حرب الطاقة بين الرياض والإمارات

بقلم / محمد فؤاد عيد
لعل الخطوة التي اتخذتها الإمارات العربية المتحدة الأيام الماضية بانسحابها المفاجئ كعضو من منظمة أوبك، وكذلك منظمة أوبك (بلس)، تُعد تحولًا كبيرًا في طبيعة العلاقات السياسية والاقتصادية بين العديد من دول التعاون الخليجي، خاصة بين القطبين: السعودية والإمارات.
*الحيثيات كمدخل للقرار:*
حيث إنه أثناء انعقاد ملتقى فعاليات مؤثري الخليج، وهو فعالية إعلامية تسعى لجمع كل من له رأي أو صوت إعلامي ذو تأثير داخل دول مجلس التعاون الخليجي، لمناقشة دور الإعلام وصناعة (سردية) خليجية موحدة، أُقيم في فندق أتلانتس النخلة بجزيرة نخلة جميرا يوم ٢٧ أبريل الماضي، وشارك فيه أكثر من ١٠٠٠ إعلامي ومفكر وخبراء في مجالات مختلفة، بالإضافة إلى مسؤولين إماراتيين، باعتباره منصة استراتيجية تسعى لتشكيل رأي إعلامي وسياسي ذو تأثير على المستوى الدولي. وهو له أبعاد سياسية الأهداف، حيث يعمل على تعزيز صورة الخليج في الأروقة السياسية العالمية وبناء سردية موحدة عن المنطقة.
لذلك سعى معظم المشاركين في هذه الفعالية إلى أن يكون مضمون نقاشهم بما يتماشى مع الهوية الإماراتية، أو ما يُعرف بالسردية الإماراتية. يضم الملتقى معظم دول الخليج، باستثناء السعودية، حيث اكتفى منظمو الملتقى بتقديم الدعوة لكل معارض أو له رأي مخالف تجاه النظام السعودي الحالي، أمثال المعارض السعودي عبدالعزيز الخميس.
حيث كان الملتقى بالفعل ساحة سانحة لتوجيه اللوم والعتاب المباشر لدور المملكة المنوط بها أثناء الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، واتهام الرياض بالخذلان، كما جاء على لسان الوزير الإماراتي السابق والمستشار حاليًا أنور قرقاش، الذي ذهب أكثر من ذلك أثناء مداخلته، حيث وصف دور دول مجلس التعاون بالمتخاذل، محاولًا إثارة النعرة وشق الصف.
وتجلى ذلك بوضوح عندما أكد بأن زمن الشراكة النفطية وغيرها من المشاريع السياسية والتنموية قد ولى إلى غير رجعة، وأن مخرجات الحرب الأمريكية الإيرانية تسببت في صدمة تاريخية بقطاع الطاقة، والتي بدورها أربكت الاقتصاد العالمي، في ظل تدهور الأوضاع بمنطقة مضيق هرمز.
*قمة جدة الاستثنائية:*
وانعقد هذا الملتقى متزامنًا مع قمة جدة الاستثنائية لمناقشة الأوضاع بالمنطقة، وكان حينها وزير الخارجية الإماراتي عبدالله بن زايد من بين الحضور في هذه القمة.
ما يهمنا هنا هو ما تمخض عنه ملتقى مؤثري الخليج بدولة الإمارات، حيث تم الإعلان عن الانسحاب الكامل لتلك الدولة من منظمة أوبك، وكذلك أوبك (بلس)، وهي المنظمة التي تُعنى بأمر النفط عالميًا، والتي تأسست في العام ١٩٦٠، وتسعى لتنسيق سياسات إنتاج النفط والتحكم في المعروض عالميًا، وتضم عدة دول على رأسها المملكة العربية السعودية.
هذا الانسحاب اعتبره الكثيرون نوعًا من الحرب الباردة التي تمارسها الإمارات تجاه نظام الرياض، وكان هذا القرار بمثابة ضربة قاصمة للعديد من الدول المنتجة للنفط والمشاركة في المنظمة الدولية، بعد أكثر من ٥٩ عامًا كانت الإمارات عضوًا فاعلًا فيها.
وجاء على لسان وزير طاقتها سهيل المزروعي التأكيد بأن دولته بهذا القرار تود التحرر من قيود الإنتاج داخل أوبك، وأنها تسعى لزيادة قدرتها وضخ المزيد من النفط مستقبلًا، مستفيدة من الطلب العالمي على النفط.
وبهذا المسلك الإماراتي يتأكد لنا أننا أمام مرحلة توتر اقتصادي عالمي معقد، حيث إن الصراع أصبح متعدد الأدوات، والطاقة والبترول جزء مهم فيه، لأن الطاقة تعتبر اليوم عصب الحياة، وأي اضطرابات في هذا العنصر تنعكس تمامًا على السياسة والأمن.
فالطاقة لم تعد مجرد مورد اقتصادي، بل تُستعمل كأداة استراتيجية لإدارة الصراعات وإعادة رسم خرائط النفوذ العالمي. ولعل قرار الإمارات هذا تقف وراءه قوى تود أن تمتلك مفاتيح الاستقرار والاضطراب في العديد من دول العالم، وذلك من خلال تحديد قيمة الأسعار وضبط حجم الإنتاج، ولا أظن أن الإمارات تملك قرارها في ذلك المنحى، فهي عليها حق التنفيذ فقط.
*الشرق الأوسط:*
وبذلك يصبح الشرق الأوسط مجرد ساحة للصراع، ومركزًا حيويًا لإعادة تشكيل النظام العالمي القادم، خاصة عندما تتداخل الاعتبارات الأمنية مع المصالح الاقتصادية، فتتقاطع التكتلات والشراكات التقليدية التي كانت لسنوات طويلة تعمل في تناغم، إلى شراكات وتحالفات لا تخضع للعرف والقانون والسياسات الدولية التي تحكمها المواثيق.
وبذلك القرار الذي فرضه القرار السياسي الإماراتي، يتأكد لنا أننا أمام لحظة تاريخية حاسمة في التحولات الجيوسياسية التي تجتاح المنطقة، وأن العالم الآن يدخل في تعريف جديد لإعادة توزيع النفوذ والقوة. ولم تعد الحدود التقليدية للصراع الدولي كما كانت من قبل، بل امتدت لتشمل شرايين الاقتصاد العالمي، وعلى رأسها الطاقة.
*مصطلح حرب الطاقة:*
وهو مصطلح لا مبالغة فيه، فهي ليست حربًا عسكرية تقليدية، والإمارات بقرارها هذا تؤكد بأننا أصبحنا نعيش في مرحلة تستخدم فيها الدول الغاز والبترول والكهرباء والتكنولوجيا وجميع مصادر الطاقة كأدوات صراع ونفوذ. فهي صراع بين دول وقوى مهيمنة تسعى للسيطرة على مصادر الطاقة والتحكم فيها، بنقلها وتحديد أسعارها.
*سلاح جديد:*
هي بديل للدبابات والبنادق، أدواتها كمية الإنتاج زيادة أو نقصانًا، ثم تحديد الأسعار، ويليها العقوبات. وتجلى هذا الأمر بوضوح أكثر خلال الحرب الأوكرانية الروسية، حيث استُخدم الغاز كسلاح ضغط، وكان الرد الغربي مزيدًا من العقوبات وتقليل الاعتماد عليه.
لذلك، حرب الطاقة تبدو أحيانًا أخطر من الحرب العسكرية، فهي تضرب الاقتصاد مباشرة، وتؤثر على حياة الناس في كل بيت من نواحٍ عدة دون تمييز.
*وضع دول الخليج:*
الخليج هو قلب المعركة، لأنه يمتلك أكبر احتياطات نفطية ويتحكم في إمداداتها، وهي البقعة الجغرافية الحساسة التي تعتمد عليها الولايات المتحدة وكذلك الصين.
لذلك العالم الآن لا يعيش حربًا عالمية بالصورة التقليدية، ولكنها حرب طاقة باردة، ليست لها جبهات، لكن تأثيرها يمتد إلى كل بيت.
وهو ما يسعى إليه ترامب بجيشه الجرار وأسطوله الحربي، حينما رابط على مخارج مضيق هرمز، خصيصًا لمنع إيران من الاستفادة من مصادر طاقتها، دون أن يخسر طلقة واحدة من سلاحه.
هكذا هي حرب الطاقة، فعندما لم تتمكن أمريكا من الاستيلاء على النفط الإيراني بحروبها متعددة الذرائع، وجد ترامب نفسه أمام هذا الحل، وهو منع إيران من الاستفادة من جميع مصادر طاقتها، بل حصارها من كل جانب، علمًا بأنها أحد أعضاء المنظمة الأممية (أوبك).
فزيادة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران في تلك المنطقة الاستراتيجية الحساسة سيمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي بأسره، وسينعكس الأثر على أسعار النفط، وزيادة معدلات التضخم، وتعطل سلسلة الإنتاج، وتدهور السوق الدولي.
*دور أوبك:*
يبرز دور أوبك لضبط توازن إيقاع الإنتاج وتحديد الأسعار، لكن بقرار الإمارات الأخير، وزيادة التباين مع حلفائها التقليديين، خاصة عندما تصبح السياسة جزءًا من الاقتصاد العالمي، فمن المؤكد سيحدث اختلال في ميزان التحالفات النفطية التقليدية.
فهي بقرارها هذا تكشف حجم الأجندة والصراعات السياسية مع حليفة الأمس الرياض، إذ تعتبر نفسها أنها قد لطمت السعودية اللطمة القاتلة، باعتبارها ثالث أكبر منتج للنفط.
فهي تريد كسر الهيمنة السعودية وسحب البساط من تحت أقدامها، حيث تقف المملكة ثابتة على مقدمة المنظمة، وهي التي تقرر الزيادة والنقصان في حجم المنتج وأسعاره.
وبذلك الفعل ستتحول إلى منافس في صيد الزبائن واحتكار السوق في لعبة حرب الطاقة.
*الحرب الإيرانية:*
مما لا يدعو للشك أن الإمارات قد ترنحت كثيرًا بفعل الضربات الإيرانية، التي سببت لها خسائر كبيرة وشللًا ملحوظًا في وسائل الإنتاج.
ولعل المتوقع أن من سيحمي هذا القطاع الإماراتي في المستقبل سيكون كلًا من إسرائيل وأمريكا، وستكون حماية عسكرية كاملة الأركان.
ولا ننسى نظرة ترامب لتلك المنظمة، وضغطه العلني على الرياض لزيادة حجم الإنتاج وخفض الأسعار، باعتبار أن أوبك تعمل على إضعاف قدرة واشنطن في التحكم في أسعار الطاقة.
لذلك فإن القرار الإماراتي، من وجهة النظر الاقتصادية، قرار يتماشى مع المصلحة الأمريكية وطموحها في التحكم في جميع منافذ ومصادر الطاقة.



