المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب: أوراق لندنية ٣-١

ما الذي يمنح المدن العريقة مثل لندن قدرتها على الاحتفاظ بهويتها رغم تبدل الأجيال وزحام العصور؟

كيف يمكن للذاكرة البصرية (كالفنون واللوحات) أن تُغير قراءتنا للتاريخ مقارنة بالذاكرة السمعية أو المكتوبة؟

التقينا قبل أكثر من عشر سنوات و كان مدخل التعارف صديقنا المشترك (مصدق محمد وداعة) ، لمست فيه محبة صادقة للسودانيين ، و بذات المشاعر احبه الكثيرون من أبناء السودان ، ابن “عرب الاهواز” في إيران الباشمهندس (حسين الاهوازي) ، هو بالنسبة لي ركن لا تصح بدونه زيارة لندن ، علم بحضوري بعد غياب طويل بسبب كثير من المياه التي مرت تحت الجسر و حرمتنا من احباب كثر ، هاتفني معاتبا و اسرع للقاء بي ، التقينا بعد ظهر ذاك اليوم من ايام لندن الصحوة، لنقضي سويا أمتع اللحظات المتاحة في لندن ، انطلقنا راجلين في شوارع وسط لندن ،اذ لا تكتمل المتعة في عاصمة الضباب الا بالمشي على طرقاتها .. و رغم أن شوارع لندن مكتظة بالسابلة هذا اليوم بسبب عطلة البنك( Bank Holiday ) ، لكن لم يربكنا المشهد ولم يقطع حبل الأفكار، ظل حسين كعادته ، مرتبا، مالكا لناصية الفكر و متعة الحديث و الطرفة الحاضرة ، بديهي ، حصيف ، متماسك ، و مبدأي ، كيف ولا ، وهو الذي هجر بلاده منذ العام ١٩٩٢م، وهو بعد حديث التخرج من الجامعة ، فارا من نير الظلم و الاستبداد إلى رحاب الحرية ، باحثا عن ذاته التي مضها ما يشاهده من قمع لأهله من عرب الاهواز في بلاد فارس، ليبدأ رحلته عبر تركيا الى المجر ، ثم هولندا حتى استقر به المقام في لندن .. رجل موسوعي ، تحدثنا عن الكثير مما لا يكفي المجال هنا لسرده ..

انطلقنا من مقر اقامتي في ناصية “ايجوار رود” نحو “اوكسفورد ستريت” ، ثم دلفنا ناحية “بيكاديللي” ، و رغم ان لندن برمتها مدينة تنضح بعبق التاريخ و لكن “بيكاديللي” تبقى شاهدة على عراقة هذا التاريخ ، و يعتبر ميدان بيكاديلي واحداً من أهم و أشهر ميادين لندن، و من أكثر الميادين ازدحامًا و زيارة من قبل السياح. وقد تمت إقامته في العام 1819م، بأمر رسمي من الملك “جورج الرابع” ليربط شوارع رئيسية في لندن ببعضها، مثل شارع ريجنت و شارع بيكاديلي و شارع سوهو و ميدان ليستر و الحي الصيني . و ليس من متعة تضاهي الجلوس على مقهى (Grand Coffee Concerto ) الإيطالي قبالة بيكاديللي، لحظات تمردنا فيها على كل أشكال البرامج الغذائية ، تناولنا كرات الايسكريم و كيكة الجبن التي يبرع في صنعها الايطاليون مع كوب من “الكابتشينو” من مصدره ، قضينا اللحظات نلتقط الأنفاس ثم تابعنا السير إلى ( Haymarket) ، أو “سوق التبن” ، حيث كان المكان سوقاً للتبن بالفعل قبل مئات السنين ، و برغم تغير الاحوال و بناء المنطقة و لكن ظل المكان محتفظا باسمه القديم .

و على امتداد شارع “سوق التبن” وفي قلب مدينة ويستمنستر ، مررنا بمبنى مسرح ” جلالة الملكة ” ، (Her Majesty Theatre) و الذي تم بناءه في العام ١٧٠٥م، كواحد من اقدم و أشهر المسارح على وجه الأرض ، و الذي اعيد تأهيلة عدة مرات آخرها في العام ١٨٩٧م ، و هو مسرح يسع ل ١٢١٦ مقعد و تعرض به مسرحيات الأوبرا، و معروف بعرضه لمسرحيات ظلت مستمرة العرض لأكثر من مائة عام ..يموت الممثلون و يحل محلهم آخرون و تبقى شخصيات المسرحية متنقلة من جيل إلى جيل .. كان مقصدنا من هذا التنقل عبر الطرقات زيارة متحف اللوحات الفنية ( National Gallery ) ، هذه البقعة التي تحوي قصة الفن الأوروبي، قطعة أدبية تلو قطعة أدبية تضم معظم رسامي أوروبا و العالم عبر التاريخ ، معرض دائم في قلب لندن عند ميدان “الطرف الاغر” (Trafalgar Square ) ذو القصة الأشهر و الأقرب لعقول العرب ، ميدان الطرف الأغر الذي يخلد ذكرى معركة بحرية دمر فيها الاسطول البريطاني اسطولي فرنسا و اسبانيا في العام ١٨٠٥م ، و اصل التسمية العربية تعود إلى جبل في اسبانيا قبالة الساحل حيث نشبت المعركة، و تم تثبيت التسمية في اللغات الإنجليزية و الفرنسية و الإسبانية بهذا الأصل العربي من بقايا الأندلس..

هل هي صدفة أن يرتبط المكانين بنفس الجغرافيا؟ ، المعرض يضم حوالي ٢٣٠٠ لوحة لمعظم الرسامين المعروفين في أوروبا، ما أروع و ما ابدع هذه الذاكرة البصرية التي تختصر ربما آلاف الكتب، تحسرنا انا و صديقي “حسين” ، على خلو تاريخنا العربي و الإسلامي من هذه الذاكرة البصرية ، كانت عيون الرسامين هي كاميرات ذلك الزمان البعيد ، نقلوا عبرها كل المشاهد التي يمكن أن تختزل ما يجب أن يقال و ما لا يجب ، لو كنا نملك مثل هؤلاء لكنا الآن أثرى الشعوب بما حوته ذاكرتنا السمعية من مشاهد ، ظل كل منا يرسمها في مخيلته على فهمه و هواه ، ربما كان السبب أن حضارتنا العربية الاسلامية بنيت على مرتكزات عقائدية، كان فيها سلاح ( كل بدعة ضلالة) سيفا مسلطا على العقول ، منها تحريم الرسم ، و لا ادري لم لم يفلت “الرسامون” من سطوة هذا الجبروت كما فلتت “الموسيقى” العربية ..

كانت جولة طويلة و رغم ذلك لم نستطع أن نكمل مشاهدة كل اللوحات المعروضة ، اختتمنا جولتنا بعد أن تناولنا الغداء بمطعم إيراني بمنطقة ( Kensil Green) ، وعدنا ادراجنا إلى ناصية “ايجوار رود” عند مقهى Maison Du Sultan أو ” بيت السلطان ” ، وانضم إلينا صديقنا الباشمهندس “ياسر كرم” .. يمر بهذا المقهى العشرات من “غزاة لندن ” من المهاجرين سخطاً على أوضاع بلدانهم التي طردتهم أو فروا منها طلبا لواقع افضل .. مر علينا أحد الأكراد المعارضين متحسرا على حال بغداد الرشيد المدينة مكتملة الخدمات الأقدم في التاريخ ، ذكر بحرقة أن بغدادا هذه اغتصبت و استبيحت ٣٦ “ست و ثلاثون” مرة عبر التاريخ منذ انشائها ، وهذا يستحق أن نفرد له البحوث ..

 

شكرت اخي الحبيب “حسين الاهوازي” على كل هذا الجمال الذي نثره في روحي و المحبة التي غمرني بها كعهده دوما بالمكرمات و الفضائل ..

في الحلقة القادمة نتحدث عن مشاهدات ناصية الهايدبارك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى