البرهان في البحرين.. تقاطع السياسة والأمن والمصالح الإستراتيجية..

المنامة تتحرك بهدوء.. والخرطوم تعيد التموضع خليجياً..

البحر الأحمر والأمن العربي.. لماذا يزداد وزن السودان الآن؟

رسائل ما بعد الحرب وإعادة تشكيل التوازنات..

تقرير تحليلي/علم الدين عمر 

إختتم رئيس مجلس السيادة الإنتقالي القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان زيارة هامة لمملكة البحرين.. حيث أستقبله الملك حمد بن عيسى آل خليفة بمطار قاعدة الصخير الجوية.. في ظل مشهد سياسي وإستراتيجي أكثر إتساعاً وتعقيداً مما يبدو.. خاصة وظلال التحولات العميقة تضرب الإقليم والمنطقة وتهدد بإعادة تشكيل خرائط النفوذ والتحالفات في منطقة البحر الأحمر والفضاء العربي الأوسع..

الزيارة الخاطفة لا يمكن النظر إليها كمجرد محطة ثنائية عابرة..فهى جزء من حراك عربي أوسع يعكس تغيراً تدريجياً في مقاربة عدد من العواصم العربية للملف السوداني.. وانتقال الإهتمام من متابعة تطورات الحرب فقط.. إلى التفكير في شكل السودان القادم.. وطبيعة التوازنات السياسية والأمنية التي ستتشكل بعد انتهاء الصراع..

وفي هذا السياق.. تبدو البحرين كواحدة من الدول الخليجية التي أختارت إدارة علاقتها مع السودان بهدوء سياسي واضح..بعيداً عن الإستقطاب الحاد أو الإنخراط الرغائبي في صراعات المحاور.. مع المحافظة في الوقت ذاته على موقف داعم لاستقرار الدولة السودانية ومؤسساتها الوطنية.. انطلاقاً من رؤية تعتبر أن إنهيار السودان أو تفككه لن تكون كلفته محلية فقط..بل ستطال كامل الإقليم العربي والبحر الأحمر والقرن الإفريقي..

 

علاقات هادئة..عميقة وممتدة..

 

ورغم أن العلاقات بين السودان والبحرين لم تكن يوماً ضمن العلاقات العربية الصاخبة إعلامياً..إلا أنها أتسمت تاريخياً بدرجة معتبرة من الإستقرار والثقة السياسية..وظلت قائمة على أرضية مشتركة تتعلق بدعم الدولة الوطنية.. والحفاظ على التوازنات العربية.. وتجنب الإنزلاق نحو سياسات الصدام المفتوح..

وخلال العقود الماضية.. حافظ البلدان على مستوى ثابت من التنسيق داخل الأطر العربية والإقليمية..خاصة فيما يتعلق بالقضايا المرتبطة بالأمن القومي العربي.. والتعاون الإقتصادي.. ومواجهة التحديات التي فرضتها التحولات الإقليمية المتسارعة..

كما أن المنامة ظلت تنظر إلى السودان باعتباره دولة ذات وزن جيوسياسي خاص.. بحكم موقعه الجغرافي الرابط بين العالم العربي وإفريقيا.. وباعتباره أحد أهم البلدان المطلة على البحر الأحمر..وهي منطقة أصبحت اليوم من أكثر المناطق حساسية في الحسابات الدولية والإقليمية..

 

البحر الأحمر.. مركز الصراع الجديد..

 

من الصعب فهم أبعاد الزيارة الحالية دون وضعها في سياق التحولات الكبرى التي يشهدها البحر الأحمر.. والذي تحول خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر الساحات ازدحاماً بالتنافس الدولي والإقليمي.. سواء على مستوى النفوذ العسكري أو أمن الملاحة أو السيطرة على الموانئ وخطوط التجارة والطاقة..

وبين طرفي هذه المعادلة.. يشكل السودان رقماً بالغ الأهمية.. ليس فقط بسبب موقعه الساحلي.. وإنما أيضاً بسبب تأثير إستقراره أو إضطرابه على كامل البيئة الأمنية المحيطة، بدءاً من الخليج العربي وصولاً إلى القرن الإفريقي وشرق إفريقيا..

وعليه فإن أي مقاربة خليجية تجاه السودان لم تعد محكومة بالإعتبارات السياسية التقليدية وحدها..فقد أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بحسابات الأمن البحري.. والتوازنات الإقليمية.. ومنع تمدد الفوضى أو النفوذ المعادي داخل هذه المنطقة الحيوية..

ويبدو واضحاً أن البحرين.. بوصفها جزءاً من المنظومة الخليجية.. تدرك أن استقرار السودان يمثل أحد خطوط الدفاع المتقدمة عن الأمن العربي..وأن الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية أصبح ضرورة سياسية وأمنية..وليس مجرد موقف تضامني محدود ومؤطر بالمصالح الطارئة والتكتيكية..

 

الخرطوم تعيد التموضع عربياً..

 

الزيارة تأتي أيضاً ضمن مرحلة تشهد فيها الدبلوماسية السودانية نشاطاً متصاعداً..يعكس رغبة واضحة في إعادة التموضع داخل الفضاء العربي والإقليمي..بعد مرحلة شديدة التعقيد فرضتها الحرب وتداعياتها السياسية والإنسانية والإقتصادية..

