تقرير: نزيف كردفان.. المليشيا ترتكب مجازر وحشية بقرى بارا

​مليشيا آل دقلو تبيد قري دار حامد.. ​مقتل "27" مدنياً في هجوم مباغت

​تهجير “800” أسرة قسرياً من محيط بارا
​تدمير كامل ل”3″ قرى بشمال كردفان عمداً
​المتمردون يستغلون عطلة العيد لارتكاب تطهير عرقي

​انقطاع الاتصالات يعيق إنقاذ جرحى المجزرة البشعة

تقرير :رمضان محجوب

​تُواجه قرى ومناطق شمال وغرب مدينة بارا بولاية شمال كردفان فصلاً دموياً قادماً من آلة الموت والدمار لمليشيا آل دقلو الإرهابية المتمردة، التي شنت هجوماً واسع النطاق استهدف المدنيين العُزل في “دار حامد”، متجردة من كافة القيم الإنسانية والدينية ومستغلةً عطلة عيد الأضحى المبارك لتنفيذ عملية إبادة جماعية وتطهير عرقي ممنهج. حيث اقتحمت القوات المتمردة البلدات الآمنة بقوة مميتة، ناشرةً الذعر ومحاصرةً السكان في قراهم لمنع فرارهم، في ظل تعتيم إعلامي متعمد وفرض حصار خانق أدى لانقطاع شبكات الاتصال، مما جعل تلك المناطق المنكوبة تعيش كارثة حقيقية تسيل فيها دماء الأبرياء بلا مغيث.

​■ استهداف المدنيين العزل

يُوثق مركز الخرطوم للسلم الاجتماعي والإعلام تصعيداً خطيراً وجريمة نكراء ارتكبتها مليشيا الدعم السريع المتمردة في حق المواطنين العزل بمنطقة شمال وغرب “بارا” بولاية شمال كردفان، في إطار سلسلة انتهاكاتها المستمرة ضد البنية الاجتماعية التاريخية للسودان. حيث رصد المركز تحركات عسكرية واسعة وجسورة للمليشيا استهدفت قرى ومناطق ذات ثقل اجتماعي وتاريخي وازن، متبعةً سياسة الأرض المحروقة دون مراعاة لحرمة الدماء أو القوانين الدولية الإنسانية. وجاء هذا الهجوم في وقت يفتقر فيه الإقليم لأي مظاهر أو وجود عسكري نظامي، مما يؤكد أن المستهدف الأول والأخير من هذه العمليات البربرية هو المواطن البسيط في مسكنه، لترسيخ واقع جديد يقوم على الترويع والتهجير القسري للمجموعات السكانية المستقرة منذ مئات السنين.

​■ تفاصيل الهجوم الغادر

تعود تفاصيل الحادثة والظروف الميدانية المؤلمة التي واكبت هذه المجزرة البشعة، إلى أن المنطقة شهدت هجوماً كاسحاً وغادراً استهدف ثلاث قرى رئيسية في عمق “دار حامد”، وهي قري (أم سعدون الشريف، صنوبر، والمره). وبدأ الهجوم بشكل مباغت وقبيل صلاة المغرب بقليل، حيث تدفقت أعداد كبيرة من أفراد المليشيا مدججين بالأسلحة الثقيلة والخفيفة وسيارات الدفع الرباعي، مستخدمين القوة المميتة والمفرطة ضد سكان القرى الآمنين الذين تفاجأوا بالرصاص ينهمر على دورهم ومساجدهم. وأمام هذا التغول، لم يجد المواطنون بداً من اتخاذ قرار مبدئي وتاريخي بالدفاع عن أرضهم وعرضهم وأنفسهم بوسائلهم البسيطة، مما حول المنطقة على الفور إلى ساحة مواجهة غير متكافئة وإبادة جماعية مارست فيها المليشيا أبشع أنواع التنكيل بالمدنيين.

​■ حصار وتعتيم إعلامي

مع تسارع الأحداث الميدانية، فرضت القوات المتمردة طوقاً عسكرياً محكماً على القرى الثلاث من عدة جهات بهدف إغلاق كافة المنافذ ومنع فرار المدنيين أو خروجهم صوب المناطق الآمنة، لتتحول القرى إلى معتقلات مفتوحة يمارس فيها القتل تحت التعذيب والقنص المباشر. وتزامن هذا الحصار الخانق مع عمليات نهب واسعة وممنهجة طالت الموارد الغذائية والمحاصيل والمواشي التي يقتات عليها الأهالي، بجانب حرق متعمد وشامل للمنازل السكنية والمرافق الخدمية والصحية البسيطة لإعدام مقومات الحياة بالمنطقة. ويعيش الناجون من هذه المحرقة ظروفاً مأساوية وكارثية بالغة التعقيد في ظل انقطاع شبه تام لشبكات الاتصال والإنترنت، مما عاق التوثيق الفوري واللحظي لهذه الجرائم، وحال دون توفير مسارات آمنة لنقل الجرحى إلى مستشفى بارا أو الأبيض.

​■ أرقام الضحايا والانتهاكات

أعلنت شبكة أطباء السودان في بيان رسمي وصادم، عن مقتل 27 شخصاً من المدنيين، بينهم عدد كبير من كبار السن والأطفال الذين لم يشفع لهم سنهم لدى القوات المغيرة، وذلك جراء الهجوم المسلح والوحشي الذي شنته المليشيا على قرى منطقة “المرة” غربي مدينة بارا. وأشارت المتابعات الأولية والراصدون الميدانيون للمركز والشبكة الطبية إلى سقوط عشرات الشهداء الآخرين الذين لم يتم حصرهم بشكل نهائي ودقيق حتى الآن نظراً لتناثر الجثث في الطرقات والمزارع وصعوبة الوصول إليها بسبب انتشار قناصة المليشيا. كما تسبب القصف العشوائي والرصاص الحي في إصابة أكثر من 100 مدني بجروح متفاوتة الخطورة، يواجهون خطر الموت الحتمي نتيجة انعدام الرعاية الطبية والإسعافات الأولية داخل القرى المحاصرة.

​■ موجات نزوح واسعة

على صعيد المعاناة الإنسانية وحركة النزوح، رصد مركز الخرطوم للسلم الاجتماعي والإعلام موجة نزوح قسري حادة وواسعة النطاق لأكثر من 800 أسرة من محيط القرى الثلاث المنكوبة باتجاه المناطق الخلوية والوديان البعيدة، هرباً من بطش المليشيا المتمردة. وفرت هذه العائلات هائمة على وجوهها في العراء دون أن تحمل معها أي مأوى أو زاد، مما يهدد بحدوث كارثة إنسانية وصحية وشيكة، لا سيما في ظل الظروف المناخية القاسية والارتفاع الحاد في درجات الحرارة التي تشهدها ولاية شمال كردفان هذه الأيام. وتحذر المنظمات المحلية من أن ترك هؤلاء النازحين دون إغاثة عاجلة سيتسبب في حالات وفاة واسعة وسط الأطفال والنساء الحوامل وكبار السن الذين يفتقرون لأبسط سبل البقاء.

​■ إدانات وتجريم المليشيا

أكدت الهيئات الحقوقية والشبكات الطبية أن هذه المجزرة التي وقعت في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، تمثل انتهاكاً صارخاً وصارماً للقانون الإنساني الدولي ولكافة المواثيق والأعراف الدولية التي تُحرم وتجرم استهداف المدنيين وتجمعاتهم السكنية. واعتبر مركز الخرطوم للسلم الاجتماعي أن ما حدث في “دار حامد” هو جريمة حرب مكتملة الأركان وجريمة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، مشيراً إلى أن المليشيا تتعمد تفتيت البنية المجتمعية لولاية شمال كردفان وإحداث تغيير ديمغرافي عبر سياسة الأرض المحروقة والتهجير القسري. وحمل المركز قيادة مليشيا الدعم السريع المسؤولية القانونية والجنائية الكاملة عن هذه الفظائع، معتبراً صمت المجتمع الدولي بمثابة ضوء أخضر لاستمرار هذه الانتهاكات ضد الأبرياء.

​■ مطالبات بتدخل دولي

بينما طالبت شبكة أطباء السودان ومركز السلم الاجتماعي المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية والعدلية الإقليمية والدولية بالتدخل العاجل والفوري لإدانة هذه الانتهاكات الجسيمة، والعمل على توفير الحماية الفعلية للمدنيين العزل في ولايات السودان المختلفة. وشددت المطالبات على ضرورة الضغط الحقيقي والفعال على قيادة الدعم السريع لوقف استهداف المناطق المأهولة بالسكان والقرى الآمنة التي لا تضم أي ثكنات عسكرية، مع تفعيل آليات المحاسبة الدولية لتقديم المتورطين والمحرضين على هذه المجازر للعدالة الجنائية. ودعت المنظمات والروابط الإنسانية إلى ضرورة توثيق هذه الفظائع وجمع شهادات الناجين من أجل تقديمها للمحاكم الدولية لضمان عدم الإفلات من العقاب وردع مرتكبي التطهير العرقي.

​■ نداءات للقوات المسلحة

واختتم مركز الخرطوم للسلم الاجتماعي والإعلام تقريره العاجل بتحية إجلال وإكبار لصمود وبسالة الأهل في كردفان الكبرى الذين يدافعون عن أرضهم وعرضهم في وجه آلة البطش الإجرامية للمليشيا المتمردة. ووجه المركز نداءً حاراً وعاجلاً إلى القوات المسلحة السودانية وكافة الأجهزة النظامية بضرورة التحرك السريع والعاجل لفك الحصار عن هذه القرى المعزولة وحماية ما تبقى من أرواح وممتلكات المواطنين في تلك المناطق المحاصرة. كما ناشد كافة الفعاليات المجتمعية والقبائل بضرورة التضامن والوقوف صفاً واحداً في مواجهة هذا التمدد السرطاني للمليشيا الذي يستهدف الوجود البشري والاجتماعي في كل شبر من أرض الوطن، مؤكداً جاهزية المركز لمواصلة رصد وفضح هذه الانتهاكات للرأي العام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى