مشروع الجزيرة: انحسار شريان الحياة وصراع البقاء في أرض العطش
أزمة غياب المياه في هذا الموسم هي الأسوأ منذ سنوات

تحقيق: هيام المغربي
لطالما كان مشروع الجزيرة هو النبض الذي يحرك شريان الحياة في السودان والاسم الذي اقترن لعقود طويلة بصورة البلاد الزراعية المشرقة ولقبها الأثير سلة غذاء العالم.. هذا الصرح العملاق الذي يعد أكبر مشروع مروي في إفريقيا لم يكن مجرد مساحات خضراء بل كان قاطرة الاقتصاد الوطني وملاذ الأمان الغذائي لملايين السودانيين ومصدر الفخر القومي الذي تلتف حوله الآمال.
لكن اليوم يقف هذا العملاق على حافة أزمة معقدة وخطيرة حيث تبدلت ملامحه بصورة تثير الأسى فالمجاري المائية التي كانت تنبض بالحياة وتضج بالحركة تحولت إلى قنوات مهملة تكسوها الحشائش ويخنقها الطمي بينما بات المزارع الذي كان يرقب الصرفة بفارغ الصبر لبداية موسم مبشر يواجه اليوم شبح الديون المتراكمة وخسائر الإنتاج الفادحة وغياب الخدمات الأساسية. وبين غياب الرؤية الاستراتيجية وتداعيات الحرب والانهيار الاقتصادي أضحى المشروع ملفاً شائكاً على طاولة الإصلاح وسط نداءات استغاثة تتعالى لإنقاذ ما تبقى من هذا الإرث الزراعي العريق قبل خروجه النهائي من دائرة الإنتاج.
واقع الأزمة في الموسم الشتوي
دخل مشروع الجزيرة الموسم الزراعي الشتوي للعام 2025 /2026 وسط جملة من التحديات المعقدة التي ألقت بظلالها على الإنتاج حيث يشكو المزارعون من عطش المحاصيل الحاد وارتفاع تكاليف التحضير وضعف التمويل وتراجع خدمات الري مما دفع بالكثيرين للخروج من الموسم مثقلين بالخسائر والديون.
إفادات ميدانية
وفي إفادات ميدانية لصحيفة العودة أكد حمد كشر عضو تحالف أبناء مزارعي الجزيرة أن أزمة العطش في هذا الموسم هي الأسوأ منذ سنوات حيث تسببت في تدني الإنتاجية لدرجة لا تغطي التكاليف إذ بلغت في بعض الأقسام نحو خمسة جوالات للفدان فقط. وأرجع كشر الأسباب إلى تهالك الشبكة وانتشار أشجار المسكيت والحشائش التي سدت المجاري المائية خاصة في أقسام الهدى والتحاميد مبيناً أن إدارة الري تعمل حالياً بـخمسة عشر بالمئة فقط من طاقتها البشرية مع غياب شبه كامل للمهندسين والمفتشين مما أدى لضعف الرقابة والمتابعة اليومية وضبط مناسيب المياه. وأضاف أن هذه الأزمة انعكست مباشرة على أوضاع المزارعين المالية حيث عجز الكثير منهم عن سداد ديون البنك الزراعي والشركات الممولة مما جعلهم مهددين بالسجن.
معاناة المزارعين وغياب الدعم
ويروي المزارع محمد أحمد همتك من مشروع بركات في حديثه لصحيفة (العودة) تفاصيل الموسم المريرة مشيراً إلى أن المزارعين فقدوا مدخراتهم بسبب الحرب وعمليات النهب واصطدموا بواقع زراعي مرير يشمل تأخر وصول التقاوى وتوزيع أسمدة منتهية الصلاحية فضلاً عن انعدام نظافة القنوات وتكريكها. وأوضح همتك أن غياب السعر التركيزي للمحاصيل جعل المزارع فريسة سهلة للمضاربات والتجار كما ساهمت زيادة أسعار الوقود في ارتفاع تكلفة الحصاد مما جعل المزارعين يخرجون من الموسم مثقلين بالديون.
وفي ذات السياق أوضح المزارع خليفة الغزالي من مشروع الهدى لصحيفة (العودة) أن المزارعين يفتقرون للسيولة المالية تماماً خاصة بعد ظروف النزوح وأوضاع ما بعد الحرب منتقداً رفع الحكومة يدها عن تحديد سعر مجزٍ للقمح وتأخر وصول آليات النظافة التي اضطر المزارعون لتوفير وقودها من مالهم الخاص رغم دفعهم الكامل للرسوم والضرائب. ويصف المزارع إبراهيم محمد بله من مكتب شندي قسم الهدى الوضع المأساوي للترع والكباري مشيراً إلى أن سعر صفيحة الجازولين قفز إلى مئة وسبعين ألف جنيه وسط غياب تام لدعم إدارة المشروع مطالباً بضرورة النزول الميداني والوقوف على الأوضاع لإنقاذ الموسم.
تراكمات الانهيار وفرص الإصلاح
وفي إفادة خاصة لصحيفة (العودة) قال المهندس صديق عبد الهادي رئيس مجلس إدارة المشروع السابق إن الأزمة هي نتاج تراكمات طويلة كان أسوأها انهيار البنية الأساسية في عهد الإنقاذ.. وكشف عبدالهادي عن ضياع فرصة ذهبية في سبتمبر 2021 حيث تم الاتفاق مع الحكومة الهولندية على قرض بقيمة سبعمئة وخمسين مليون دولار لتأهيل الري لكن انقلاب أكتوبر أوقف هذا المشروع الحيوي.. وأكد أن الحرب الأخيرة فاقمت المعاناة بعد تدمير الآليات والبنيات الأساسية مشدداً على أنه لا زراعة بدون ري ومع ذلك يراهن على خبرة وإرث مزارع الجزيرة في العودة مجدداً إذا ما وضع المشروع ضمن الأولويات الوطنية لإعادة بناء السودان.

رؤية مستقبلية للنهوض بالمشروع
من جهته قدم المهندس محسن النعمة عضو تحالف مزارعي الجزيرة والمناقل رؤية إصلاحية شاملة خلال مشاركته في الملتقى الدولي للإصلاح الزراعي بالصين 2025 ركزت على أن الزراعة تمثل العمود الفقري للاقتصاد السوداني ويعتمد عليها أكثر من سبعين بالمئة من سكان الريف.. وأوضح النعمة في ورقة قدمها أن الحرب الحالية دمرت البنية التحتية ونهبت المعدات وفقدت آلاف السلالات الوراثية مقترحاً حزمة من الحلول تشمل إعادة تأهيل شبكات الري والخزانات فوراً وتبني الزراعة الذكية مناخياً وتوفير التمويل والتقنيات الحديثة للمزارعين. كما دعا إلى إنشاء بنك زراعي متخصص يقدم قروضاً ميسرة وتوفير مدخلات إنتاج مدعومة مع إصلاح قوانين ملكية الأراضي وتطوير البنية التحتية للنقل والتخزين.
إن استعادة مشروع الجزيرة لمكانته كقاطرة للاقتصاد السوداني تظل مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بوقف الحرب وتحقيق الاستقرار السياسي فبدون تمويل حقيقي وإرادة سياسية وإصلاح شامل لمنظومة الري سيبقى هذا العملاق أرضاً عطشى تنتظر من يروي ظمأها ويحيي مجدها القديم.
/////////////



