تفكيك جمهورية الجبايات.. (١)

معركة الدولة ضد التشوه الأكبر..

هل بدأ السودان حربه الحقيقية لتفكيك جمهورية الجبايات وأستعادة السوق القومي ؟

بين سلطة القانون وشهية الإيرادات.. كيف تمدد إقتصاد التحصيل العشوائي حتى صار أحد أكبر تشوهات الدولة السودانية؟..

 كيف قاد تضارب السلطات ووهم تعظيم الإيرادات إلى تفكيك السوق الوطني؟..

 وزارة العدل في قلب المواجهة.. مولانا عبدالله درف ورهان إستعادة هيبة الدولة وتجفيف منابع التجنيب..

العودة/ علم الدين عمر 

 

لم تكن أزمة التحصيل غير القانوني في السودان مجرد مخالفات إدارية متناثرة أو رسوم عشوائية تُفرض هنا وهناك على الطرق القومية والمعابر ومنافذ التجارة.. بل تحولت عبر سنوات طويلة من التراخي المؤسسي..وتضارب الصلاحيات..وأختلال العلاقة بين مستويات الحكم المختلفة.. إلى واحدة من أخطر التشوهات البنيوية التي أصابت الإقتصاد السوداني في عمقه.. وأضعفت فكرة الدولة بوصفها السلطة الوحيدة المنوط بها تنظيم المال العام وحركة السوق..

فما بدا في ظاهره مجرد نقاط جباية متناثرة..كان في حقيقته تعبيراً عن نشوء إقتصاد موازي داخل جسد الدولة.. إقتصاد يقوم على تعدد مراكز التحصيل.. وتنازع السلطات..وتغول بعض المستويات التنفيذية على المصلحة القومية العليا..حتى تحولت الجباية في كثير من الأحيان من أداة تنظيم مالي مشروع إلى آلية إستنزاف إقتصادي ممنهج.. دفعت كلفته القطاعات الإنتاجية والتجارية والمستهلك النهائي معاً..

لقد أنتج هذا الواقع ما يمكن وصفه بـ”جمهورية الجبايات”..حيث تمددت الرسوم والتقاطعات ونقاط التحصيل تحت لافتات متعددة.. بعضها قانوني شكلاً ومشوّه مضموناً.. وبعضها خارج القانون بصورة مباشرة..حتى بات المنتج السوداني والمزارع.. والناقل.. والمستورد.. يتحرك داخل شبكة متداخلة من الإستنزاف المالي المتكرر..

وفي ظل هذا النمط.. لم تعد الطرق القومية شرايين للتجارة والتنمية بقدر ما تحولت في بعض الحالات إلى مسارات إستنزاف..تتراكم على امتدادها رسوم محلية وولائية وإتحادية..وتختلط فيها الحاجة الفعلية للإيرادات بممارسات التجنيب والفساد والجباية قصيرة النظر..

 

المحليات تحولت إلى جزر مالية.. كيف شوه تضارب السلطات ووهم تعظيم الإيرادات وحدة السوق القومي؟

 

جوهر الأزمة لم يكن فقط في وجود الرسوم غير القانونية.. بل في الفلسفة الإدارية التي سمحت بتمددها..

فبعض المحليات.. تحت ضغط ضعف الموارد أو إختلال التمويل أو غياب الرؤية الإقتصادية الكلية..أنزلقت تدريجياً نحو عقلية “تعظيم الإيرادات بأي وسيلة”.. حتى لو أدى ذلك إلى تقويض المصلحة الوطنية الأشمل..

وبدلاً من النظر إلى الطرق والمعابر بوصفها بنية قومية لتسهيل حركة التجارة والإنتاج.. جرى التعامل معها في بعض المواقع بأعتبارها مصادر تحصيل مباشر..ما أدى إلى نشوء “جزر مالية” داخل الدولة لكل منها منطقها الإيرادي الخاص.. ولوائحها أو ممارساتها التي قد تتناقض عملياً مع أهداف الإقتصاد القومي..

هذه الظاهرة لم ترفع فقط كُلفة النقل والإنتاج، بل أضعفت أيضاً وحدة السوق السوداني نفسه..

فحين يدفع المنتج رسوماً متكررة عبر مراحل متعددة من الحركة الداخلية.. فإن النتيجة الطبيعية هي تضخم الأسعار.. وتراجع تنافسية السلع الوطنية.. وإبطاء حركة البضائع.. وتآكل فرص توطين الصناعة..

بمعنى آخر..فإن تعددية الجبايات لم تكن مجرد فساد مالي محدود..بل تحولت إلى عبء هيكلي يضرب صميم أي مشروع وطني للنهوض الزراعي أو الصناعي.. ويجعل الدولة أحياناً شريكاً – ولو بصورة غير مباشرة – في إضعاف إقتصادها من الداخل..

وزارة العدل في قلب المعركة..رهان إستعادة هيبة الدولة وتجفيف منابع التجنيب..

 

في هذا السياق..ظهرت الحاجة الملحة للمتابعة المباشرة من وزارة العدل.. بوصفها عاملاً مفصلياً في نقل معركة منع التحصيل غير القانوني من مجرد حملات ميدانية إلى مشروع سيادي لإستعادة هيبة الدولة وسلطة القانون..

فالمسألة هنا ليست فقط إزالة نقطة تحصيل مخالفة أو وقف رسوم عشوائية.. بل إعادة تعريف العلاقة بين القانون والإدارة والإقتصاد..بحيث يصبح المال العام شأناً سيادياً لا مجال فيه للإجتهادات المحلية المتضاربة أو المصالح الضيقة..

أهمية هذه اللجنة تنبع من أن التشوه لا يكون دائماً نتيجة فساد مباشر.. بل كثيراً ما يتغذى أيضاً على ثغرات قانونية.. أو لوائح محلية متعارضة.. أو تداخلات إدارية سمحت بإعادة إنتاج الرسوم تحت مسميات مختلفة..

ومن هنا..فإن دعم الوزارة لعمل اللجنة الفنية يمنحها ما هو أكثر من الغطاء السياسي..يمنحها القدرة على الإنتقال من الرصد إلى الإنفاذ.. ومن إزالة المظاهر إلى معالجة الجذور المؤسسية.. عبر مراجعة اللوائح.. وضبط الصلاحيات.. وتوحيد المرجعيات القانونية..

إن إستعادة هيبة الدولة لا تتحقق فقط عبر الخطاب السياسي..بل حين يشعر الجميع – من أصغر نقطة تحصيل على طريق ريفي إلى أعلى مؤسسة تنفيذية – أن القانون واحد.. وأن الإيرادات العامة لا تُدار وفق مزاج إداري محلي أو حاجة مالية مؤقتة..بل ضمن رؤية قومية منضبطة..

 

من إزالة نقاط الجباية إلى تفكيك إقتصاد الظل.. اللجنة الفنية أداة لإعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والسوق..

 

من حيث المبدأ..تتجاوز اللجنة الفنية لمنع التحصيل غير القانوني دورها الرقابي التقليدي.. لتصبح إحدى أهم أدوات الدولة في تفكيك إقتصاد الظل الموازي وإعادة تأسيس العلاقة بين السلطة والسوق على أسس أكثر انضباطاً..

إزالة نقاط التحصيل غير القانوني ليست مجرد خطوة محلية تخص الولايات أو المحليات.. بل تمثل نموذجاً عملياً يمكن تعميمه على كل السودان.. من الطرق القومية إلى المعابر الحدودية إلى أسواق الإنتاج..

فقد كشف عمل اللجنة بوضوح كيف يمكن لرسوم عشوائية محدودة ظاهرياً أن تتحول إلى عبء واسع على سلسلة الإمداد بأكملها..من المنتج إلى التاجر إلى المستهلك..

وحين تُزال هذه العوائق بقرارات ميدانية واضحة ومدعومة قانونياً.. فإن الرسالة الإقتصادية تكون أعمق من الحدث نفسه..فالدولة بدأت بالفعل في إستعادة السوق من قبضة التشوهات الصغيرة التي راكمت أضراراً كبيرة..

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في الإزالة وحدها..بل في ضمان عدم إعادة إنتاج الأزمة..

وهذا يتطلب إصلاحاً هيكلياً يشمل الرقمنة الكاملة للتحصيل.. وتوحيد الحسابات الرسمية.. ومراجعة لوائح الحكم المحلي.. وإعادة هيكلة التمويل المحلي حتى لا تصبح الحاجة إلى الإيرادات ذريعة مستمرة لخلق رسوم جديدة بأسماء مختلفة..

إقتصادياً.. تمثل هذه المعركة مدخلاً مباشراً لتوطين الصناعة وتحفيز التجارة الداخلية..

فكل نقطة جباية عشوائية تتم إزالتها تعني نظرياً تخفيضاً في تكلفة النقل.. وتقليصاً للفاقد المالي.. وتحسيناً في كفاءة السوق.. ورفعاً لقدرة المنتج السوداني على المنافسة..

وبالتالي.. فإن الحرب على التحصيل غير القانوني ليست فقط حرباً على الفساد.. بل جزء من إعادة صياغة النموذج الإقتصادي نفسه..من إقتصاد يقوم على الرسوم المتعددة والإستنزاف.. إلى إقتصاد يقوم على الإنتاج والإنسياب والسوق القومي الموحد..

 

الطريق إلى الدولة يمر عبر الطريق نفسه..

 

السودان اليوم..في ظل تحديات الحرب وإعادة الإعمار والضغوط الإقتصادية..لا يواجه فقط ضرورة إصلاح سياسي أو أمني.. بل يواجه أيضاً إختباراً حاسماً يتعلق بشكل الدولة الإقتصادية التي يريد بناءها..هل هي دولة إنتاج حقيقي..وسوق قومي..وتنمية متوازنة؟ أم دولة تتنازعها الجبايات الصغيرة.. والتقاطعات الإدارية.. وشهية الإيرادات قصيرة المدى؟..

في هذا السياق.. تبدو سياسات الدولة مدعومة بوزارة العدل..واحدة من أكثر الأدوات أهمية في هذه المرحلة.. لأنها تخوض معركة تتجاوز إزالة الحواجز المادية إلى إزالة حواجز أعمق داخل بنية الإدارة نفسها..

إنها معركة ضد فلسفة “التحصيل بأي وسيلة”..وضد إقتصاد الظل..وضد تفتيت السوق الوطني إلى مراكز جباية متنافسة..

وحين تنجح الدولة في فرض سيادتها على طرقها ومعابرها وأسواقها.. فإنها لا تستعيد المال العام فحسب.. بل تستعيد جزءاً جوهرياً من مشروعها الوطني..القائم علي إستعادة سيادة الدولة التي يبدو أنها بحاجة للحركة في أكثر من مسار..حيث يعتبر المسار السياسي مجرد مكمل للمسارات الأخري وعلي راسها الإقتصاد ومعاش الناس وحركة التجارة والصناعة والزراعة والمجتمع..التي تسعي دوائر ذات صلة مباشرة بالدولة وقرارها لإضعافها بالقرارات غير المدروسة وإستبعاد الرؤي الأخري بحجة التنافس السياسي.. ما يضعف من قوة القرار ويشتت قوالب الرؤي الفنية علي مرآة السياسة المبعثرة علي المنابر وطاولات المصالح..فيذهب بريح الدولة..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى