العدوان الإثيوبي.. هل هو إعلان للحرب بالوكالة ؟!

د.النور جادين: تورط إثيوبيا في دعم المليشيا جاء تنفيذا لتحالف أمريكي إسرائيلي إماراتي

مهندس نهيض: المرحلة القادمة تتطلب من السودان بناء استراتيجية ردع متكاملة

علي فوزي: مطلوب تحرك دبلوماسي عاجل يقوم على ضبط الحدود ومنع استخدام أراضي الجوار

د.ناجي علي بشير: 4 أسباب جعلت ردة فعل السودان تجاه التورط الإثيوبي أكثر حدة

تقرير: عبود عبدالرحيم

شهدت الأيام القليلة الماضية تصاعدا في المواجهة الامنية والدبلوماسية بين السودان واثيوبيا، على خلفية الاتهامات الموجهة الى اثيوبيا بدعمها لمليشيا آل دقلو، والتي تحولت الى حقيقة مثبتة بالأدلة والوثائق الدامغة التي أعلنت عنها القوات المسلحة، بفتح اثيوبيا منصات اطلاق المسيرات على السودان وقتل الأبرياء.

وخلال استضافتنا لعدد من خبراء السياسة والاعلام، بحثنا أسباب تورط اثيوبيا في دعم المليشيا؟ علاقة الامارات باستغلال الاراضي الاثيوبية في استهداف السودان، ثم ردة الفعل السوداني تجاه اثيوبيا، وكذلك القراءة لمصير العلاقات السودانية الاثيوبية في ظل الوضع الراهن.

*تورط إثيوبي*

يضع خبير الاعلام والعلاقات العامة د. النور جادين الأطماع التاريخية لإثيوبيا في السودان وصولاً للمرحلة الحالية تحت دائرة الضوء التحليلية، قائلاً ان إثيوبيا، كدولة، لها مصالح في إضعاف السودان، حتى لو أدى ذلك إلى تقسيمه، طمعاً في أراضيه الخصبة الحدودية معها في الفشقة وعلى طول مناطق الإنقسنا في النيل الأزرق.

وقال ان أطماع إثيوبيا في أراضي السودان الخصبة ممتدة لعدة قرون ماضية، حتى قبل مملكة الفونج وفي عصر الدويلات المسيحية، حيث غزت السودان ودمرت حضارته. ويأتي هذا التورط الإثيوبي الجديد في دعم المليشيات امتداداً لهذه الأطماع التاريخية.

ويؤكد د. النور جادين ان تورط إثيوبيا في دعم المليشيا ياتي تنفيذاً لتحالف ضد السودان تقوده أمريكا وإسرائيل والإمارات، بحجة أن حكومة السودان تقع تحت نفوذ نظام حكومة الإنقاذ السابق، الذي يعتبرون وجوده يقوي ويدعم الجماعات والحركات الإرهابية والإسلامية المتطرفة.

*توازن القوة والثروة*

وهناك اعتقاد عند المفكرين والاستراتيجيين الغربيين أن السودان من أغنى بلاد العالم في الثروات الطبيعية، وأن استقراره وخلوه من المشكلات يمكن أن يؤثر على توازن القوى والثروات في العالم، خاصة وأن السودان أقرب في تحالفاته إلى الصين وإيران وتركيا وروسيا.

*مصالح أخرى*

ويختتم د.النور جادين حديثه مع (العودة) معربا عن اعتقاده أن هناك من دول جوار لها مصالح أخرى في ثروات السودان وموارده، ولذلك تسعى لعدم استقراره وإشعال الفتنة الدائمة له مع إثيوبيا. كما إن هذه الدول تظهر أنها تساند السودان بينما هي مستفيدة من عدم استقراره. داعيا حكومة السودان الى إطفاء كل الحرائق في حدوده مع دول الجوار، والسعي لتحويل هذه الحدود إلى مناطق تبادل مصالح تجارية واقتصادية واستثمارية على قاعدة “رابح-رابح”، حتى تعود بالخير على البلدين.

*توتر غير مسبوق*

من جهته يقول الكاتب والمحلل السياسي مهندس نهيض محمد نهيض صالح ان العلاقات السودانية وإثيوبية تشهد الآن مرحلة غير مسبوقة من التوتر السياسي والأمني، بعد قرار أديس أبابا بابعاد السفير السوداني، في توقيت جاء متزامنا مع الانهيار المتسارع لمليشيا الدعم السريع الإرهابية في عدة محاور ميدانية، خاصة في كردفان ودارفور، مع تقدّم القوات المسلحة نحو حسم المعركة عسكرياً.

ويصف نهيض التصعيد الإثيوبي بالمؤشر الاستراتيجي على انتقال المواجهة مع السودان من مرحلة “الحرب بالوكالة” إلى مرحلة الضغوط الإقليمية المباشرة.

موضحا ان الرسالة من التصعيد الاثيوبي هو محاولة لفتح جبهة استنزاف جديدة ضد الجيش السوداني، بعد سقوط رهانات التمرد المسلح.

لكن السودان اليوم لم يعد في وضع الدولة المرتبكة كما كان في بدايات الحرب، لكنه أصبح أكثر إدراكاً لطبيعة التهديدات التي تستهدفه.

*المطلوب من السودان*

المرحلة المقبلة تتطلب من السودان الانتقال من ردود الأفعال إلى بناء استراتيجية ردع متكاملة، تقوم على محاور الحسم العسكري الكامل للتمرد، رفع الجاهزية العسكرية والاستخباراتية على الحدود الشرقية، وإعادة تشكيل شبكة علاقاته الإقليمية على أساس المصالح والسيادة.

ويختتم المهندس نهيض محمد نهيض حديثه مؤكدا ان السودان يواجه حاليا إعادة تشكيل لمسرح الصراع في القرن الإفريقي.

*شبكة صراع إقليمي دولي*

وضعنا تطورات هذه العلاقات امام المحلل السياسي والخبير الاستراتيجي الدكتور ناجي علي بشير الذي قال ان العلاقات بين السودان وإثيوبيا تطرح اليوم أسئلة تتجاوز إطارها الثنائي، لتتصل مباشرة بتوازنات القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وبشبكة أوسع من الصراعات الإقليمية والدولية التي تجعل من هذه المنطقة إحدى أكثر مناطق العالم حساسية وتشابكًا.

وفي ظل الحرب السودانية وتعقيداتها الداخلية، يصبح السؤال المركزي : هل تتجه العلاقة بين البلدين نحو مزيد من التصعيد، أم نحو إعادة ضبط تقوم على إدراك أن استقرار الإقليم شرط لاستقرار الدولتين معًا؟

*أولاً: علاقة تاريخية تتجاوز لحظة الحرب*

العلاقات بين السودان وإثيوبيا ليست علاقة طارئة، بل هي علاقة ممتدة عبر الجغرافيا والتاريخ والتداخل الاجتماعي. فقد ظل البلدان يرتبطان بحدود طويلة وحركة بشرية وتجارية نشطة، كما لعب السودان أدوارًا إنسانية مهمة في استضافة موجات من اللاجئين الإثيوبيين خلال فترات الحروب الداخلية، بما في ذلك صراعات تيقراي والحرب الإثيوبية الإريترية وأزمات سياسية متعددة.

هذا الامتزاج الإنساني يجعل العلاقة أعمق من أن تُختزل في خلاف سياسي أو ظرف حرب عابر.

*ثانيا: الحرب السودانية وتعقيد الداخل وتعدد الفاعلين*

يقول د.ناجي ان الحرب داخل السودان ليست صراعًا ثنائيًا بسيطًا، بل حالة مركبة تتداخل فيها قوى عسكرية وسياسية متعددة، إلى جانب وجود معارضة سودانية متنوعة الاتجاهات، بعضها سياسي وبعضها مسلح، ما يجعل المشهد الداخلي شديد التعقيد.

وفي هذا السياق، تشير بعض القراءات إلى وجود عناصر من قوى إثيوبية معارضة أو مرتبطة بصراعات داخلية وهو ما يرتبط غالبًا بتعقيدات اللجوء وضعف السيطرة على بعض المناطق الحدودية.

هذا التداخل بين معارضة سودانية وإثيوبية في الجغرافيا الحدودية يزيد من هشاشة الوضع الأمني، ويجعل إدارة الحدود مسألة بالغة الحساسية.

*ثالثًا: البحر الأحمر والقرن الأفريقي.. قلب التنافس الدولي*

لا يمكن فهم التوترات في العلاقات السودانية الإثيوبية بمعزل عن الإطار الأوسع لمنطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وهي منطقة تُعد من أهم الممرات الاستراتيجية في العالم.

فهذا الإقليم يمثل نقطة تقاطع حيوية لمصالح قوى دولية كبرى مثل: الولايات المتحدة، إسرائيل، روسيا والصين.

كما يرتبط مباشرة بما يجري في اليمن، وتوترات الشرق الأوسط، بما في ذلك الصراع بين إيران من جهة، وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.

هذا التشابك يجعل البحر الأحمر والقرن الأفريقي مساحة استراتيجية مفتوحة على التنافس الدولي، وأي اضطراب فيها لا يبقى محليًا، بل يتحول سريعًا إلى ملف دولي معقد.

*صراع نفوذ أوسع*

يمضي د.ناجي في قراءته التحليلية قائلا إن استمرار التوتر بين السودان وإثيوبيا دون إدارة سياسية رشيدة قد لا يبقى في إطاره الثنائي، بل يصبح جزءًا من صراع نفوذ أوسع، الأمر الذي يضاعف احتمالات التدخلات الخارجية ويزيد من تعقيد المشهد الإقليمي.

*رابعًا: الاتهامات المتبادلة وحدود التفسير السياسي*

في ظل الحرب السودانية، تُطرح أحيانًا اتهامات سياسية بشأن دعم أطراف خارجية لبعض القوى المسلحة داخل السودان، بما في ذلك إثيوبيا أو غيرها من دول الجوار.

لكن هذه الاتهامات، في معظمها، تظل ضمن نطاق الخطاب السياسي والتقديرات غير الحاسمة، في ظل غياب أدلة دولية موثقة وشفافة، إضافة إلى طبيعة الحرب التي تخلق بيئة واسعة من الاتهامات المتبادل وتعدد الروايات.

*خامسا: الموقف الإثيوبي بين الأمن القومي والبراغماتية*

مواقف إثيوبيا تجاه السودان تحكمها اعتبارات استراتيجية مباشرة، أهمها:

حماية الحدود الغربية من أي امتداد للفوضى وإدارة توازن داخلي هش بعد سنوات من الصراعات، ثم الحفاظ على مصالحها في ملف سد النهضة، وتجنب التورط المباشر في الحرب السودانية.

وبناءً على ذلك، فإن الموقف الإثيوبي يبدو أقرب إلى البراغماتية الأمنية الحذرة، وليس الانخراط المباشر في الصراع.

*سادسا: لماذا كان رد الفعل السوداني تجاه إثيوبيا أكثر حدة؟*

رغم تعدد ملفات السودان الإقليمية مع دول الجوار مثل جنوب السودان وتشاد، إلا أن التفاعل مع إثيوبيا كان في بعض المراحل أكثر حدة، لأسباب أبرزها :

1.حساسية الحدود الشرقية (الفشقة)

وهي منطقة نزاع مباشر تمس الأمن القومي السوداني.

2.الثقل الجيوسياسي لإثيوبيا

كونها دولة مركزية في القرن الأفريقي يجعل تأثيرها أوسع من غيرها.

3.تراكم ملفات خلاف سابقة

خصوصًا ملف سد النهضة.

4.القرب الجغرافي المباشر والتداخل الأمني، ما يجعل أي تطور على الحدود الشرقية يُقرأ بسرعة كتهديد مباشر.

*سابعًا: الإقليم بين خطر التدويل وتوسع الأزمات*

إن القرن الأفريقي والبحر الأحمر اليوم يقفان عند نقطة تقاطع بين الجغرافيا والسياسة والصراع الدولي، حيث يمكن لأي توتر محلي أن يتحول إلى أزمة إقليمية أو حتى دولية.

ومع تعدد الفاعلين الدوليين والإقليميين، فإن غياب إدارة سياسية هادئة لهذا التوازن قد يؤدي إلى:

*تصاعد التدخلات الخارجية

*توسع نطاق الصراعات المحلية

*وزيادة هشاشة الدول المطلة على البحر الأحمر

*نحو رؤية استقرار تتجاوز منطق الصراع*

ويؤكد الدكتور ناجي بشير إن العلاقات السودانية الإثيوبية اليوم ليست معزولة عن محيطها، بل هي جزء من منظومة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، تمتد من القرن الأفريقي إلى البحر الأحمر والخليج والشرق الأوسط.

وفي ظل وجود تعقيدات داخلية في البلدين، وتداخل ملفات المعارضة والصراعات غير المكتملة، يصبح من الضروري أن تدرك القيادتان في الخرطوم وأديس أبابا أن استمرار التوتر دون إدارة عقلانية قد يحول الحدود إلى نقطة اشتعال إقليمي، لا مجرد خلاف ثنائي.

*المطلوب اليوم*

ويخلص د.ناجي الى أن المطلوب اليوم هو تفعيل مسار دبلوماسي مستقر وفعّال، مع وضع اتفاقيات واضحة لإدارة الحدود ومنع التداخلات المسلحة، فضلاً عن تحييد الصراعات الداخلية عن العلاقات الثنائية، وبناء تعاون اقتصادي وإنساني يعزز الثقة المتبادلة.

فاستقرار السودان وإثيوبيا ليس مسألة محلية، لكنه جزء من استقرار البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وبالتالي من استقرار نظام دولي تتنافس فيه القوى الكبرى على النفوذ والممرات الاستراتيجية.

ومن هنا، يبقى الخيار الأكثر عقلانية ليس إدارة الصراع، لكن بشكل اكثر مباشرة ان يتم تحصين الاستقرار عبر شراكة واعية تدرك أن الجغرافيا المشتركة يمكن أن تكون جسر تعاون، بدلا عن ساحة مواجهة.

*توتر سياسي وأمني*

من جهته يؤكد الاستاذ علي فوزي الصحفي المصري والباحث في الشؤون الإفريقية أن العلاقات السودانية- الإثيوبية تمر بمرحلة هي الأكثر تعقيداً وخطورة منذ سنوات، في ظل تصاعد الاتهامات السودانية لأديس أبابا بدعم مليشيا الدعم السريع، الأمر الذي ينذر بمزيد من التوتر السياسي والأمني على الحدود المشتركة إذا لم تُتخذ خطوات عاجلة لاحتواء الأزمة.

وأوضح فوزي أن المشهد الحالي لا يمكن فصله عن التعقيدات الجيوسياسية في منطقة القرن الإفريقي، خاصة مع استمرار الخلافات المرتبطة بملف سد النهضة، والتنافس على النفوذ الحدودي، والتحولات الأمنية داخل إثيوبيا والسودان، مشيراً إلى أن الخرطوم تنظر إلى أي تحركات إثيوبية على الحدود باعتبارها تهديداً مباشراً لأمنها القومي.

وأضاف أن بعض التقارير والمصادر الإقليمية تتحدث عن وجود دعم لوجستي أو تسهيلات غير مباشرة لعناصر مرتبطة بالدعم السريع عبر الأراضي الإثيوبية، وهو ما زاد من حدة الخطاب السوداني تجاه أديس أبابا، لافتاً إلى أن استمرار هذه الاتهامات دون إجراءات تهدئة قد يدفع العلاقات بين البلدين إلى مرحلة جمود دبلوماسي وتصعيد ميداني محدود.

*حساسية الملفات*

وأشار الباحث في الشؤون الإفريقية إلى أن رد الفعل السوداني تجاه إثيوبيا جاء أسرع وأقوى مقارنة ببعض دول الجوار الأخرى، بسبب حساسية الملفات العالقة بين البلدين، وعلى رأسها الفشقة وسد النهضة والحدود المشتركة، إضافة إلى المخاوف من تحوّل الأراضي الحدودية إلى ممرات لوجستية تؤثر على مجريات الحرب داخل السودان.

وأكد فوزي أن الأزمة السودانية باتت تحمل أبعاداً إقليمية واضحة، في ظل الحديث عن أدوار إقليمية ودولية متشابكة، موضحاً أن بعض الاتهامات المتداولة بشأن وجود تأثيرات إماراتية أو تحالفات إقليمية داعمة لأطراف الصراع تعكس حجم التعقيد في المشهد، لكنها لا تشكل حتى الآن أدلة قاطعة على تبعية القرار الإثيوبي لأي طرف خارجي.

*تحرك دبلوماسي عاجل*

واختتم علي فوزي تصريحاته بالتأكيد على أن المنطقة تقف أمام مفترق طرق خطير، وأن غياب وساطة إفريقية أو عربية فعّالة قد يؤدي إلى اتساع دائرة الصراع وتحويل الأزمة السودانية إلى نزاع إقليمي مفتوح، داعياً إلى تحرك دبلوماسي عاجل يقوم على الشفافية وضبط الحدود ومنع استخدام أراضي دول الجوار في أي أنشطة عسكرية تهدد استقرار السودان والمنطقة بأكملها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى