منى ابوزيد تكتب : الملكة كاميلا.. الحكاية التي انتظرت أن ينضج الزمن..!

هناك فرق..
“معظم الشراكات الوجدانية تصمد بقدرتها على النجاة من مساويء التفسير”.. الكاتبة..!
“يا رب يا كريم تدينا عيشةً ساهلة .. صندوقين ورق وميتين عبوكاً باهلة .. والتالتة العروس، سمحة وصغيرة وجاهلة”. أو كما قائل هذه الكلمات من شعر الدوبيت الذي لا يطلب توقيعاً بعينه..!
وهي تصورات عن صغر سن الزوجة وجمالها الذي لم يكتمل نضجه بعد، في ذهن رجل لا يبحث عن شريكة بقدر ما يبحث عن مساحة أكثر إغراء وأقل مقاومة لصورته عن نفسه..!
في كثير من المجتمعات ارتبطت الأنوثة المثالية بثلاثية “الجمال، وصغر السن، وقلة التجربة”، وكأن الحكمة تُخيف، والنضج يُعقّد، والاستقلال يُهدد فكرة السيطرة الناعمة التي تتخفى أحياناً خلف الحرص والحدب..!
لكن الواقع الساخر قد يحلو له أحياناً أن لا يلتزم بهذه القوالب، وربما لهذا السبب بالذات، لم تكن بعض حكايات الحب الشهيرة بعيدة عن هذا الارتباك الإنساني العميق، حيث لا تنقذ البروتوكولات بعض القلوب من اختياراتها المتأخرة..!
في مكان ما من السبعينيات، التقى شاب لم يكن يملك نفسه – لأنه كان يملك تاجاً ينتظره – بامرأة لم تكن بالمواصفات المطلوبة لزوجة ملك. وهنا تبدأ حكاية ما، حين يُطلب من الأمير أن يختار بين حياته وصورته عنها..!
تزوج الشاب من شابة جميلة في حفل زفاف خيالي يشبه الحكايات التي تُروى للأطفال قبل النوم. لكن الحكايات التي تُكتب لإرضاء الجميع نادراً ما تُرضي أصحابها. ديانا كانت تبحث عن حب كامل وعن رجل يكون لها قبل أن يكون للعالم. بينما كان تشارلز يبحث عن مكان لا يُحاسَب فيه على كونه نفسه..!
في ميزان الصورة، كانت الأميرة ديانا تجسيداً للجمال الذي يسبق الزمن، وحضوراً يشبه الحكايات التي تُصنع لتُدهش العالم قبل أن تُفهم. شبابها وكاريزما الضوء حولها، نصَّباها أيقونةً لا تُقاوم في عيون العامة، وكأن الطبيعة نفسها قررت أن تمنحها كل ما يلفت النظر دفعة واحدة..!
وفي الجهة الأخرى من الحكاية كانت كاميلا لا تنافس الصورة، بل تتجاوزها بصمت مختلف “روح هادئة، مألوفة، لا تفرض نفسها على العين بل تتسلل إلى الداخل”. لم تكن حربها مع الجمال بل مع الفكرة نفسها “أن الحب يجب أن يُهزم أمام البريق”..!
كاميلا لم تكن فقط امرأة أحبها تشارلز، كانت المساحة التي لا يضطر فيها لأن يكون أميراً طوال الوقت. كانت علاقته العادية في حياة مُرهقة بالاستثناءات. وهنا يكمن سرها الحقيقي “لم تكن الأجمل في عيون الناس، لكنها كانت الأصدق والأنسب في عينيه”..!
الإعلام بطبيعته لا يحب هذه التعقيدات، هو فقط يحتاج إلى قصة واضحة “ضحية ومذنب وامرأة ثالثة”، فصارت ديانا هي الحلم المكسور وكاميلا هي الخطأ الذي لا يُغتفر. لكن الحقيقة – كما هي دائماً – لم تكن بهذا النقاء الأخلاقي، بل كانت أكبر ارتباكاً وتعقيداً وأكثر إنسانية..!
بمرور السنوات تغيرت الرواية وبدأت الشقوق تظهر في الصورة اللامعة، وبدأ العالم يرى أن ما حدث لم يكن جريمة بقدر ما كان اختياراً لم يُتح له أن يكون حراً منذ البداية. ثم حدث ما لا يحدث كثيراً في القصص الملكية عادةً “تزوج تشارلز كاميلا بعد عقود، ولم يكن زواجهما أسطورياً، بل كان اعترافاً متأخراً بحقيقة مهملة “أن بعض العلاقات لا تحتاج إلى معركة بقدر ما تحتاج إلى وقت”..!
الملكة كاميلا هي حكاية كاملة عن كيف يمكن أن يُعاد تعريف الاستحقاق، وعن كيف يمكن للزمن أن يُنصف ما رفضه المجتمع. قد لا يحبها الجميع، وقد لا تُلهم أبطال القصص الرومانسية التقليدية، لكنها – بطريقتها الخاصة – تذكرهم بحقيقة بسيطة ومزعجة “أن الحب لا ينتصر لأنه مثالي بل لأنه لم يتحول رغم كل شيء إلى نسالة خيوط..!
في هذه الحكاية لم ينتصر الجمال على الحب ولا انتصرت الشيخوخة على الشباب، بل حدث ما هو أكثر غرابة من قوانين الطبيعة ذاتها “انتصرت الألفة على الانبهار، واستقرت الروح حيث عجزت الفكرة عن البقاء” . وهذا وحده يكفي لهز كل التصورات الجاهزة عن الحب والاختيار، وعن ما يُسمى “امرأة مناسبة”!.
munaabuzaid2@gmail.com



