حين تستسلم البنادق .. الجزء الثاني: حين لا يكفي أن نقول إن الحق الخاص محفوظ

البعد الخامس
بقلم: صباح المكي
bitalmakki@gmail.com
*أين الآلية؟ وأين دور النيابة العامة؟*
في الجزء الأول، كان السؤال عن الاستيعاب نفسه: لماذا قد تلجأ الدولة إلى استيعاب بعض المستسلمين بعد الحرب؟ وكيف يمكن أن يكون ذلك جزءًا من تفكيك الميليشيا، وشق صفوفها، وسحب السلاح والخبرة والمعلومات من يدها، وتسريع عودة الدولة؟ وقد خلصنا إلى أن الاستيعاب، من حيث المبدأ، ليس خطأ في ذاته، ولا يعني بالضرورة تواطؤًا أو عفوًا غير معلن، لكنه لا يكتسب مشروعيته إلا إذا ارتبط بالفرز، والمراجعة، والرقابة، وعدم إسقاط المسؤولية الجنائية عمن تورطوا في جرائم ضد المدنيين.
غير أن هذا التفسير لا يغلق الملف، بل يفتحه على السؤال الأكثر حساسية: إذا كانت الدولة تقول إنها لم تعفُ عن الحق الخاص، فهل يكفي هذا القول؟ وهل يصبح حق الضحايا محفوظًا بمجرد إعلان عام؟ أم أن الحق، لكي يكون محفوظًا فعلًا، يحتاج إلى طريق واضح، ومؤسسات مختصة، وحماية للشهود، وسجل للانتهاكات، وربط بين أسماء المستسلمين والبلاغات القائمة أو المحتملة؟
هنا تنتقل المسألة من منطق الحرب إلى منطق العدالة. فالدولة قد ترى أن استيعاب بعض المستسلمين ضرورة عسكرية لتفكيك الميليشيا، لكنها لا تستطيع أن تترك الضحايا وحدهم أمام عبء المطالبة. فالمواطن الذي فقد بيته، أو أهله، أو ماله، أو كرامته، لا يحتاج إلى عبارة مطمئنة فقط، بل يحتاج إلى آلية تصل به إلى حقه.
*أولًا: بين الحق العام والحق الخاص*
الحق العام هو حق الدولة والمجتمع في محاسبة من اعتدى على النظام العام، وحمل السلاح، وهدد الأمن، وتمرّد على السلطة الشرعية، وشارك في تقويض مؤسسات الدولة. وهذا الحق تديره الدولة وفق تقديراتها السيادية، وقد تقرر، في ظروف معينة، أن تتعامل معه بمرونة لتحقيق مصلحة أكبر: وقف القتال، جمع السلاح، شق صفوف الخصم، أو تسريع نهاية الحرب.
أما الحق الخاص فهو شيء آخر تمامًا. هو حق الفرد والأسرة والمجتمع المتضرر مباشرة: حق الأم التي قُتل ابنها، وحق الأب الذي اختفى ولده، وحق المرأة التي انتُهكت، وحق الأسرة التي نُهب بيتها، وحق المواطن الذي أُحرق منزله، وحق من هُجّر من أرضه، وحق من أُهينت كرامته أمام أهله.
لذلك، حتى إذا تصرفت الدولة في الحق العام، فهي لا تملك أن تتصرف في الحق الخاص نيابة عن الضحايا. لا تملك أن تعفو عن دم لم يُسفك من جسدها، ولا عن مال لم يُنهب من خزينتها، ولا عن عرض لم يُنتهك باسمها، ولا عن بيت لم يُحرق على رأسها.
ومن هنا، فإن التصريح بأن الدولة لم تعفُ عن الحق الخاص تصريح مهم، لكنه لا يكفي وحده. فهو لا يغلق السؤال، بل يفتحه: إذا كان الحق الخاص محفوظًا، فأين الآلية التي تحفظه؟ من يتلقى البلاغ؟ من يحمي الشاهد؟ من يربط اسم المستسلم بالانتهاكات المنسوبة إليه؟ ومن يمنع أن يتحول الاستيعاب العسكري إلى حصانة واقعية، حتى لو لم تكن حصانة قانونية؟
*ثانيًا: حين يصبح الحق محفوظًا نظريًا ومعلّقًا عمليًا*
الحق الذي لا يجد طريقًا إلى التطبيق يصبح حقًا معلّقًا. والضحية في زمن الحرب لا تشبه صاحب دعوى عادية في زمن السلم. فكثير من الضحايا فقدوا أوراقهم، وشهودهم، ومنازلهم، ومصادر دخلهم. وكثيرون نزحوا إلى ولايات أخرى، أو لجأوا خارج البلاد. وبعضهم لا يعرف الاسم الحقيقي للجاني، بل يعرف لقبه الحربي، أو ملامحه، أو القوة التي كان يتبع لها. وبعضهم يخشى الانتقام، خاصة إذا شعر أن من اعتدى عليه عاد إلى السلاح، أو استُوعب في مؤسسة رسمية.
لهذا، لا يكفي أن يُقال للمواطن: حقك محفوظ، اذهب وحاسب من اعتدى عليك. قد تكون العبارة صحيحة من حيث المبدأ، لكنها قاسية وغير واقعية إذا لم ترافقها آلية عملية.
كيف يلاحق نازح فقد أوراقه قائدًا مسلحًا؟ كيف تشتكي امرأة تعرضت لانتهاك في بيئة اجتماعية قاسية من دون سرية وحماية؟ كيف تثبت أسرة مكلومة حقها إذا كان الجاني معروفًا باللقب فقط؟ وكيف يواجه مواطن بسيط شخصًا أصبح داخل مؤسسة رسمية أو محاطًا بحماية اجتماعية أو عسكرية؟
هنا يصبح واجب الدولة مضاعفًا. فالدولة لا يكفي أن تقول إنها لم تُسقط الحق الخاص، بل يجب أن تمكّن صاحب الحق من الوصول إليه. لأن الحق الخاص لا يُحفظ بالتصريحات، بل بالمسارات المؤسسية.
*ثالثًا: ما الآلية المطلوبة لحفظ الحق الخاص؟*
إذا أرادت الدولة أن تجعل عبارة “الحق الخاص محفوظ” حقيقة لا شعارًا، فهي تحتاج إلى آلية واضحة، معلنة، ومؤسسية. ويمكن أن تقوم هذه الآلية على عدة مستويات مترابطة.
*أ. إنشاء نيابات أو دوائر متخصصة في جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة*.
فالقضايا المرتبطة بالقتل، والاغتصاب، والنهب، والاختفاء، والتهجير، وحرق المنازل، لا ينبغي أن تُعامل كبلاغات فردية متناثرة فقط. هذه جرائم وقعت في سياق حرب، وقد تكون جزءًا من نمط أوسع، ولذلك تحتاج إلى جهات متخصصة قادرة على جمع الأدلة، وربط الوقائع، وفهم السياق، وتصنيف المتهمين وفق درجات المسؤولية. فليست كل جريمة معزولة عن الأخرى، وليست كل واقعة نهب أو قتل منفصلة عن بنية السيطرة التي كانت تحكم المنطقة وقت وقوع الانتهاك
*ب. إنشاء سجل وطني للضحايا والانتهاكات.*
هذا السجل يجب أن يستقبل شهادات المواطنين، وأسماء المفقودين، وبلاغات القتل، وملفات النهب، وتقارير العنف الجنسي بسرية كاملة، وبيانات الممتلكات المحروقة أو المنهوبة، وأسماء المشتبه بهم إن وُجدت، وأسماء القادة الذين كانوا يسيطرون على المناطق وقت وقوع الانتهاكات. فالذاكرة التي لا تُوثق يمكن أن تضيع، والحق الذي لا يُسجل يصبح لاحقًا سهل الإنكار.
*ج. ربط أي استيعاب عسكري بعملية فحص قانوني وأمني.*
لا ينبغي أن يدخل أي مستسلم إلى المؤسسة وكأن تاريخه بدأ من يوم استسلامه. يجب أن يخضع لفحص يشمل موقعه السابق، ورتبته، ومناطق عمله، والعمليات التي شارك فيها، وما إذا ورد اسمه في بلاغات أو شهادات. وإذا ظهرت بلاغات جدية، يجب أن يُعلّق وضعه، أو يُمنع من الترقي والقيادة، إلى حين اكتمال التحقيق.
*د. إعلان واضح بأن أي تسوية أو استيعاب أو عفو لا يشمل جرائم المدنيين*.
يجب أن يكون هذا الإعلان صريحًا لا يحتمل اللبس: القتل، والاغتصاب، والنهب، والاختطاف، والتعذيب، والإخفاء القسري، والتهجير، وحرق المنازل، والاعتداء على المدنيين، كلها جرائم لا تُمحى بتغيير الولاء أو تسليم السلاح. فالاستسلام قد يوقف الخطر العسكري، لكنه لا يمحو ذاكرة الضحية ولا يسقط حقها.
*هـ. حماية الشهود والمبلّغين.*
كيف سيشهد المواطن إذا كان يخاف على أسرته؟ وكيف ستتكلم ضحية عنف جنسي إذا كانت تعلم أن اسمها قد يُكشف؟ وكيف سيقدّم النازح شهادته إذا كان الجاني أو جماعته لا يزالون قادرين على الوصول إليه؟ لذلك يجب أن تكون هناك آلية سرية للتبليغ، وحماية للشهود، وإمكانية لتلقي البلاغات من الولايات ومن الخارج، وضمانات تمنع المتهمين من العودة إلى مناطق الضحايا قبل الفرز.
*و. إنشاء صندوق لجبر الضرر والتعويض.*
فالعدالة لا تعني المحاكمة وحدها. هناك بيوت يجب أن تُعاد، وأموال يجب أن تُعوّض، وأسر قتلى ومفقودين تحتاج إلى دعم، ونساء وأطفال يحتاجون إلى علاج وتأهيل، ومجتمعات تحتاج إلى اعتراف رسمي بما وقع عليها. لذلك لا بد من صندوق وطني لجبر الضرر، يمول من الأموال المصادرة، والأموال المستردة من الميليشيا والداعمين، والغرامات والتعويضات المحكوم بها، والدعم الدولي المشروط بالشفافية.
*ز. منح الضحايا حق الاعتراض على استيعاب من يتهمونه*.
فإذا كان هناك شخص قد جرى استيعابه داخل الجيش أو أي مؤسسة رسمية، وظهرت ضده بلاغات جدية، يجب أن يكون للضحايا أو ذويهم حق تقديم اعتراض يؤدي إلى فتح تحقيق، وتعليق وضعه، ومنعه من الترقي أو ممارسة سلطة على المدنيين إلى حين حسم الملف.
بهذه الآلية فقط يمكن أن يصبح الحق الخاص محفوظًا فعلًا، لا مجرد عبارة قانونية جميلة.
*رابعًا: أين النيابة العامة من حفظ الحق الخاص؟*
في قلب هذه الآلية، لا يمكن تجاوز دور النيابة العامة. فإذا كان الحق الخاص لا يُحفظ بالتصريحات، فإن الجهة الطبيعية التي ينبغي أن تمنحه طريقه المؤسسي هي النيابة: فتح البلاغات، توجيه التحريات، حماية الأدلة، تصنيف الجرائم، متابعة المتهمين، وربط الوقائع بالأشخاص والمسؤوليات.
ومن هنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن سؤال الاستيعاب نفسه: أين موقع النائب العام والنيابات المختصة في هذه المرحلة؟ فالدولة التي تقول إن الحق الخاص محفوظ مطالبة بأن تترجم هذا القول إلى مسار عدلي واضح، يبدأ من البلاغ وينتهي بالمحاسبة أو جبر الضرر. ولا ينبغي أن يُترك المواطن وحده في مواجهة متهم قد يكون مسلحًا، أو مستوعبًا، أو محاطًا بشبكة حماية اجتماعية أو عسكرية.
إن مسؤولية النيابة العامة في مثل هذه اللحظات ليست إدارية فقط، بل وطنية وتأسيسية. فهي الجهة التي تستطيع أن تمنع ضياع الأدلة، وأن تحفظ شهادات الضحايا، وأن تفتح ملفات الانتهاكات الكبرى، وأن تفرّق بين الجريمة الفردية والنمط المنظم، وأن تضمن ألا يتحول الاستيعاب العسكري إلى حصانة واقعية لمن وردت أسماؤهم في بلاغات أو شهادات جدية.
ولذلك، فإن غياب إعلان واضح من النيابة العامة عن آلية خاصة ببلاغات الحرب والانتهاكات يترك فراغًا خطيرًا. فالضحايا لا يحتاجون إلى وعود عامة، بل إلى عنوان معلوم: أين يقدمون البلاغ؟ من يتلقى شهاداتهم؟ كيف تُحمى الأدلة؟ كيف تُحفظ السرية في قضايا العنف الجنسي؟ كيف تُربط أسماء المستوعبين أو المستسلمين بسجلات الانتهاكات؟ وما مصير البلاغ إذا كان المتهم قد عاد إلى مؤسسة رسمية؟
إن دور النائب العام في هذه المرحلة يجب أن يكون في مقدمة المشهد العدلي، لا في هامشه. فحفظ الحق الخاص لا يكتمل من دون نيابة حاضرة، ومكاتب مختصة، ومسارات معلنة، وتوجيهات واضحة للولايات والمناطق المتأثرة بالحرب، وآلية تسمح للنازحين واللاجئين ومن فقدوا وثائقهم أو شهودهم بأن يسجلوا حقوقهم قبل أن تضيع الذاكرة وتبرد الأدلة.
فالعدالة لا تبدأ يوم تُعقد المحكمة فقط؛ بل تبدأ يوم يعرف الضحية أين يذهب، ولمن يشكو، ومن يحمي شهادته، ومن يضمن أن حقه لن يسقط بفعل الخوف، أو النزوح، أو الفقر، أو غياب الدولة.
*خاتمة الجزء الثاني: السؤال لم يعد هل الحق محفوظًا، بل كيف حُفظ؟*
إن القول بأن الدولة لم تعفُ عن الحق الخاص خطوة مهمة، لكنها ليست نهاية السؤال، بل بدايته. فالسؤال الحقيقي هو: ما الآلية؟ من يوثق؟ من يحقق؟ من يحمي الشاهد؟ من يفرز المستسلمين؟ من يعوض الضحايا؟ من يمنع المتهم من الترقي أو القيادة قبل حسم ملفه؟ ومن يضمن أن جرائم القتل، والاغتصاب، والنهب، والتهجير لا تدخل في أي تسوية عسكرية أو سياسية؟
الحق الخاص لا يكفي أن يبقى محفوظًا في النصوص أو التصريحات، بل يجب أن يكون قابلًا للوصول، والحماية، والتنفيذ. وهذا لا يتحقق بترك المواطن وحده في مواجهة ذاكرته وخوفه وفقره ونزوحه، بل بوجود نيابة عامة حاضرة، ومسارات بلاغ واضحة، وسجل للضحايا، وحماية للشهود، وربط قانوني بين الاستيعاب العسكري وملفات الانتهاكات.
فالدولة التي تقول إن الحق الخاص محفوظ مطالبة بأن تجعل هذا الحق مرئيًا في مؤسساتها، لا معلقًا في خطابها. ومهما كانت ضرورات الحرب، فإن بناء السلام لا يبدأ من إسكات البنادق وحده، بل من فتح الطريق أمام الضحايا كي يعرفوا أن العدالة لم تُؤجل إلى أجل غير معلوم.
وهنا يبدأ سؤال الجزء الثالث: كيف تعاملت تجارب العالم مع حقوق الضحايا بعد الحروب؟ وكيف يمكن للدولة أن تبني مسارًا لا يترك الضحية وحده، ولا يحوّل الاستيعاب إلى حصانة، ولا يسمح لخبرة الحرب بأن تُعاد تدويرها في عنف جديد؟



