“الدبلوماسية” في الميزان ..

ملح الأرض

بقلم/ خالد ماسا

وعلى طريقة رئيس الوزراء الراحل محمد أحمد محجوب في كتابة “الديمقراطية” في الميزان، نعيد القراءة في ملف الدبلوماسية السودانية، وصحيح أن الظرف الزماني لقراءة هذا الملف هو الحرب، وأن اللغة المسيطرة على الفضاء العام بسببها هي لغة “الرصاص”، والبعض يرى بأنه لا يليق في توقيت كهذا تقديم “النوافل” على “الفروض”، وبالتالي صار التركيز على نتائج وتقارير الميدان العسكرية يصرف الأنظار عن نتائج المعركة “الدبلوماسية”، إلا من بعض التفاعل اللحظي والبسيط مع خطب وبيانات مبعوث الدولة السودانية الدائم في الأمم المتحدة، دون النظر لمخرجات تلك الخطب وأثرها الإيجابي في تعزيز تموضع قضية الحرب في السودان في خارطة الأولويات الدولية، وتحصيل الحد الأعلى من الأهداف في ميدان نعتقد بأنه لا يقل أهمية عن الميدان العسكري.

(*) حسن الظن في جامعة الدول العربية..

ونعتقد بأن تصنيف الحكومة السودانية لجامعة الدول العربية يجيء تحت تأثيرات ما يعرف بحسن الظن، ولا شيء غير ذلك يبرر كل هذا “العشم” لدى حكومة السودان في جامعة الدول العربية، على الرغم من التاريخ المحتشد بمواقف “الخذلان” لخرطوم “اللاءات الثلاثة” والوحدة العربية على أيام “النكسة”. ولو توجهنا بالسؤال لوزير الخارجية السوداني في حكومة الحرب عن الدوافع ومبررات الدعوة من الجانب السوداني لاجتماع طارئ للمبعوثين الدائمين في جامعة الدول العربية لمناقشة العاجل المتعلق باتهامات كانت قد وجهتها حكومة السودان لدولة إثيوبيا، على لسان الناطق الرسمي للقوات المسلحة ووزير الخارجية بشكل واضح ومحدد، بضلوعها في الهجمات التي طالت مطار الخرطوم وأعيانًا مدنية، ويرى البيان الحكومي بأن الجارة من جهة الشرق، إثيوبيا، متورطة في توفير قواعد انطلاق للمسيّرات التابعة للمليشيا من أراضيها.

شواهد كثيرة في تاريخ الأزمات السياسية في السودان تؤكد على أن حمل الملف واستعراضه في اجتماع المبعوثين الدائمين بجامعة الدول العربية كان بسقف أعلى بكثير من إمكانات وقدرات الجامعة، وعلى كثرة عثرات الدولة السودانية، إلا أنها لم تُقل ولو لمرة واحدة عن طريق جامعة الدول العربية، وسبقتها على ذلك “إيغاد”، وكانت حاضرة في اتفاقيات السلام التي عقدت بين النظام السابق والحركة الشعبية.

في الاجتماع الأخير للمبعوثين الدائمين بالجامعة، بحث السودان عن تسجيل هدف دبلوماسي عن طريق طلبه الواضح بخروج “بيان” ختامي للاجتماع يدين إثيوبيا على تورطها في الانحياز لطرف في الصراع الذي يدور لمدة ثلاثة سنوات، وبالحالة المعلومة للجامعة فإن تنفيذ هذا الطلب يبدو بعيدًا جدًا، لأسباب شرحها سيكشف جوانب كثيرة متعلقة بفشل المهمة الدبلوماسية.

بغير ضعف جامعة الدول العربية وعدم قدرتها على الإيفاء بالتزاماتها تجاه أزمات الدول الأعضاء، فالملاحظ هو عدم قدرة الدبلوماسية السودانية على تحويل الخطاب “السياسي” إلى “ملفات قانونية” مكتملة وجاهزة لحشد الإجماع الدولي.

ظل الخصوم وأصحاب المواقف المناوئة للرواية الرسمية لحكومة السودان، في الغالب، يجدون الثغرة التي من خلالها يقطعون الطريق أمام أي مسعى سوداني، وهي ضعف الإعداد القانوني لشكاويه لمجلس الجامعة، مع العلم المسبق بخطوات استصدار قرارات الإدانة.

الخطاب السياسي داخل الجامعة أقصى مدى له هو أن يستدعي عينة البيان الختامي الذي صدر من الاجتماع الأخير، والمحتشد بالعبارات “الخشبية” ولغة المجاملة الدبلوماسية.

قرارات “الإدانة” طريقها معروف، ويبدأ من نقطة “التحقيق” الدولي، واستناد الشكوى على ما جاء في تقارير لجان التحقيق، بمثل ما حدث في ملفات ليبيا واليمن والعراق وغزة، وهنا تنبغي الإشارة إلى أن الدبلوماسية السودانية تقف أمامها حالة الرفض لأي لجنة تحقيق دولية، وبالتالي لا توجد “إدانة” بدون “تحقيق”.

ولأكثر من مرة كان السودان يمتلك “خيوطًا” تصلح لبناء قانوني متماسك لملف الشكوى، مثل مسارات الطيران المسيّر وبقاياه التي أُسقطت بأرقامها التسلسلية، إضافة لصور الأقمار الصناعية، إلا أن كل هذا لم تفلح الدبلوماسية السودانية في تحويله إلى تقارير دولية أو إحاطة لمجلس الأمن.

دبلوماسية السودان تعلم علم اليقين بأن لغة وأسلوب الخطاب التعبوي الموجه للداخل، باتهامات واضحة ولغة حاسمة ويقين كامل بالإدانة، لا تصلح في الخطاب الموجه للخارج، والذي يتطلب أدلة موثقة وتحقيقًا مستقلًا، إضافة لاجتهاد دبلوماسي لإحداث توافقات سياسية دولية يُحسب فيها حساب تقاطعات المصالح المؤثرة جدًا في مسألة طلب الإدانة، وهذا ما لم يحدث في الطلب الأخير من السودان بصدور إدانة صريحة للجارة إثيوبيا بتدخلها كطرف في حرب السودان.

الاطلاع على التعميم الصادر من آخر اجتماعات الممثلين الدائمين بجامعة الدول العربية سيكون كافيًا للإقناع بأن مجلس الجامعة لم يناقش دعوة السودان الطارئة بخصوص الاعتداء الإثيوبي فقط، بل استصحب معه في النقاش التوازنات الإقليمية وخارطة النفوذ في منطقة البحر الأحمر، وأن السودان بدبلوماسيته كان يحتاج للتحضير الجيد وفقًا للمعطيات أعلاه حتى يتمكن من تحقيق الهدف بخروج “إدانة” لإثيوبيا، وهو ببساطة ما لم يحدث، إذ خرج البيان بإدانة للعدوان دون أي تحديد واضح لمرتكب هذه المخالفة.

بالمقابل نجحت الدبلوماسية السودانية في بعض الملفات، والتي قوت من مركز السودان وموقفه في مناقشات الحرب، مثل عدم الاعتراف بالدعم السريع وحكومته التي كونها كحكومة موازية، إضافة للحفاظ على مقعد السودان دوليًا، وإثارة ملفات التمويل والتسليح، بالإضافة لمواقف تضامنية من الدول العربية وبعض دول الساحل الأفريقي، وإن لم تتحول هذه المواقف إلى قرارات يطلبها السودان.

(*) ما الذي تحتاجه حقيبة الدبلوماسية؟

من المهم جدًا أن تعتمد الدبلوماسية السودانية على منصة توثيق احترافية لإنتاج رواية رسمية موحدة، وإعادة صياغة الخطاب الموجه للخارج، واستثمار الفرص التي تتاح في المنصات الإعلامية الدولية.

يجب على الدبلوماسية السودانية أن تعرف أنه في السياسة الدولية لا تكفي أن تكون قضيتك عادلة فقط، بل تحتاج لقوة الرواية، واحترافية التوثيق، والقدرة على بناء التحالفات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى