تفكيك جمهورية الجبايات (٢)..

 إرتباك السوق..هل يقود حظر “السلع الكمالية” السودان إلى ضبط الإقتصاد أم إلى صناعة أزمة جديدة؟..

  من تفكيك التشوهات إلى إنتاج صدمة إقتصادية جديدة..ثم ماذا ؟..

 كيف كشف تسريب حظر السلع “الكمالية” إرتباك صناعة القرار ؟..

بين حماية العملة وتهديد السوق..من يدفع ثمن حظر الغذاء المستورد ومواد البناء؟..

 غياب الإسناد الفني والإعلامي..حين تتحول القرارات الإقتصادية إلى موجات هلع ومضاربات..

تقرير تحليلي/ علم الدين عمر 

إذا كان الجزء الأول من معركة الدولة ضد “جمهورية الجبايات” قد إنصرف إلى تفكيك أحد أخطر التشوهات البنيوية المرتبطة بالتحصيل العشوائي وتعدد الرسوم بوصفه إستنزافاً داخلياً لحركة التجارة والإنتاج.. فإن الجزء الثاني يكشف وجهاً آخر أكثر تعقيداً في المشهد الإقتصادي السوداني متعلق بالإرتباك في إدارة السوق نفسه عبر قرارات واسعة التأثير تتصل بالإستيراد.. والعملة.. والتضخم.. لكنها تصل إلى الأسواق في صورة مضطربة.. مسربة.. ومرتبكة.. بما يجعل أثرها النفسي والتجاري أحياناً أخطر من القرار ذاته..

فالقرار المتعلق بحظر أو تقييد إستيراد ما وُصف بالسلع “الكمالية” لم يُستقبل في الأسواق كمجرد إجراء تنظيمي محدود..بل بدا لكثيرين كتحول مفاجئ في فلسفة إدارة الإقتصاد.. خاصة مع اتساع القائمة لتشمل منتجات غذائية متداولة على نطاق واسع مثل البسكويت.. والألبان.. والحلويات..ومنتجات إستهلاكية أخرى.. إلى جانب قائمة كبيرة من مواد البناء تجاوزت أربعين صنفاً..

ليكون السؤال الجوهري علي الطاولة ..ما هو تعريف “الكمالي” في واقع إقتصادي يعاني أصلاً من إختلالات هيكلية..وشح في الإنتاج المحلي.. وتفاوت كبير في أنماط الاستهلاك؟.. وهل تم إعداد القرار وفق رؤية إنتاجية وتجارية متكاملة..أم طُرح كإستجابة مالية متعجلة هدفها الأول تقليل الضغط على النقد الأجنبي مهما كانت التداعيات؟..

 

سوق على حافة الصدمة..كيف تحول التسريب إلى وقود مباشر لموجة الإرتباك والغلاء؟..

 

من حيث الظاهر.. يمكن قراءة القرار ضمن محاولات الدولة لكبح جماح التضخم..والحد من نزيف العملة الصعبة.. وتقليص فاتورة الواردات في ظل ضغوط إقتصادية هائلة..

لكن المشكلة الكبرى لم تكن فقط في مضمون القرار.. بل في طريقة ولادته..

فالتسريب المبكر قبل الإخراج المؤسسي الكامل بواسطة رئيس مجلس الوزراء.. ثم تأكيد الجهات المختصة لمضمونه خلقا حالة مركبة من الإرتباك فالسوق تلقى الإشارة قبل أن يتلقى التفسير..والتجار واجهوا الصدمة قبل أن تتضح آليات التنفيذ..والمواطن سمع بالحظر قبل أن يفهم حدوده أو أهدافه..

وتبدت بذلك إحدى أخطر أزمات الإدارة الإقتصادية في السودان.. حيث سبق الخوف الشرح.. وتقدمت الشائعة السياسة.. ودخلت الأسواق في موجة مضاربة مدفوعة بالتوقعات أكثر من الحقائق..

في بيئة إقتصادية هشة..لا تحتاج الأسواق إلى قرار نافذ حتى ترتبك..يكفي أحياناً مجرد الإحساس بأن سلعة ما قد تُحظر أو تُقيّد حتى تبدأ دوائر التخزين..ورفع الأسعار..وإعادة التسعير الاستباقي وحركة المضاربة في الأماني والوعود وشبكات الإستثناءات وضياع الحقوق..

وهذا ما جعل قرار الحظر – أو حتى تسريبه – يتحول من أداة يُفترض أنها تهدف إلى ضبط السوق..إلى عامل مباشر في إرباكه.. على الأقل في المدى القصير..

 

الكمالي أم الضروري ..حين تصطدم التعريفات الحكومية بواقع الإستهلاك والسوق السوداني..

 

وقد ظهرت معضلة أكثر عمقاً من مجرد قائمة سلع..تحت لافتة السؤال الحائر..من الذي يحدد فعلياً ما هو “كمالي” وما هو “ضروري” داخل الإقتصاد الوطني المضطرب؟

فعلى الورق.. قد تبدو بعض السلع قابلة للتصنيف كمنتجات ثانوية يمكن الإستغناء عنها مؤقتاً.. لكن الواقع التجاري والإستهلاكي أكثر تعقيداً..

فبعض المنتجات الغذائية المدرجة في قوائم التقييد ترتبط بسلاسل توزيع واسعة..وأنشطة تجارية.. وقطاعات تشغيلية..وعقودات قانونية قصيرة وطويلة الأمد..كما أن بعض مواد البناء تمثل مدخلات مباشرة في حركة التشييد والإستثمار وإعادة الإعمار التي طرحتها الدولة التي تعلم يقيناً وهي تدعم برامج العودة الطوعية أن الديار خالية من محيط ومخيط البناء والتشييد..

وبالتالي.. فإن القرار لا يقتصر على تقليل إستيراد سلع بعينها.. بل قد يمتد أثره إلى إعادة تشكيل دورة السوق نفسها..من الإستيراد إلى الجملة إلى التجزئة.. بما قد يخلق إختناقات سعرية أو وفرة غير متوازنة أو إنتقالاً مضطرباً نحو بدائل محلية قد لا تكون جاهزة بالكفاءة المطلوبة..

 

الغذاء ومواد البناء تحت الضغط.. التداعيات الصامتة على المعيشة والإستثمار..

 

الأثر الأكثر حساسية ظهر في قطاعين رئيسيين..الغذاء ومواد البناء..

فعندما تشمل القيود منتجات غذائية واسعة التداول.. حتى وإن صُنفت رسمياً كغير ضرورية..فإن السوق لا يتعامل معها دائماً بهذه البساطة.. لأن بعضها يرتبط بسلوك إستهلاكي يومي..وشبكات بيع.. وفرص عمل.. ورأس مال تجاري قائم..

أما مواد البناء.. فإن أي إضطراب فيها يتجاوز رفاهية السوق إلى قطاعات التشييد..والإسكان.. والإستثمار..والعمالة اليومية..

وبذلك فإن قراراً واسع النطاق من هذا النوع قد لا يقتصر أثره على تقليل الواردات.. بل قد يعيد تشكيل الأسعار في قطاعات مترابطة.. ويضغط على سلاسل الإمداد..ويهدد إستقرار أنشطة تجارية كاملة..وربما يدفع بعض الفاعلين إلى تقليص أعمالهم أو الخروج من السوق إذا لم تكن هناك معالجات إنتقالية واضحة..

المستوردون والتجار في مرمى القرار.. خسائر محتملة وسؤال البقاء في سوق مضطرب..

 

عدد كبير من المستوردين والتجار لا يتحركون بمنطق الشراء الفوري فقط.. بل وفق تعاقدات مسبقة..وشحنات قيد الوصول..والتزامات مصرفية وائتمانية معقدة..

وعندما يأتي قرار واسع بهذا الحجم بصورة مفاجئة أو مرتبكة.. فإن الخسائر لا تكون نظرية.. بل قد تصبح مباشرة.. بضائع مهددة.. رأس مال معطل..وأسواق تتغير قواعدها دون فترات تكيف كافية..

وهنا يصبح السؤال أكثر حساسية.. هل تملك الدولة أدوات حماية إنتقالية لهذه القطاعات؟..

أم أن السياسة تسير بمنطق المعالجة السريعة ولو على حساب قطاعات تجارية واسعة؟

لأن أي إصلاح إقتصادي لا يراعي كلفة الانتقال قد ينتهي بإضعاف جزء من البنية التجارية التي يقوم عليها السوق نفسه..

 

حماية الجنيه أم صناعة الندرة؟.. المعضلة الكبرى بين تقليص الواردات وإستقرار الأسعار..

 

 

المأزق الحقيقي لا يكمن في مبدأ تقليل الواردات ذاته..فذلك قد يكون خياراً دفاعياً مفهوماً في إقتصاد يعاني من شح النقد الأجنبي وتدهور العملة..

لكن التحدي هو كيفية تنفيذ هذا الخيار دون أن يتحول إلى محفز للندرة.. أو إلى موجة غلاء جديدة.. أو إلى بيئة إحتكارية يستفيد منها البعض على حساب السوق والمستهلك..

فالسياسات الإقتصادية الدفاعية قد تنجح في تخفيف الضغط على العملة.. لكنها تفشل تماماً في حال لم ترتبط بإجراءات موازية تشمل تنشيط البدائل المحلية..وضبط الأسواق.. ومنع الإحتكار..وتقديم خطاب رسمي واضح يطمئن الفاعلين الإقتصاديين بدلاً من دفعهم إلى الخروج..

 

غياب الرؤية الإنتقالية.. لماذا قد تتحول القرارات المفاجئة إلى عبء على الإقتصاد بدلاً من إنقاذه؟..

 

حتى الآن.. ما يثير القلق ليس فقط القرار.. بل الصورة التي خرج بها.. إرتباك.. تسريب..ردود أفعال متباينة.. وضعف واضح في الإسناد الفني والإعلامي..

فالقرارات الإقتصادية الكبرى لا تُقاس فقط بسلامة دوافعها..بل أيضاً بقدرة الدولة على شرحها.. وتبريرها.. وإدارة آثارها النفسية والتجارية..وإستصحاب المستهدفين منها كشركاء..

فغياب هذه العناصر يحول القرار – مهما كانت دوافعه – إلى بيئة خصبة للشائعات.. والمضاربات.. والإحتكار..وفقدان الثقة..

وفي هذه الحالة.. تصبح الحكومة وكأنها تخوض معركة على جبهتين..جبهة الإقتصاد الحقيقي.. وجبهة الإنطباع العام..

 

ضبط الإستيراد وإدارة الخوف..كيف يصنع ضعف الخطاب الحكومي أزمات إضافية؟..

 

الإسناد الإعلامي جزء من صميم السياسة الإقتصادية..

فإذا كانت الدولة تريد إقناع السوق بأن الهدف هو حماية العملة وتوجيه الموارد.. فعليها أن توضح المعايير.. والبدائل.. والفئات المتأثرة.. وآليات التدرج..وخطط إمتصاص الصدمة..

بدون ذلك..تتحول السياسة من إدارة إقتصادية إلى صدمة إدارية..

 

الطريق بين الضرورة والإرتباك..

 

في المحصلة..يبدو السودان اليوم وكأنه ينتقل من مواجهة تشوهات الداخل – الجبايات.. التجنيب.. الرسوم العشوائية – إلى مواجهة تشوهات الخارج المرتبطة بالواردات.. والعملة.. واختلال أولويات السوق..

لكن الخطر الحقيقي يكمن في أن تتحول محاولات العلاج نفسها إلى مصدر إضطراب جديد إذا غابت الرؤية الكلية..

كما أن تفكيك جمهورية الجبايات إحتاج إلى قانون واضح وإرادة حاسمة..فإن إعادة ضبط الإستيراد تحتاج إلى ما هو أكثر من الحظر..تحتاج إلى سياسة إقتصادية متماسكة..وإسناد فني إحترافي.. وخطاب حكومي قادر على طمأنة السوق والمستهلك..

لأن الإقتصاد.. في ظل الهشاشة الحالية لا ينهار فقط بسبب نقص الموارد.. بل أحياناً بسبب إرتباك القرار نفسه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى