حكاية بلد (متعثر) اقتصاديا ما قبل وبعد الحرب..
السودان يتصدر معدلات التضخم في العالم 2026

نسبة 77.7% في المرتبة الأولى وتليها جنوب السودان عند 33.3%
وزير المالية: عمليات تهريب الذهب عبر الحدود تؤثر بشكل كبير على الإيرادات
تقرير: (العودة)
لم تكن حرب الخامس عشر من ابريل التي شهدت تمرد قوات الدعم السريع.. هي (المشجب) الوحيد الذي يعلق عليه المسؤولون في السودان.. أخطاء السنوات الطوال.. المتراكمة.. حيث تتأرجح الأسباب ما بين الحروب السابقة وقلة الإنتاج والفساد وإهمال الزراعة وغيرها من أسباب جعلت عدم الاستقرار هو السمة الغالبة والمحركة والمتحكمة في أوضاع السودان البلد الغني بالموارد ومازال يدفع فواتير أخطاء السياسيين وعدم قدرتهم على إدارة ملفات الدولة بالشكل الذي يعيد إليها الاستقرار.
تقرير البنك الدولي
ذكر تقرير جديد للبنك الدولى أن عدة دول أفريقية تشهد موجة تضخم فى عام 2026، حيث تصدرت 10 دول قائمة الأسرع ارتفاعًا فى الأسعار عالميًا، فى ظل تداعيات الصراعات الدولية واضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء.
تفاقم الأوضاع المعيشية
وأوضح التقرير أن هذه الضغوط تفاقم الأوضاع المعيشية لملايين المواطنين، مع تآكل القدرة الشرائية وتصاعد التحديات الاقتصادية أمام الحكومات فى احتواء الأزمة، وفقا لمنصة بيزنس أفريكا.. ويُعد تآكل القدرة الشرائية أحد أبرز تداعيات التضخم المفرط، إذ تنفق الأسر فى العديد من الدول الإفريقية جزءاً كبيراً من دخلها على السلع الأساسية، ومع تسارع ارتفاع الأسعار، تُجبر هذه الأسر على خفض استهلاكها، غالباً على حساب التغذية والرعاية الصحية والتعليم، ويزداد العبء على الفئات منخفضة الدخل التى تفتقر إلى أى هامش مالى يمكّنها من امتصاص الصدمات.
تحذير البنك الدولي
وحذر البنك الدولى من تداعيات اجتماعية خطيرة، إذ قد تدفع صدمات الأسعار العالمية مئات الآلاف وربما الملايين إلى الفقر المدقع فى غرب إفريقيا، وتشير تقديرات تقرير التحديث الاقتصادى لإفريقيا لشهر أبريل إلى احتمال ارتفاع معدلات الفقر فى الكاميرون والسنغال ومالى بما يصل إلى 1.9 مليون شخص إضافي.

دول أفريقية تتصدر معدلات التضخم فى 2026
أظهر تقرير البنك الدولى أن موجة التضخم لا تؤثر على الدول الإفريقية بشكل متساوٍ، إذ تتصدر السودان المشهد بمعدل تضخم يبلغ 77.7%، تليها جنوب السودان عند 33.3%، ثم مالاوى بنسبة 21.9%، كما سجلت بوروندى تضخماً عند 16.8%، بينما بلغ المعدل فى أنجولا ونيجيريا نحو 14.9% لكل منهما.
وفى إثيوبيا وصل التضخم إلى 11.6%، مقابل 11% فى ساو تومى وبرينسيب، و10.4% فى سيراليون، و9% فى زامبيا، وتعكس هذه الأرقام اتساع الضغوط المعيشية فى القارة، خصوصاً فى الدول التى تعتمد بشكل كبير على الواردات الغذائية والوقود، ما يجعلها أكثر عرضة لتقلبات الأسعار العالمية.
وجاء فى التقرير: «قد تؤدى ديناميكيات الأسعار المرتبطة بالصراع فى الشرق الأوسط إلى زيادة الفقر المدقع بين 0.5 و1 نقطة مئوية فى الكاميرون، و0.3 إلى 3 نقاط فى السنغال، و0.4 إلى 3.9 نقاط فى مالي».
كيفية السيطرة على التضخم ؟
وكان وزير المالية الدكتور جبريل إبراهيم في تصريحات سابقة في سياق الحرب في السودان التي أكملت السنوات الثلاث قد تطرق لعملية التضخم في السودان.. وقال إنهم في حالة من السعي للسيطرة على التضخم المرتفع عبر الاعتماد على الموارد الذاتية، رغم التحديات الكبيرة الناتجة عن الحرب. أشار إلى انخفاض الإيرادات وتأثيرات رفع الدعم، مع استهداف خفض معدلات التضخم.
أوضح الوزير أن الحرب دمرت النشاط الاقتصادي وأدت إلى فقدان مصادر الإيرادات الأساسية (الذهب، النفط، الصادرات الزراعية) بعد سيطرة قوات الدعم السريع على مناطق حيوية.. حيث يتم الاعتماد بنسبة 94 % على الموارد الداخلية في ظل توقف الدعم الخارجي.. واضاف: بعد أن تجاوز التضخم 300 % في وقت سابق، أكد السعي لخفضه، رغم أن الحرب فاقمت الأزمة وأدت لارتفاع الأسعار.
زيادة الأجور
وكان مجلس الوزراء قد اقر زيادات تدريجية للأجور في موازنة 2026 لمواجهة التضخم، وضمان عدم تأثيرها سلبًا على معدلات التضخم.. بينما تقترض الحكومة مبالغ محدودة من البنك المركزي للسيطرة على التضخم.
مرحلة بالغة الصعوبة
واصل وزير المالية، الدكتور جبريل إبراهيم، حديثه عن الراهن الاقتصادي وقال إن الاقتصاد الوطني يمر بـ”مرحلة بالغة الصعوبة” من جراء الحرب المستمرة منذ نحو 3 سنوات، التي أدت إلى فقدان السودان كل مصادر إيراداته الأساسية.. وأضاف جبريل إبراهيم في مقابلة من مكتبه المؤقت في بورتسودان قبل عودة الحكومة إلى الخرطوم مع “فرانس برس”، أن الحرب “دمرت النشاط الاقتصادي، مع انهيار إيرادات الذهب والنفط وتراجع الصادرات الزراعية والحيوانية بشكل حاد، مما دفع الحكومة إلى الاعتماد على نفقات دفاعية مرتفعة وسط أزمة مالية حادة”.
وأشار الوزير إلى أن معظم الإيرادات الحكومية كانت تأتي من وسط السودان قبل الحرب، لكن دخول قوات الدعم السريع على المناطق الاقتصادية الحيوية أدت إلى توقف هذه الموارد.
كما تحدث إبراهيم عن ارتفاع نسبة التضخم السنوي إلى مستويات ثلاثية الأرقام، وانهيار العملة الوطنية في السوق السوداء.
تهريب الذهب
وأوضح الوزير أن “عمليات تهريب الذهب عبر الحدود تؤثر بشكل كبير على الإيرادات”، لافتا إلى أن السودان صدّر عبر القنوات الرسمية نحو 20 طنا فقط من الذهب من إجمالي إنتاج يقدر بـ70 طنا عام 2025، بينما هُرّبت الكمية الأكبر إلى الخارج.
ورغم الإمكانات الطبيعية الكبيرة التي يمتلكها السودان في النفط والزراعة والثروة الحيوانية، قال الوزير إن عائدات النفط تراجعت بأكثر من 50 بالمئة، بعد تعرض منشآت حيوية لأضرار كبيرة بفعل الحرب، مما دفع الحكومة إلى السعي لجذب استثمارات وإبرام صفقات لموانئ البحر الأحمر كجزء من جهود إعادة الإعمار.
وأعرب إبراهيم عن أمله في شراكات بين القطاعين العام والخاص، مستشهدا بوجود اهتمام سعودي وقطري لبناء وتطوير الموانئ.
وتعد كلفة إعادة إعمار ما دمرته الحرب باهظة، إذ قدرتها الحكومة في ديسمبر 2024 بأكثر من 200 مليار دولار، بينما يعاني السودان أكبر أزمة إنسانية في العالم، يحتاج فيها أكثر من نصف السكان إلى مساعدات لتأمين احتياجاتهم الأساسية.



