الكاتبة والمبدعة الصغيرة (لمار حسن) في حوار مع (العودة)

الكتابة بالنسبة لي ليست مجرد توثيق لمشاعر عابرة

قرار شجاع اتخذته هو أن أتوقف عن انتظار الوقت المثالي

الأحلام لا ترتبط بالعمر

—–

في فضاءات الإبداع التي لا تعترف بالحدود، تبرز تجربة “لمار” كنموذج يجمع بين الرؤية الثاقبة والإرادة الصلبة. يتجاوز هذا الحوار مجرد كونه لقاءً عابراً، ليصبح استكشافاً في كواليس رحلة بنيت لبنة فوق أخرى، حيث تلتقي الموهبة الفطرية بالجهد الدؤوب. نغوص هنا في جوهر التجربة التي صاغت هوية “لمار” المهنية والإنسانية، مسلطين الضوء على المحطات الفارقة التي حولت التحديات إلى فرص، والرؤى إلى واقع ملموس، لنقدم للقارئ صورة بانورامية لشخصية استطاعت أن تحجز مكانها في طليعة المبدعين بأسلوبها المتفرد وبصمتها الخاصة.

—-

* من هي لمار حسن بعيداً عن غلاف الكتاب، وكيف تشكلت علاقتك بالكتابة؟

لمار حسن أحمد طالبة شهادة سودانية أبلغ من العمر 17 عاماً ومهتمة بقضايا التعليم وتمكين الشباب وصناعة الأثر المجتمعي من خلال الكتابة والإعلام. مثلت الطلاب السودانيين في إيفنت انطلاق برنامج “درس” التابع لـ BBC Arabic حيث ناقشت قضايا التعليم أمام سفراء ووزراء وأعضاء منظمات دولية ونائب مدير خدمة قنوات بي بي سي العربية وكانت هذه التجربة نقطة مهمة عززت إيماني بأن صوت الشباب قادر على الوصول وصناعة التغيير الحقيقي. اعتدت بكتابة النصوص والاشعار وأعمارنا التي لا ترى لا تعتبر خطوة شجاعة مني في الوقت الراهن بقدر ما هي اثر أنوي غرسة في المجتمع.

 

* “من قلب صغير بالعمر كبير بالحلم”.. هل هذه العبارة هي سيرتك الذاتية المختصرة؟

إلى حد كبير نعم… لأنني أؤمن أن الأحلام لا ترتبط بالعمر وأن الإنسان قد يكون صغيراً في سنواته لكنه يحمل داخله طموحاً وتجارب وأسئلة أكبر بكثير هذه العبارة تختصر جزءاً من رحلتي رحلة فتاة لم تنتظر أن تصل إلى العمر المناسب حتى تبدأ بل حاولت أن تخطو نحو حلمها رغم الخوف والتردد وقلة الخبرة وهذا ما جعلها تكبر اعواماً في كل يوم تحاول فيه.

 

*ما الذي دفعك لاختيار هذا التوقيت تحديداً لإصدار “أعمارنا التي لا تُرى”؟

بالنسبة لي هذا الكتاب مشروع طارئ لم يكن ليتحمل التاجيل اكثر و خصوصاً مع جيل يعيش الكثير من الضغوط والتغيرات ويحاول أن يجد نفسه وسط كل هذا الزحام أردت أن يكون الكتاب رسالة تقول إن مشاعرنا وإن بدت معقدة أو غير مفهومة… فهي حقيقية وتستحق أن نحاول لأجلها.

*لماذا ركزتِ على فكرة “الأعمار التي لا تُرى” بدلاً من الأعمار الزمنية المتعارف عليها؟

لأنني أؤمن أن الإنسان لا يُقاس فقط بعدد السنوات التي عاشها، بل بما مر به وشعر به وفهمه هناك أشخاص يعيشون سنوات قليلة لكنهم يحملون في داخلهم تجارب أثقل من أعمارهم بكثير وآخرون تمر السنوات عليهم دون أن تترك أثراً حقيقياً. فكرة “الأعمار التي لا تُرى” جاءت من هذا الإحساس من الإيمان بأن لكل إنسان عمراً خفياً لا يظهر في الأوراق الرسمية بل يظهر في طريقة تفكيره وفي خوفه وفي صمته وفي محاولاته المستمرة لتحقيق أحلامه.

 

* هل تعتبرين الكتابة نوعاً من “العلاج النفسي” لكِ وللقارئ، أم هي مجرد توثيق لمشاعر عابرة؟

الكتابة بالنسبة لي ليست مجرد توثيق لمشاعر عابرة ويكمن ان تصبح علاج وإذا استطاع القارئ أن يرى نفسه داخل النص أو يشعر أنه ليس وحده فأظن أن الكتابة وقتها تصبح نوعاً من التخفيف والمساندة النفسية بشكل غير مباشر.

*في الكتاب حديث عن “النسخة التي كنا عليها”.. كيف يمكن للإنسان أن يتصالح مع نسخ ماضيه دون شعور بالندم؟

أعتقد أن التصالح يبدأ عندما نفهم أن النسخ القديمة منا كانت تحاول النجاة بالطريقة التي تعرفها في ذلك الوقت. نحن ننضج لاحقاً فننظر إلى الماضي بوعي مختلف لذلك نظن أننا كان يجب أن نتصرف بشكل أفضل. لكن الحقيقة أن الإنسان يتعلم أثناء الطريق لا قبل أن يبدأه أنا لا أرى الماضي كشيء يجب محوه بل كجزء ساهم في تشكيلنا وحتى أخطاؤنا كانت أحياناً دروساً قاسية أوصلتنا إلى النسخة الحالية منا.

 

* بين “الخوف والمحاولة” شعرة فاصلة، كيف رسمتِ هذه المسافة في نصوصك؟

(في هذا السياق، أوضحت لمار أن نصوصها تفتح أسئلة أكثر مما تقدم إجابات): أعتقد أن النصوص الحقيقية لا تعطي إجابات نهائية بقدر ما تمنح الإنسان مساحة للتفكير والشعور أنا لا أكتب وكأنني أمتلك الحقيقة الكاملة أو أفهم الحياة أكثر من الآخرين بل أكتب من موقع الإنسان الذي ما زال يحاول الفهم أيضاً. لذلك ربما نصوصي تفتح أسئلة أكثر مما تقدم إجابات أسئلة عن أنفسنا عن مخاوفنا عن النسخ التي كنا عليها وعن الأشياء التي نحاول الهروب منها أو التصالح معها.

*باعتبارك كاتبة شابة، كيف ترين واقع النشر والقراءة في ظل التحديات الراهنة؟

اليوم نحن نعيش في عالم سريع جداً والمحتوى القصير أصبح يسرق انتباه الناس لذلك صار من الصعب أحياناً أن يجد الكتاب مساحته الحقيقية. ومع ذلك أرى أن هناك جيلاً كاملاً ما زال يبحث عن الكلمات الصادقة التي تشبهه وتعبر عنه التحدي الحقيقي ليس في غياب القراء بل في الوصول إليهم وسط هذا الزحام الكبير. أما النشر فصار يحتاج إلى شجاعة وصبر أكثر من أي وقت مضى خاصةً للشباب الذين يبدأون بإمكانات بسيطة لكنني أؤمن أن الفكرة الصادقة تستطيع دائماً أن تجد طريقها.

*ما هو القرار الشجاع الذي اتخذتِه وكان سبباً في ولادة “عمر جديد” لكِ ككاتبة؟

أعتقد أن أكثر قرار شجاع اتخذته هو أن أتوقف عن انتظار الوقت المثالي أوالعمر المناسب حتى أبدأ. كان بإماني أن أخاف من التجربة أو من آراء الناس أو من احتمالية الفشل لكنني قررت أن أحاول رغم كل ذلك لحظة قراري أن أشارك كلماتي مع الناس وأن أؤمن أن صوتي يستحق أن يُسمع كانت بالنسبة لي بداية عمر جديد فعلياً.

* بعد “أعمارنا التي لا تُرى”، ما هي المساحة الجديدة التي تنوي لمار حسن استكشافها في مشروعها الأدبي القادم؟

أرغب في الاقتراب أكثر من شباب وطني ومن التفاصيل التي يعيشها الشباب يومياً لكن لا يتم الحديث عنها بصدق كافٍ.

 

* اعتمدتِ أسلوباً يتسم بالبساطة والعمق، هل تتعمدين الهروب من التعقيد اللغوي لتصلي لجمهور أوسع؟ ومن هو القارئ الذي كانت لمار حسن تضعه نصب عينيها وهي تكتب هذه السطور؟

انا اخوض تجربة الكتاب ليس لابرز مهاراتي اللغوية ولا اعتمد التعقيد لانال إعجاب القراء. في هذا الكتاب تحديداً لم انصب اعيوني أمام قارئ بل انصب اعيوني إلى شاب يحاول التغير حتى وان لم يكن قارئ. الكتاب ليس عمل ادبي بقدر ما هو علاج وحوجه للجميع دون استثناء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى