النيل الأزرق.. الممر الذي تحول إلى فخ عسكري للمليشيا
إنهيار خطوط الإمداد.. بداية السقوط البنيوي

حكومة التأسيس وصراع الغنائم.. كيف تسارع التفكك الداخلي؟
الهروب الكبير نحو المجهول.. المليشيا تفقد قدرتها على التعبئة والبقاء
تقرير تحليلي/ علم الدين عمر
منذ الأسابيع الأولى للحرب.. اعتمدت مليشيا الدعم السريع على إستراتيجية الحركة السريعة والإنتشار المرن.. مستفيدة من عنصر المباغتة..ومن شبكة إمداد معقدة ومفتوحة عبر الحدود الغربية والجنوبية.. إضافة إلى خطاب تعبوي قائم على فكرة “الحسم السريع”.. وإمكانية فرض واقع سياسي وعسكري جديد بالقوة..غير أن التطورات الميدانية منذ الشهر الأول للتمرد.. مروراً بإستراتيجية الإنتشار المتدرج التي إنتهجها الجيش في إخراجها من ولايات الجزيرة وسنار والخرطوم والنيل الأبيض وأجزاء واسعة من كردفان وليس نهاية بالأحداث الأخيرة في إقليم النيل الأزرق كشفت بوضوح أن هذه المعادلة بدأت تتهاوى بصورة متسارعة.. وأن المليشيا تواجه اليوم أخطر مراحل الإنهاك البنيوي منذ اندلاع الحرب..
النيل الأزرق..الجغرافيا التي ابتلعت مشروع التمدد..
المعلومات المتواترة حول هروب مئات العناصر من مواقع التمركز..ومحاولاتهم الوصول إلى إقليم بحر الغزال ثم دارفور..لا تعكس مجرد انسحاب تكتيكي محدود..وإنما تشير إلى أزمة وجود حقيقية داخل التشكيلات المسلحة.. خاصة مع تعطل خطوط الإمداد.. وفقدان السيطرة المركزية..وتصاعد الإحساس وسط المقاتلين بأنهم تُركوا في الميدان دون غطاء سياسي أو عسكري أو لوجستي..
النيل الأزرق..وبحكم طبيعته الجغرافية وتعقيداته الأمنية.. لم يكن يوماً مسرحاً سهلاً للعمليات العسكرية طويلة الأمد..المنطقة تحتاج إلى إمداد ثابت.. وغطاء إستخباراتي محكم..وقدرة على المناورة في بيئة شديدة الحساسية تتداخل فيها الحدود والقبائل والممرات الوعرة.. ومع تشديد الجيش والقوات المساندة للحصار.. بدأت المليشيا تفقد أهم ميزاتها..وهي حرية الحركة والقدرة على إعادة التموضع..
إنقطاع الإمداد..بداية الإنهيار الحقيقي..
الأكثر تأثيراً من ذلك أن الإنهيار الحالي لا يبدو مرتبطاً فقط بالخسائر العسكرية.. بل بإنهيار الفكرة التنظيمية التي قامت عليها المليشيا خلال السنوات الماضية.. فالتشكيل الذي تمدد بسرعة عبر المال والتجنيد الطارئ والولاءات المؤقتة.. بدأ يواجه الآن معضلة الإستمرار تحت الضغط..
المقاتل الذي كان يعتقد أن المعركة قصيرة وحاسمة.. وجد نفسه في حرب إستنزاف مفتوحة.. تتراجع فيها فرص الحسم وتتزايد فيها إحتمالات الموت أو العزلة أو التخلي..
وهنا تظهر أزمة الإمداد باعتبارها العنوان الأبرز للمرحلة الحالية.. فقدرة القيادة على الحفاظ على خطوط الإسناد والتموين والتعزيز هى المحك الحقيقي أثناء المعركة .. وكل المؤشرات القادمة من مناطق العمليات تشير إلى أن المليشيا باتت تعاني من إنقطاع واضح في مسارات الدعم..سواء على مستوى الذخائر أو الإمداد الغذائي أو عمليات الإخلاء والنقل..
ولذلك بدأت مجموعات كاملة تفكر في النجاة الفردية بدلاً عن الإستمرار في القتال.. وهو تحول شديد الخطورة في أي تشكيل عسكري.. لأن انتقال المقاتل من عقلية “الهجوم” إلى عقلية “البحث عن مخرج” يعني عملياً بداية الإنهيار المعنوي…
الهروب نحو بحر الغزال.. الإنسحاب الفردي..
الحديث عن محاولات الفرار باتجاه جنوب السودان يعكس فقدان الثقة في إمكانية الصمود داخل مسرح العمليات الحالي..خاصة مع تراجع قدرة القيادات الميدانية على احتواء الأزمة..
المقاتلون الهاربون لا يتحركون وفق خطة عسكرية منظمة بقدر ما يتحركون بدافع النجاة..وهذا الفارق بالغ الأهمية.. لأن الجيوش أو التشكيلات القادرة على إعادة التموضع تحتفظ عادة بغرف قيادة وسيطرة وخطط بديلة ومسارات إنسحاب آمنة..بينما تشير الوقائع الحالية إلى حالة تفكك متسارعة وانعدام واضح للتنسيق..
كما أن محاولة الوصول إلى دارفور عبر بحر الغزال تكشف أن المليشيا بدأت تفقد تدريجياً قدرتها على الحفاظ على مناطق إنتشارها البعيدة..لتعود نحو معاقلها التقليدية باعتبارها آخر خطوط الدفاع الممكنة..
تراجع خطاب التعبئة..نهاية الوهم السياسي..
في المقابل..يبدو أن القيادة السياسية والعسكرية للمليشيا فشلت في إنتاج خطاب تعبئة جديد قادر على إعادة شحن القواعد القتالية..ففي بداية الحرب..اعتمد الخطاب على شعارات مرتبطة بالتغيير السياسي ومواجهة “الدولة القديمة” “دولة٥٦” ..غير أن استمرار الحرب.. واتساع الإنتهاكات.. وتراجع الحواضن الإجتماعية..جعل هذه الشعارات تفقد بريقها تدريجياً..
ومع مرور الوقت.. لم يعد كثير من المقاتلين يرون أفقاً سياسياً واضحاً للحرب..بل باتت المعركة بالنسبة لهم حالة إستنزاف مفتوحة بلا أهداف مفهومة أو نتائج ملموسة..
وتآكلت تبعاً لذلك قدرة القيادة على السيطرة النفسية والمعنوية.. لأن أي مشروع مسلح يعتمد في بقائه على وجود رواية تعبئة مقنعة تمنح المقاتل إحساساً بأنه يقاتل ضمن مشروع قابل للحياة..
حكومة التأسيس..الشرخ الذي عمّق الإنقسام الداخلي..
ثم جاءت خطوة تشكيل ما عُرف بـ”حكومة التأسيس” بالأمس لتضيف طبقة جديدة من التعقيد الداخلي..إذ شعر كثير من المقاتلين والعناصر الميدانية بأن التضحيات التي تُبذل على الأرض يجري توظيفها لصالح مجموعات سياسية وناشطين بعيدين عن الميدان..وعن فكرة المشروع التي تبنتها المليشيا في خطابها التضليلي الأول للمجتمعات المحلية..بينما تُعاد هندسة النفوذ داخل المشروع لصالح أسر وشبكات محددة..
هذا الإحساس بالتمييز والتمكين أحدث شروخاً عميقة داخل البنية الداخلية للمليشيا..لأن الحرب بالنسبة للمقاتل العادي لم تعد تبدو مشروعاً جماعياً.. بل أداة لصناعة طبقة جديدة من المنتفعين..
ومع الوقت..بدأت تظهر تناقضات حادة بين القيادات الميدانية وبعض الواجهات السياسية المرتبطة بالمليشيا.. حيث يواجه القادة في الميدان واقعاً مختلفاً تماماً عن الخطاب الإعلامي والسياسي الذي يُقدم في الخارج..
النفوذ السياسي في مواجهة العسكري..
هناك مجموعات محاصرة..وخطوط إمداد مقطوعة.. وخسائر بشرية متزايدة.. وانهيار تدريجي في القدرة على السيطرة.. بينما تستمر بعض الواجهات السياسية في الحديث عن مشاريع حكم وتحالفات مستقبلية.. وكأن الميدان متماسك أو إنتهي دور المقاتلين فيه..
هذه الفجوة بين “السياسي” و”العسكري” أصبحت واحدة من أخطر عوامل التفكك الداخلي..لأن أي قوة مسلحة تفقد الإنسجام بين جناحها القتالي وواجهتها السياسية تدخل تلقائياً في مرحلة التآكل..
ومع تعدد مراكز النفوذ داخل المليشيا.. وظهور سياسات تفضيل وتمكين لصالح مجموعات محددة.. تصاعد الشعور بالغضب وسط قطاعات واسعة من العناصر التي بدأت ترى نفسها مجرد وقود لمعركة لا تملك قرارها الحقيقي..
البيئة الإقليمية المتغيرة..تضييق الخناق..
التحولات الجارية في الإقليم لعبت كذلك دوراً مهماً في تعقيد وضع المليشيا.. فالكثير من المسارات التي كانت مفتوحة للحركة والتموين أصبحت اليوم تحت الرقابة والضغط المتزايد.. كما أن البيئة الإقليمية نفسها لم تعد تمنح المساحات السابقة للمناورة..خاصة مع تصاعد المخاوف من تمدد الفوضى الأمنية عبر الحدود..ونفاذ الصبر الأثيوبي وعدم قدرة النظام هناك علي الإستمرار في دعم المليشيا عقب المحاولة اليائسة لضرب مطار الخرطوم ومنشآت مدنية أخري من منصات داخل الاراضي الأثيوبية وما أعقب ذلك من تصعيد سوداني وقوي ومباشر اربك المشهد في الداخل الأثيوبي لدرجة غير متوقعة..
وفي الداخل السوداني..تبدو المليشيا أمام أزمة حواضن حقيقية.. فالمجتمعات التي احتضنت بعض وجودها سابقاً بدأت تعاني من آثار الحرب المباشرة..سواء عبر النزوح أو الإنهيار الإقتصادي أو الإنتهاكات أو فقدان الخدمات..
ومع اتساع رقعة الإنهاك المجتمعي.. تراجع خطاب التعبئة القائم على التحريض والإستقطاب..لأن المواطن العادي بات يبحث عن الأمن والإستقرار أكثر من أي شعارات سياسية فضفاضة..
النيل الأزرق..بداية الإنكشاف الكبير..
كل ذلك يجعل ما يحدث في النيل الأزرق أكثر من مجرد معركة معزولة..فقد كشفت مسار الإنهاك الكلي الذي أصاب مشروع المليشيا المسلح..
وبتقطع خطوط الإمداد.. وتراجع الحافز العقائدي.. واتساع دائرة الانقسامات الداخلية. وفقدان القيادة قدرتها على توحيد الرؤية..يصبح الإنهيار البنيوي مسألة وقت لا أكثر..
مشهد المجموعات الهاربة من الميدان يحمل دلالات أعمق بكثير من مجرد إنسحاب عسكري.. إنه تعبير عن أزمة مشروع كامل بدأ يفقد قدرته على البقاء..وعن تشكل واقع جديد تتقدم فيه الدولة تدريجياً نحو استعادة زمام المبادرة الميدانية والسياسية.. مستفيدة من تآكل خصمها من الداخل قبل الخارج..
وفي الغالب لحظة الإنهيار الحقيقية غير مرتبطة بالهزيمة العسكرية المباشرة.. وإنما باللحظة التي يفقد فيها المقاتل إيمانه بجدوى القتال ..ويبدو أن النيل الأزرق تقترب سريعاً من أن تصبح واحدة من أبرز تجليات هذه اللحظة بين يدى الحراك الكثيف لمجموعات المقاتيلن الذين يحاولون التنصل عن مشروع المليشيا في كردفان ودارفور بعد أن إنحسر بالفعل أي وجود حقيقي لمشروعها في بقية أنحاء السودان..



