منى ابوزيد تكتب : العدو الذي نحتاجه..!

هناك فرق..

“أخطر ما في بعض الأفكار أنها حين تصبح يقيناً تتوقف عن كونها قابلة للفهم”.. الكاتبة..!

في العلاقات الإنسانية قد نبحث أحياناً عن شخص آخر نختلف معه، ليس لأن الخلاف ضروري، بل لأن الآخر المخطئ يمنحنا راحة خفية “أن نكون نحن على صواب، وأن نقف في جهة واضحة، حتى وإن كانت ضيقة”..!

 

نمسك بالخلافات القديمة كأنها وثائق هوية، نُحدّثها من حين لآخر، نضيف إليها تفاصيل جديدة لكي نُبقي القصة حية، وكأن النهاية ليست هدفاً، بل تهديداً،

فانتهاء الخصومة يعني بداية شيء أصعب “أن نضطر إلى مواجهة أنفسنا دون وسيط” أو مشجب..!

العدو المزعوم في كثير من الأحيان لا يكون سيئاً كما نحب أن نعتقد. لكن وجوده ضروري لأنه ببساطة يحمينا من تلك المساحة الرمادية داخلنا، ومن احتمال أن نكون مخطئين جزئياً، ومن فكرة أن العالم لا ينقسم بهذه السهولة إلى نحن وهم..!

 

العدو يمنحنا وضوحاً مريحاً حتى لو كان زائفاً، وحينما نخرج من أطر العلاقات إلى فضاءات السياسة، لا تتغير الفكرة كثيراً، فقط تكبر أدواتها. في السياسة لا تعيش السلطة فقط على الإنجاز، بل تعيش أيضاً على العدو الذي يُبقي الجماهير متماسكة، ويُبرر الأخطاء، ويؤجل الأسئلة المزعجة..!

العدو في عالم السلطة وجوده ضروري ليس لأنه قوي، بل لأنه مفيد. فبدونه ستضطر السلطة أن تواجه نفسها، وهذا أسوأ. وربما لهذا لا يكون العدو دائماً اكتشافاً، أحياناً يكون صناعة..!

بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر لم يتغير العالم فقط، بل تغيرت حاجة العالم إلى عدو واضح، فصار الخوف أكثر تنظيماً، والاتهام أكثر جاهزية، والحدود بين نحن وهم أكثر حدة، حتى لو كانت الحقيقة أكثر تعقيداً..!

وفي روسيا لا يظهر العدو فقط على الحدود، بل داخل الخطاب. كل اختلاف يمكن أن يُعاد تعريفه كتهديد، ليس لأن الجميع أعداء، بل لأن وجود العدو يُبقي الحكاية متماسكة..!

أما في الهند فقد يتحول الاختلاف الديني من واقعٍ اجتماعي معقد إلى رواية جاهزة تكون أوضح من الحقيقة وأسهل في الاستخدام. وفي أوروبا يعود المهاجر كل فترة ليأخذ موقع العدو المؤقت، ليس لأنه الأخطر دائماً بل لأنه الأكثر قابلية..!

الغريب أن هذه النماذج، رغم تباعدها، تتشابه في كون العدو لا يُستخدم فقط لإقصاء الآخر بل لتنظيم الداخل وكأن السياسة حين تعجز عن الإجابة تُحسن اختيار السؤال، وحين لا تعرف كيف تُقنعك بنفسها تُقنعك بأن تخاف من غيرها..!

 

في السودان حيث لا ينقصنا في الواقع ما نختلف عليه، ومع ذلك نبدو أحياناً وكأننا نبحث عن مزيد.

نُعيد تعريف بعضنا بسرعة، نُصنّف، نُقصي، ونُمسك بكل ما يُبقي المسافة قائمة، وكأن الاقتراب خطر، وكأن الفهم رفاهية لا نملكها..!

 

فهل نحن فعلاً محاصرون بأعداء كُثر أم أننا بطريقة ما صرنا نخاف من عالم بلا أعداء لأنه سيُجبرنا أخيراً على مواجهة أنفسنا؟. أياً كانت الإجابة فإن العدو الذي نحتاجه ليس دائماً ذاك الذي يقف في مواجهتنا، بل ذاك الذي يُعفينا من مواجهة أنفسنا. ولهذا نتمسك به أكثر مما ينبغي!.

munaabuzaid2@gmail.com

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى