المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب: أسرار هزيمة الغرب (2-5)

“إننا نعيش اللحظة التي يختفي فيها الغرب كمركز للعالم.”
“البروتستانتية خلقت الغرب، ويمثل موتها اليوم المحرك الأساسي لانحداره الراهن.”
“لقد استُبدلت الديمقراطية الغربية بأوليغارشية ليبرالية، تقودها نخب انفصلت تماماً عن الواقع المادي للإنتاج.”
(من مقتبسات إيمانويل تود)
في الحلقة الأولى من هذه السلسلة، استكشفنا جذور “الصهيونية المسيحية”؛ تلك العقيدة التي هيمنت على العقل الاستراتيجي الغربي، كاسيةً إياه غلالات ثيولوجية (لاهوتية) متطرفة. وقد غدت هذه الظاهرة خطراً داهماً يهدد استقرار الغرب ذاته، إذ رُبط مصيره العضوي والسياسي بمشروع استيطاني مأزوم، ما ولد حالة من الانفصام بين المصالح القومية الواقعية وبين الأيديولوجيا “النبوية” المتخيلة التي تسير مراكز القرار في واشنطن.
واليوم، ينتقل النقد من “العقيدة” إلى “البنية”، لنرصد كيف يرى الغرب ذاته. فمن المثير للاهتمام أن يأتي التحذير الأقوى من قلب باريس، وتحديداً عبر قلم الأنثروبولوجي والمؤرخ الفرنسي الشهير *”إيمانويل تود”* في كتابه الصادم “هزيمة الغرب” (2024). “تود” يتجاوز كونه كاتباً عابراً؛ فهو “العرّاف” الذي استشرف انهيار الاتحاد السوفيتي في السبعينيات استناداً إلى معطيات ديموغرافية، وهو اليوم يقر بوضوح أن شمس الغرب تمضي نحو المغيب.
يؤسس “تود” فرضيتة على أن القوة تكمن في “تماسك المجتمع” و”قدرة الإنتاج” قبل أن تكون مجرد ترسانة عسكرية، ويرى أن الغرب قد افتقد الركيزتين معاً. ففي المحور الأول، يشخص حالة “الصفر الديني” التي بلغت ذروتها؛ حيث تسبب انحسار القيم البروتستانتية الضابطة في ترك فراغ ملأته “عدمية” مدمرة، أدت لفقدان البوصلة الأخلاقية والتخبط في قرارات تفتقر للحكمة التاريخية.
وفي المحور الثاني، يفند أسطورة “الديمقراطية” المعاصرة، التي يحتفي بها دعاة التحرر و صانعي الثورات في بلدانهم و يتمثلون بها حين ينتفضون ضد دكتاتورية حكامهم ، مؤكداً تحولها إلى “أوليغارشية ليبرالية(حكم الأقلية) “. ومن منظور هندسي يعي أهمية القواعد، و بتحليله هذا فإن “تود” يربط بدقة بين تآكل الديمقراطية و انهيار الطبقة الوسطى والقاعدة الصناعية. فالغرب الذي نقل مصانعه الى الشرق تحول إلى “مجتمع خدمات” يقتات على الديون والأوهام المالية، ما أعجزه عن خوض مواجهات حقيقية أمام قوى لا تزال تعتصم بمبادئ الدولة القومية والإنتاج المادي.
أما المحور الثالث، فيسلط الضوء على الجرح النازف في السياسة الخارجية؛ إذ يعد الدعم المطلق لكيان الاحتلال دليلاً قاطعاً على “العدمية” الغربية. فذاك الانحياز فقد مبرراته الاستراتيجية، وأفضي بالغرب إلى عزلة أخلاقية ودبلوماسية أمام “الجنوب العالمي”، كاشفاً زيف الشعارات التي استُخدمت طويلاً كأدوات للهيمنة، مما عجل بفك الارتباط العالمي عن المركزية الغربية.
إن “هزيمة الغرب” لدى تود تذهب لأبعد من خسارة ميدانية في أوكرانيا أو تراجع اقتصادي، إنما هي “تحلل بنيوي” داخلي. فأمريكا أصبحت “قوة مفترسة” تستنزف موارد العالم دون طرح مشروع حضاري جاذب. وهذا التآكل في “المشروعية” يفتح الأبواب أمام عالم متعدد الأقطاب، لم يعد يرى في النموذج الغربي منارة تهدي، بل عبئاً تاريخياً يسعى الجميع للتحرر منه.
في الحلقة القادمة: سنبحر في تداعيات هذا الانهيار على بنية النظام الدولي الجديد، وكيف يمكن لعالمنا العربي أن يحجز موقعاً تحت شمس هذا الزلزال الجيوسياسي.