فالخرطوم تبدو أكثر ميلاً لبناء شبكة علاقات تقوم على المصالح الإستراتيجية طويلة المدى..وعلى استعادة عمقها العربي باعتباره أحد أهم عناصر التوازن السياسي في المرحلة المقبلة..

ومن هذه الزاوية.. فإن التحركات الخارجية للفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان لا تنفصل عن مساع أوسع لإعادة تقديم السودان كشريك قادر على استعادة الإستقرار.. وكدولة ما تزال تمتلك مقومات التأثير والحضور داخل معادلات الإقليم..

كما أن هذه التحركات تعكس إدراكاً متزايداً داخل القيادة السودانية بأن معركة السودان تجاوزت الميدان العسكري بعد نيف وثلاث سنوات من الحرب الشاملة لبراحات سياسية ودبلوماسية وإقتصادية تتطلب بناء مظلة دعم عربية وإقليمية واسعة تساعد في تأمين مرحلة ما بعد الحرب..

 

الإقتصاد.. بوابة الشراكة القادمة..

بعيداً عن السياسة.. تبرز الأبعاد الإقتصادية كأحد أهم محركات التقارب المحتمل بين الخرطوم والمنامة خلال المرحلة المقبلة..

فالبحرين تُعد واحدة من أهم المراكز المالية والمصرفية في الخليج.. وتمتلك خبرة متقدمة في قطاعات التمويل والإستثمار والخدمات البنكية.. وهي مجالات قد تصبح شديدة الحيوية بالنسبة للسودان في مرحلة إعادة الإعمار وإعادة بناء الإقتصاد الوطني..

وفي المقابل.. يمتلك السودان موارد وإمكانات ضخمة ظلت محل إهتمام خليجي متزايد.. خاصة في قطاعات الزراعة والأمن الغذائي والثروة الحيوانية والتعدين والموانئ والخدمات اللوجستية..

ورغم أن الحرب عطلت كثيراً من المشاريع وفرص التعاون.. إلا أن القراءة الأعمق للتحركات السياسية الحالية تشير إلى أن عدداً من العواصم العربية بدأت بالفعل التفكير في مرحلة ما بعد الحرب..وفي طبيعة الفرص الإقتصادية والإستثمارية التي يمكن أن يوفرها السودان إذا ما تمكن من استعادة الإستقرار السياسي والأمني..

وفي هذا الإطار..تبدو البحرين مؤهلة للعب أدوار مهمة في إعادة تنشيط المسارات المالية والإستثمارية.. خاصة مع حاجة السودان المستقبلية إلى إعادة هيكلة إقتصاده..واستقطاب رؤوس الأموال.. وإعادة بناء الثقة في القطاع المصرفي والإستثماري..

 

رسائل سياسية تتجاوز الإطار الثنائي..

 

تحمل الزيارة كذلك رسائل سياسية تتجاوز حدود العلاقات الثنائية..إذ تعكس إستمرار الحضور السوداني داخل المنظومة العربية..وتؤكد أن الخرطوم ما تزال قادرة على الحفاظ على شبكة علاقات فاعلة رغم ظروف الحرب ومحاولات العزل السياسي والإعلامي التي استهدفتها خلال الفترة الماضية..

مشهد الإستقبال الرسمي في المنامة حمل دلالات سياسية مهمة في هذا الإطار أبرزها الإعتراف الواضح بمؤسسات الدولة السودانية وقيادتها.. والتأكيد على أن عدداً متزايداً من العواصم العربية بات يتعامل مع استقرار السودان باعتباره جزءاً من معادلة الإستقرار الإقليمي الأشمل..

كما تعكس الزيارة إدراكاً عربياً متنامياً بأن مستقبل علاقات السودان مع دول المحيط يستقيم بناء توازنات سياسية وإقليمية جديدة تمنع الإنهيار..وتفتح الباب أمام إعادة بناء الدولة على أسس أكثر استقراراً وتماسكاً..

 

ما بعد الحرب.. مرحلة جديدة تتشكل..

 

وبالنظر إلى طبيعة المرحلة الحالية.. فإن زيارة البحرين تبدو أقرب إلى مؤشر على بداية مرحلة سياسية جديدة أو ضمن هذه المرحلة التي تتحرك فيها الخرطوم لإعادة بناء موقعها داخل الفضاء العربي بينما تتحرك بعض العواصم الخليجية لإعادة قراءة السودان كشريك إستراتيجي لا يمكن تجاهله في معادلات الأمن والإقتصاد والإستقرار الإقليمي..

ولهذا.. فإن العلاقة بين السودان والبحرين تبدو مرشحة للإنتقال من مستوى العلاقات التقليدية الهادئة إلى مستوى أكثر حيوية وتأثيراً خلال المرحلة المقبلة..خاصة مع تزايد الحاجة العربية إلى مقاربات جماعية أكثر تماسكاً تجاه السودان.. تقوم على دعم الدولة ومؤسساتها.. ومنع الإنهيار..وتهيئة البيئة السياسية والإقتصادية لمرحلة إعادة البناء والإستقرار..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى