جحيم الجبايات وتكاليف الطاقة يلهبان أسواق السلع والمحاصيل
اقتصاد الولايات في عين العاصفة:

الأبيض والقضارف: وفرة في المعروض وعجز في القوة الشرائية
وقود المركبات: زيادة التكاليف تنذر بشلل في حركة التوزيع
نادي المئة ألف: غاز الطهي يكسر الأرقام القياسية في دنقلا
خبير اقتصادي: تدمير الصناعة المحلية ضاعف فاتورة الاستيراد من دول الجوار
—–
تواجه الولايات السودانية في الآونة الأخيرة موجة غلاء غير مسبوقة، حيث تتقاطع قرارات رفع الرسوم الضريبية وتعديل أسعار المحروقات مع تكاليف النقل اللوجستية المعقدة، ما خلق واقعاً معيشياً ضاغطاً على كافة الأصعدة.
وكشفت مستندات رسمية حديثة، بالتوازي مع جولات استقصائية ميدانية أجرتها العودة، عن دخول أسطوانة غاز الطهي نادي المئة ألف جنيه في بعض الولايات، في وقت سجلت فيه أسعار السلع الاستراتيجية والمحاصيل النقدية قفزات تاريخية تضع القوة الشرائية للمواطنين تحت اختبار عسير.
تقرير: عماد النظيف
نادي المئة ألف وصدمة الطاقة المنزلية
لا يمكن قراءة أزمة التضخم الحالية بمعزل عن خارطة الطاقة الجديدة التي بدأت ملامحها تتشكل منذ منتصف أبريل الماضي ؛ ففي الوقت الذي يسعى فيه المواطن لتأمين أبسط مقومات حياته، أظهرت الوثائق الرسمية الصادرة عن إدارات المواد البترولية تصاعداً حاداً في أسعار الغاز. حيث سجلت محلية دنقلا بالولاية الشمالية السعر الأعلى رسمياً بوصول الأسطوانة للمستهلك إلى 100,222 جنيهاً شاملة عوائد الوكيل وتكاليف الترحيل. هذه الزيادة لم تكن حدثاً معزولاً، إذ امتد أثرها سريعاً لولاية الجزيرة التي اعتمدت تسعيرة بلغت 91,000 جنيهاً للأسطوانة، مع رفع سعر لتر غاز المخابز إلى 4,200 جنيهاً، مما يضع رغيف الخبز في مواجهة حتمية مع الزيادة السعرية الوشيكة. وبذات الوتيرة المرتفعة، تباينت الأسعار في ولاية نهر النيل لتصل في مناطق البحيرة إلى 93,500 جنيهاً، بينما استقرت في مراكز حضرية مثل عطبرة والدامر عند 88,500 جنيهاً.

تقاطع الأزمات العالمية والمحلية
وتعليقاً على هذه التطورات، يقول د-مزمل الضي العباس، أستاذ الاقتصاد بجامعة النيلين، في تصريح خاص لصحيفة العودة، إن هذا الارتفاع المهول في أسعار السلع والخدمات والمحروقات يعود لمزيج من العوامل العالمية والإقليمية والمحلية. ويشير العباس أولاً إلى الأثر المباشر للتوترات في الشرق الأوسط، لا سيما الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة وما تبعها من إغلاق لمضيق هرمز، مما ألقى بظلاله على سلاسل إمداد الطاقة عالمياً. أما داخلياً، فيؤكد العباس أن الحرب في السودان أدت إلى شلل معظم الصناعات الصغيرة والتحويلية التي كان يعتمد عليها السودان لسد الفجوة في أمنه الغذائي، حيث يتم الآن تغطية هذا العجز عبر استيراد السلع من دول الجوار مثل مصر، أوغندا، وإثيوبيا، ودول الخليج، وهو ما جعل الاقتصاد رهيناً لفاتورة استيراد ضخمة تستهلك مبالغ هائلة من النقد الأجنبي.
أزمة العملة وضغط فاتورة الحرب
ويرى الخبير الاقتصادي أن الطلب المتزايد على النقد الأجنبي أدى إلى تدهور سعر صرف العملة المحلية، حيث يوضح أن هناك ضغطاً هائلاً على السوق الموازي؛ فالحكومة نفسها تحتاج للنقد الأجنبي لمصروفاتها اليومية، السفريات، والبعثات الخارجية، والأهم من ذلك تغطية متطلبات الحرب، مما يؤدي لنشاط محموم في السوق السوداء ينعكس زيادة غير مباشرة في أسعار السلع. هذا التدهور في قيمة الجنيه السوداني جعل السلع المستوردة والمدخلات الإنتاجية تفوق القدرة المالية للمنتج والمستهلك على حد سواء.
الجبايات وتكاليف الطريق: العبء الخفي
وبالعودة إلى الواقع الميداني، رصدت العودة في ولاية القضارف قائمة أسعار جديدة حددت لتر الجازولين بـ 7,853 جنيهاً، بينما قفز السعر في كسلا ليصل لتر البنزين إلى 6,271 جنيهاً. غير أن التحدي الأكبر يتمثل في قرار ديوان الضرائب بولاية البحر الأحمر بفرض جبايات باهظة على الحاويات الخارجة من بورتسودان، حيث تصدرت الأبيض القائمة بواقع 20 مليون جنيه للحاوية الكبيرة. ويتفق الأستاذ مزمل الضي مع هذه المعطيات، مؤكداً أن تعدد نقاط الجبايات والرسوم على الطرق للشاحنات والباصات السفرية يضاف مباشرة كتكلفة على المعروض، كما أن زيادة الدولار الجمركي وارتفاع أسعار العمالة المحلية ساهمت في خلق هذه الموجة التضخمية.
انفجار أسواق المحاصيل
ونتيجة لهذا المزيج، سجلت بورصة القضارف أرقاماً قياسية؛ حيث بلغ جوال الذرة دبر 250,000 جنيه، والسمسم 207,500 جنيه. وفي الأبيض، قفز جوال سكر كنانة إلى 193,000 جنيه، وسجل طن الفول المقشور 4,800,000 جنيه، بينما صعد قنطار الصمغ السوداني إلى 570,000 جنيه، مما يؤكد أن تكلفة الطريق والضرائب والطلب الزائد على النقد الأجنبي باتت أشد وطأة من قيمة السلعة نفسها. ومع تصاعد هذه الضغوط، يبقى القطاع الصحي هو الملجأ الأخير؛ حيث استقر سعر الأنسولين عند 16,000 جنيه بالأبيض، إلا أن هذا الاستقرار يظل هشاً في ظل اقتصاد يخنقه تدهور سعر الصرف وتعدد الجبايات الولائية التي باتت تستنزف جيوب المواطنين المنهكة أصلاً.
خلاصة المشهد
أبرز الأرقام الواردة في التقرير لشهر أبريل 2026:
أغلى أسطوانة غاز: 100,222 جنيهاً في دنقلا.
أعلى ضريبة نقل حاوية: 20,000,000 جنيه للشحن إلى الأبيض.
سعر جوال سكر كنانة: 193,000 جنيهاً في الأبيض.
سعر لتر الجازولين: 7,853 جنيهاً في القضارف.
أعلى سعر لجوال الذرة: 250,000 جنيه لصنف دبر في القضارف.
يواجه المواطن “فكي كماشة” بين غلاء الطاقة وتكاليف النقل، مما يهدد الاستقرار المعيشي والدوائي، وسط دعوات بضرورة مراجعة الجبايات الولائية التي تخنق حركة الإنتاج.



