لتفجير الموارد الطبيعية، ومنها 200 مليون فدان، والاعتماد على الذات. نحتاج لاستقرار سياسي، وشفافية في إدارة الموارد، وشراكات ذكية مع القوى الصاعدة. السودان قادر على تجاوز المحنة بموارده المائية والزراعية والمعدنية الهائلة التي تؤهله ليكون قوة اقتصادية كبرى. إنهاء الحرب هو المفتاح لاستعادة الثقة وجذب رؤوس الأموال المهاجرة التي تقدر بمليارات الدولارات. مرحلة ما بعد الحرب تتطلب حكومة كفاءات تدير الملفات الاقتصادية بحرفية وتجرد بعيداً عن المحاصصات. التركيز على البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية سيخلق نهضة سريعة وملموسة يشعر بها المواطن. استدامة الاستقرار تمر عبر توزيع عادل للثروة وتنمية متوازنة في كافة الأقاليم. التعافي ليس مجرد عودة للماضي، بل هو انطلاقة نحو اقتصاد حديث يعتمد القيمة المضافة والتكنولوجيا لبناء مستقبل أكثر إشراقاً واستدامة للأجيال السودانية القادمة.



