الناطق باسم الكتلة الديمقراطية د. نضال هشام لـ (العودة):

الانحياز للجيش واجب وطني
أبوابنا مشرعة لمن لم تلطخ أيديهم بدماء السودانيين
لا تصدعات في البيت الداخلي للكتلة
القرار السياسي تملكه القوى الوطنية بالتناغم مع الأجهزة التنفيذية
“اتفاق جوبا” يظل مرجعية أساسية للسلام
الكتلة تجاوزت عهد المبادرات الفردية في المحافل الخارجية
———
يمر المشهد السوداني بمنعطف تاريخي هو الأكثر تعقيداً في تاريخه الحديث، حيث تتداخل فيه التعقيدات العسكرية والميدانية مع المسارات السياسية والدبلوماسية لإعادة صياغة مستقبل البلاد واسترداد هيبة الدولة. وفي خضم هذه التحولات المتسارعة، تبرز “الكتلة الديمقراطية” كأحد أكبر وأهم التحالفات المدنية والسياسية المؤيدة لمؤسسات الدولة الشرعية، والداعية إلى تأسيس جبهة وطنية عريضة تقود البلاد نحو الاستقرار والتحول الديمقراطي المستدام.
ومع تزايد وتيرة الحراك الميداني والدبلوماسي، تبرز على السطح تساؤلات جوهرية ومصيرية تشغل الشارع السوداني؛ بدءاً من دلالات ومستقبل الانشقاقات المتتالية في صفوف قوات الدعم السريع، ومصير المواثيق والاتفاقيات الدستورية السابقة وعلى رأسها “اتفاقية جوبا لسلام السودان”، وصولاً إلى طبيعة التنسيق بين القوى المدنية والمؤسسة العسكرية لإدارة المرحلة الانتقالية وبناء مؤسسات رقابية وتشريعية قادرة على العبور بالبلاد من نفق الحرب المظلم.
لسبر أغوار هذه الملفات الشائكة، والوقوف على الرؤية الاستراتيجية للكتلة الديمقراطية وموقفها من القضايا الراهنة والتسويات المرتقبة، التقت صحيفة (العودة) بالدكتورة نضال هشام، الناطق الرسمي باسم الكتلة الديمقراطية، في هذا الحوار الشامل والساخن ، لتجيب فيه بعمق وشفافية على تساؤلات الراهن والمستقبل.
حوار: عماد النظيف
ظاهرة الانشقاقات عن الدعم السريع
في البدء، كيف تقرؤون الموجة الأخيرة من الانشقاقات في صفوف قوات الدعم السريع وإعلان قادة بارزين مثل “السافنا” انضمامهم للقوات المسلحة؟
هذه الخطوات والترتيبات الميدانية تقع في المقام الأول ضمن دائرة اختصاص الجيش والأجهزة الأمنية وتقديراتها العسكرية، وهي بالتأكيد لا تحمل أي صكوك لامتيازات سياسية أو وعود بمناصب دستورية في المستقبل. أما من منظورنا في الكتلة الديمقراطية ككيان سياسي، فنحن نبارك خطوة العودة إلى جادة الوطن، ونتمسك بمبدئنا الراسخ القائم على فتح باب الحوار السياسي مع كل من لم يرتكب جرائم إنسانية أو انتهاكات ضد الشعب السوداني، إذ نعتبر هذا الموقف التزاماً أخلاقياً ووطنياً تجاه شعبنا.

*تتواتر أنباء عن وجود تصدعات وخلافات عميقة تضرب تماسك الكتلة الديمقراطية؛ ما حقيقة ذلك؟ وما هي النتائج الحقيقية التي أسفرت عنها اجتماعاتكم الأخيرة في بورتسودان؟
هذه الأنباء لا أساس لها من الصحة؛ فالكتلة تشهد حالة من الانسجام التام والتنسيق العالي بين جميع مكوناتها. ولعل أكبر دليل على هذا التماسك هو نجاح اجتماعاتنا الأخيرة في بورتسودان، والتي تمخضت عن رؤى ومخرجات وطنية استراتيجية من شأنها إحداث تحول إيجابي ملموس في مسار التاريخ السوداني الحديث، وصولاً إلى تحقيق السلام والاستقرار الذي ينشده الجميع.
*في ظل التعقيد الراهن، من هي الجهة التي تمتلك التفويض الشرعي لإدارة أو إطلاق أي تسوية سياسية مستقبلية؛ هل هي القيادة العسكرية أم الجهاز التنفيذي للدولة؟
لا يمكن الفصل بين قيادة القوات المسلحة والجهاز التنفيذي للدولة، فهما يمثلان منظومة متكاملة وشراكة أصيلة لحماية أمن الوطن واستقراره. أما فيما يتعلق بالقرار السياسي، فهو مسؤولية القوى السياسية التي تعمل اليوم في تناغم تام. وفي هذا السياق، تمتلك الكتلة الديمقراطية رؤية استراتيجية متكاملة كفيلة بتأسيس واقع سياسي صحي ومعافى في السودان إذا ما جرى تطبيقها على أرض الواقع.
*ما هو الموقف الرسمي للكتلة من الدعوات المطالبة بإلغاء الوثيقة الدستورية تماماً، أو تلك التي تنادي بتفويض رئيس مجلس السيادة بصلاحيات تنفيذية وسيادية مطلقة كرئيس للجمهورية؟
لقد كانت الكتلة الديمقراطية شريكاً أساسياً ورئيسياً في صياغة التعديلات التي أُدخلت على الوثيقة الدستورية في منتصف العام الماضي. وبالتالي، فإننا نرحب بأي خطوات مستجدة تهدف إلى تطوير هذه الوثيقة أو تعديلها بما يخدم مصلحة البلاد، ويسهم في إخراج السودان من نفق الأزمة الراهنة إلى آفاق الاستقرار والتشافي الوطني.
*ثمة مشاورات مكثفة تدور خلف الكواليس لتشكيل مجلس تشريعي انتقالي؛ كيف تنظرون إلى طبيعة هذا المجلس؟ وكيف تردون على القوى التي ترى في الخطوة محاولة لشرعنة السلطة القائمة؟
تأسيس المجلس التشريعي يمثل خطوة في غاية الأهمية لحاجة البلاد لمرجعية قانونية تضبط التشريعات، وتفعل الدور الرقابي على أداء الأجهزة التنفيذية، بعيداً عن توصيفات الشرعنة أو المكايدات السياسية.
* كيف توازنون بين مبادئ التحول المدني والديمقراطية وبين دعمكم المطلق وغير المشروط للعمليات العسكرية التي يقودها الجيش؟
إن الوقوف خلف القوات المسلحة في هذه المرحلة ليس خياراً سياسياً خاضعاً للمساومة، بل هو واجب وطني مقدس يمليه الضمير على كل مواطن سوداني. هذا الانحياز لا يتعارض أبداً مع مشروعنا السياسي الذي يستوعب كافة قيم المدنية والتحول الديمقراطي والحكم الرشيد. نحن في الكتلة الديمقراطية نسعى لتأسيس نظام ديمقراطي تعددي يمنع احتكار السلطة من قبل أي جهة، خصوصاً وأن السودان يتميز بتركيبة سكانية واجتماعية متعددة فريدة تتطلب شراكة واسعة لا إقصاء فيها.
*هل ترون أن اتفاقية جوبا لسلام السودان لا تزال صالحة كمرجعية دستورية وسياسية بعد المتغيرات التي فرضتها حرب 15 أبريل؟ وكيف سيتم التعامل مع التزاماتها الإدارية والمالية المعقدة؟
اتفاقية جوبا، ومجمل العهود والمواثيق الموقعة لسلام السودان، تظل قائمة ومستمرة، وستشكل الأساس لأي عملية سلام مستقبلية. يجب أن ندرك أن أطراف سلام جوبا لم يختاروا الحرب بل فُرضت عليهم فخاضوها دفاعاً عن الدولة؛ وبالتالي فإن استحقاقاتها تظل التزاماً قائماً يتطور بتطور الحلول الشاملة.
*ما هو الموقف الحاسم للكتلة الديمقراطية تجاه “تحالف صمود”؟ وهل توجد أي تفاهمات أو قنوات اتصال غير معلنة بينكم وبينهم؟
موقفنا حيال “تحالف صمود” محكوم برؤيتنا السياسية الشاملة؛ فإذا التقت إرادتهم مع هذه الرؤية الوطنية، فإن صدورنا ممدودة للجميع في وطن يتسع لأبنائه كافة. أما بخصوص الاتصالات السرية، فنحن نؤكد جازمين أنه لا توجد أي قنوات خلف الكواليس، فالكتلة تنتهج الشفافية المطلقة مع قواعدها وجماهيرها كخيار مبدئي.
*كيف تفسرون إقدام بعض القوى والشخصيات الوطنية على المشاركة في مؤتمرات خارجية كمؤتمر برلين، رغم التحفظات والمقاطعة الرسمية من قِبل الدولة؟ ألا يضعف هذا التباين الموقف الخارجي للسودان؟
الهيكل التنظيمي للكتلة الديمقراطية يشهد اليوم تطوراً كبيراً مقارنة بالسابق، حيث تم تفعيل قطاعات متخصصة لإدارة الملفات. ومن الآن فصاعداً، فإن أي تعاطٍ مع الدعوات الخارجية سيكون قراراً جماعياً وموحداً؛ فإما أن تشارك الكتلة بكامل ثقلها ومكوناتها مجتمعة، أو تقاطع بصفة جماعية، ولن يسمح بالمواقف المنفردة مجدداً.
*كيف تنظرون إلى الأداء العام للحكومة الحالية بقيادة د. كامل إدريس، لاسيما في إدارة الملف الاقتصادي المتأزم وتوفير الاحتياجات الأساسية للمواطنين في الولايات المستقرة؟
تطلعاتنا وأملنا معقود في أن تنجح هذه الحكومة في تحويل خططها إلى بارقة أمل حقيقية للمواطن، وأن تضع تخفيف المعاناة المعيشية وتوفير الخدمات الأساسية في صدارة أولوياتها التنفيذية.
*في حال طال أمد الحرب ولم يتحقق الحسم العسكري الكامل لإنهاء التمرد خلال العام الحالي، ما هي الخطة البديلة (Plan B) التي تمتلكها الكتلة لإنقاذ البلاد من حالة السيولة الشاملة؟
الحسم العسكري هو شأن فني وتكتيكي يقع بالكامل عاتق المؤسسة العسكرية، ولم يكن يوماً هو الخطة الأساسية للكتلة الديمقراطية كونها تحالفاً سياسياً مدنياً يعتمد الأدوات السياسية لحل الأزمات. نحن نركز جهودنا على المسار المدني، وقد طرحنا بالفعل رؤيتنا السياسية التي نعتقد جازمين أنها تمثل مشروعاً شاملاً لإنقاذ البلاد والعبور بها نحو بر الأمان.



